جستجو

و من خطبة له ع يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فيها ذكر الحج و تحتوي على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائكة و اختيار الأنبياء و مبعث النبي و القرآن و الأحكام الشرعية

متن ترجمه آیتی ترجمه شهیدی ترجمه معادیخواه تفسیر منهاج البرائه خویی تفسیر ابن ابی الحدید تفسیر ابن میثم

[ 293 ] فمن خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الارض و خلق آدم عليه السلام و هي الخطبة الاولى من المختار فى باب الخطب و يذكر فيها صفة الحجّ و وجوبه ، و هي من جلائل خطبه و مشاهيرها ، و قد رواها المحدث العلاّمة المجلسى طاب ثراه في كتاب البحار إلى قوله الى يوم الوقت المعلوم آخر الفصل الحادي عشر من كتاب عيون الحكمة و المواعظ لمحمّد بن علي الواسطي مرسلة كما في الكتاب ، و شرحها في ضمن فصول : الفصل الاول الحمد للّه الّذي لا يبلغ مدحته القائلون ، و لا يحصي نعمائه العادّون و لا يؤدّي حقّه المجتهدون . اللغة ( الحمد ) و المدح و الشكر متقاربة المعاني و مشتركة في الدّلالة على الثّناء الجميل ، و ربّما يحكم باتحاد الأوّلين و كونهما أخوين قال في الكشاف : الحمد و المدح أخوان ، و هو الثّناء و النّداء على الجميل من نعمة و غيرها ، تقول : حمدت الرّجل على انعامه و حمدت على حسنه و شجاعته انتهى ، و نسبه الشّارح المعتزلي إلى أكثر الادباء و المتكلمين ، و مثل لهما بقوله : حمدت زيدا على إنعامه و مدحته على إنعامه ، و حمدته على شجاعته و مدحته على شجاعته ، ثم قال : فهما سواء يدخلان فيما كان من فعل الانسان ، و فيما ليس من فعله كما ذكرناه من المثالين هذا و لكنّ المعروف أخصّية الحمد من المدح بوجوه : أحدها أن الحمد هو الثّناء على ذي علم و حياة لكماله ، و المدح هو الثّناء على الشّي‏ء لكماله ، سواء كان ذا علم و حياة أم لا ، أ لا ترى أنّ من رأى لؤلؤة في غاية الحسن ، أو ياقوتة كذلك ، فانّه قد يمدحها ، و يستحيل أن يحمدها . الثّاني أن الحمد لا يكون إلاّ بعد الاحسان ، و المدح قد يكون قبل الاحسان و قد يكون بعده . [ 294 ] الثّالث أن الحمد هو الثّناء على الجميل الاختياري ، تقول : حمدته على كرمه ، و لا تقول : على حسنه ، و المدح يعم الاختياري و غيره . و أما الشكر فربما يعرّف بأنّه تعظيم المنعم من حيث انّه منعم على الشّاكر ، فيكون أخصّ من الحمد من وجه و اعم منه بوجه آخر . أمّا الأوّل فلأنّ الشكر لا يكون الاّ على النّعمة الواصلة إلى الشاكر ، و الحمد يكون على النّعمة و غيرها ، و على النّعمة العائدة إلى الحامد و غيرها و أمّا الثّاني فلأن الحمد لا يكون إلاّ باللّسان ، و الشكر يكون باللّسان و الجوارح و القلب ، قال الشّاعر : أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة يدي و لساني و الضمير المحجبا أقول : هكذا فرق جماعة بينهما منهم الزّمخشري و التّفتازاني و البيضاوي و غيرهم ، إلاّ أن تخصيص مورد الحمد باللّسان يشكل بقوله سبحانه : وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه‏ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ اللّهمّ إلاّ أن يراد باللّسان الأعم من لسان الحال و لسان المقال ، بعنوان عموم المجاز ، فانّه سبحانه حيث بسط بساط الوجود على أفراد الممكنات و آحاد الموجودات ، و وضع عليه موائد كرمه و ألطافه التي لا تتناهى ، فكلّ ذرّة من ذرات الوجود لسان حال ناطق بحمده ، و نظيره إرادة الخضوع التكويني و الافتقار الذّاتي من السّجود الظاهر في وضع الجبهة في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمواتِ وَ مَنْ في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوابُّ . فان قلت : سلّمنا هذا كله و لكنّك ما تصنع بقوله : و لكن لا تفقهون تسبيحهم ، فان التّسبيح و الحمد بلسان الحال مفقوه معلوم قلنا : الخطاب للمشركين ، و هم و إن كانوا إذا سئلوا عن خالق السّماوات و الأرض قالوا : اللّه ، إلاّ أنّهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنّهم لم ينظروا و لم يقرّوا ، لأنّ نتيجة النّظر الصحيح و الاقرار الثّابت خلاف ما كانوا عليه ، فاذن لم [ 295 ] يفقهوا التّسبيح و لم يستوضحوا الدلالة على الخالق هذا ، و مثل هذا الاشكال و الجواب يجري في قوله سبحانه : وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه‏ . و لا حاجة إلى تكلف التّأويل بانّه يسبّح سامع الرّعد من العباد ، الرّاجين للمطر حامدين له كما تحمله في الكشاف ، و يأتي ان شاء اللّه تحقيق ذلك في شرح المختار المأة و التسعين بما لا مزيد عليه . ( و اللّه ) اسم جامد علم للذّات المستجمع لصفات الكمال ، و اختار جموده جماعة من المفسرين و غيرهم محتجّين بحجج مذكورة في محالها . و ذهب الكوفيون إلى أنّ الأولين قالوا : باشتقاقه من إله على وزن فعال ، فادخلت عليه الألف و اللاّم للتّعظيم ، فصار الاله ، فخذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسنة ، فاجتمع لامان فادغمت الاولى ، و الآخرين قالوا : بأن اصله لاه ، فادخلت عليه الألف و اللاّم ، فقيل اللّه ، و أمّا لفظة الالاه ، فقال الزّمخشري و تبعه الشّارح المعتزلي و غيره : إنّه من أسماء الأجناس اسم يقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل ، ثم غلب على المعبود بالحقّ كالنّجم للثّريا ، و الكتاب لكتاب سيبويه ، و البيت لبيت اللّه ، و السّنة لعام القحط . و ذهب جماعة الى اشتقاقها و اختلفوا في أصلها على أقوال شتّى : فقيل إنّها مأخوذة من أله إلاهة و الوهة و الوهية ، من باب منع إذا عبد عبادة ، فالاله بمعنى مألوه ، ككتاب بمعنى مكتوب ، و بساط بمعنى مبسوط ، و انكار الشّارح المعتزلي له لا وجه له مع تصريح جماعة من اللغويّين و المفسرين به ، و لكونها بهذا المعنى صحّ تعلق الظرف بها في قوله : هُوَ الَّذي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ . و قيل : إنّها مأخوذة من أله إذا تحيّر ، لتحيّر العقول في معرفة ذاته . و قيل : إنّها مأخوذة من ألهت إلى فلان ، أى سكنت إليه ، لأن القلوب [ 296 ] تطمئن بذكره سبحانه ، و الأرواح تسكن إلى معرفته ، أو من ألهت إلى فلان ، أى فزعت إليه ، لأن العائذ يفزع إليه و هو يجيره . و قيل : إنّها من لاه مصدر لاه يليه ليها و لاها إذا احتجب و ارتفع ، لأنّه تعالى محجوب عن إدراك الأبصار ، و مرتفع على كلّ شي‏ء ، و قيل أقوال اخر يطول ذكرها . فان قيل : ما معنى الاشتقاق الذي ذكرته ؟ قلت : الاشتقاق على ما ذكره الزّمخشري و غيره هو أن ينتظم الصّيغتين فصاعدا معنى واحد و هذا موجود بينها و بين الاصول المذكورة ( و البلوغ ) هو الوصول أو المشارفة يقال : بلغ المكان بلوغا من باب نصر إذا وصل إليه أو شارف عليه ، و الثاني أكمل و أبلغ بالنّسبة إلى المقام ( و المدحة ) قال الشّارح المعتزلى : هي هيئة المدح ، كالركبة هيئة الركوب ، و الجلسة هيئة الجلوس ، و في القاموس مدحه كمنعه مدحا و مدحة ، أحسن الثّناء عليه ( و المجتهد ) من اجتهد في الأمر إذا بذل وسعه و طاقته في طلبه ليبلغ مجهوده و يصل إلى نهايته . الاعراب الحمد مرفوع بالابتداء ، و خبره للّه ، و أصله النّصب ، و به قرء بعضهم في الكتاب العزيز باضمار فعله ، على انّه من المصادر السّادة مساد الأفعال ، مثل شكرا و كفرا ، و العدول من النّصب إلى الرّفع للدّلالة على الثبات و الاستقرار ، و مثله قوله تعالى : قالُوا : سَلاماً ، قالَ : سَلامٌ . حيث رفع الثّاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حيّاهم بتحية أحسن من تحيّتهم ، لأنّ الرّفع دال على معنى ثبات السّلام لهم دون تجدده و حدوثه ، و حرف التّعريف الدّاخل عليه للجنس ، لأنّه المتبادر إلى الفهم الشّايع في الاستعمال ، لا سيّما في المصادر و عند خفاء قراين الاستغراق ، أو لأنّ المصادر الخالية عن اللواحق و الدّواخل لا تدل [ 297 ] إلاّ على الماهية لا بشرط شي‏ء ، كما ادّعى السّكاكى إجماع أهل العربية عليه في محكيّ كلامه ، و حرف التّعريف لا تفيد إلاّ التّعيين و الاشارة ، فيكون معناها الاشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو . قال في الكشّاف : التّعريف فيه نحو التّعريف في أرسلها العراك ، و هو تعريف الجنس إلى أن قال : فالاستغراق الذي يتوهّمه كثير من النّاس و هم ، و قيل : إنّها للاستغراق ، و ربّما يرجح على الأوّل بما فيه من إفادتها رجوع جميع المحامد إليه سبحانه بخلاف الأوّل . و فيه أن كونها للجنس لا ينافي ذلك ، و ذلك لأنّ اللاّم في قوله للّه إمّا للملك كما في قولنا : المال لزيد ، أو للاختصاص كما في قولنا : الحصير للمسجد ، و على التقديرين فتفيد رجوع المحامد إليه سبحانه ، لأنّ معناه أنّ ماهيّة الحمد حق للّه و ملك له و مختص به ، و ذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهيّة لغير اللّه ، فثبت على هذا القول أيضا أنّ قوله عليه السلام : الحمد للّه ينفي حصول الحمد لغير اللّه . فان قيل : أ ليس أنّ المنعم يستحقّ الحمد من المنعم عليه و الاستاذ من التلميذ ؟ قلنا : كلّ من أنعم على غيره فالانعام في الحقيقة من اللّه سبحانه ، لأنّه تعالى لو لا خلق تلك الدّاعية في قلب المنعم لما أقدم على ذلك الانعام ، و لو لا أنّه خلق تلك النّعمة و سلّط ذلك المنعم عليها و مكن المنعم عليه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النّعمة ، فثبت أنّ المنعم في الحقيقة هو اللّه سبحانه قال تعالى : وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ و الالف و اللاّم في القائلون للاستغراق ، لعدم خلاف ظاهر بين أصحابنا في إفادة الجمع المعرّف للعموم ، و هو المتبادر منه أيضا و يدلّ عليه أيضا جواز الاستثناء مطردا ، و منه يظهر فساد ما توهّمه القطب الرّاوندي على ما حكاه عنه الشّارح المعتزلي من كونها فيه للجنس كما في الحمد ، مضافا إلى لزوم إرادة الاستغراق و العموم في خصوص المقام و إن لم نقل به في ساير المقامات ، لعدم تماميّة المعنى إلاّ به ، [ 298 ] لأنّ المبالغة بل الحقّ المحض عجز جميع القائلين عن حمده ، و معلوم أنّ الجنس لا يفيد ذلك . المعنى ( الحمد للّه ) أى الثناء الحسن حقّ و مخصوص للذّات المستجمع للصّفات الجماليّة و الجلاليّة . و عن تفسير الامام عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام : اللّه هو الذي يتأله إليه كلّ مخلوق عند الحوائج و الشّدائد ، إذا انقطع الرّجاء من كلّ من دونه ، و تقطع الأسباب من جميع من سواه . و عنه عليه السلام أيضا اللّه أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ ، لا ينبغي أن يتسم به غيره . و في التّوحيد عنه عليه السلام أيضا اللّه معناه المعبود الذي يأله 1 فيه الخلق و يوله إليه ، و المستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام و الخطرات . و فيه عن الباقر عليه السلام اللّه معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك مائيّته ، و الاحاطة بكيفيّته ، و يقول العرب : أله الرّجل إذا تحيّر في الشي‏ء فلم يحط به علما ، و وله إذا فزع إلى شي‏ء ممّا يحذره و يخافه ، فالاله هو المستور عن حواس الخلق ( الذي لا يبلغ مدحته القائلون ) أى لا يشارف على مدحه أحد من آحاد القائلين ، فكيف يصلون إليه و هو إشارة إلى العجز عن القيام بحمده سبحانه كما هو أهله و مستحقّه ، و من ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . فان قلت : روى في الكافي عن الصّادق عليه السلام ما أنعم اللّه على عبده بنعمته صغرت أو كبرت فقال : الحمد للّه إلاّ أدّى شكرها ، فكيف التّوفيق بينه و بين النّبويّ و الخطبة ؟ ----------- ( 1 ) أى يتحير فيه الخلق و يشتاق اليه منه [ 299 ] قلت : يمكن الجمع بينهما بأنّ المراد بها إظهار العجز عن الحمد و الثّناء اللاّيق بحضرته سبحانه كما أشرنا إليه ، و المراد بأداء الشكر فيه ، أداؤه اللاّيق بحال العبد الموجب لسقوط تكليف الشكر عنه و المحصّل لرضائه سبحانه و تعالى عنه بهذا المقدار بكرمه العميم و لطفه الجسيم . و يشير إليه ما رواه الصّادق عن أبيه عليهما السّلام قال : فقد أبي بغلة له ، فقال : لان ردّها اللّه تعالى لأحمدنّه بمحامد يرضاها ، فما لبث أن اتي بها بسرجها و لجامها فلما استوى عليها و ضمّ إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء ، فقال : الحمد للّه ، و لم يزد ، ثمّ قال : و ما تركت و ما أبقيت شيئا جعلت كلّ أنواع المحامد للّه عزّ و جلّ ، ما من حمد إلاّ هو داخل فيما قلت انتهى . قيل : و إنّما اختار عليه السلام القائلين على المادحين ، لكونه أبلغ ، من حيث إنّ القائل أعمّ من المادح ، و عدم بلوغ الأعم بمدحته مستلزم لعدم بلوغ الأخص . أقول : و الأولى أن يقال : إنّ السّر في العدول عنه إليه هو أنّ الغرض من الجملة الوصفيّة الاشارة إلى عدم إمكان القيام على مدحته حسبما عرفت سابقا ، فاذا لم يمكن القيام عليه لم يوجد هناك من قام به المدح ، فلا يوجد له مادح في الحقيقة ، و التّعبير بالمادحين ينافي هذا الغرض ، كما أنّ التّعبير بالقائلين يؤكده ، لأنّ فيه إشعارا بأنّ من صدر عنه مدح فهو قول يليق بقائله و ليس بمدح حقيقي يليق به تعالى كما لا يخفى ، و يأتي إن شاء اللّه تمام التّحقيق في عدم إمكان مدحه و وصفه سبحانه في شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعين ( و لا يحصي نعمائه العادّون ) إذ النّعم غير محصورة ، و الفيوضات غير متناهية ، فلا يحيط بها عدّ ، و لا يضبطها حدّ . قال سبحانه : وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قال البيضاوي : لا تحصروها ، و لا تطيقوا عدّ أنواعها فضلا من أفرادها ، فانّها غير متناهيّة ، ثمّ قال : و فيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالاضافة . أقول : أمّا إفادة المفرد المضاف للعموم في الآية فممّا لا غبار عليه ، لقيام [ 300 ] القرينة ، و أمّا دلالته عليه مطلقا فمحلّ منع كما برهن في الاصول ( و لا يؤدّي حقّه المجتهدون ) أى حقّه اللاّزم على العباد و إن بذلوا وسعهم و طاقتهم ، و اجتهدوا في أدائه و قضائه ، و المراد بالحقّ اللاّزم هو القيام على شكر النّعماء ، و حمد الآلاء ، فأشار عليه السلام إلى أنّه لا يمكن القيام بوظايف حمده ، لأنّ الحمد من جملة نعمه ، فيستحق عليه حمدا و شكرا ، فلا ينقضي ما يستحقه من المحامد ، لعدم تناهي نعمه ، فالأولى حينئذ الاعتراف بالعجز و القصور . كما اعترف به داود النبيّ عليه السلام فيما روي عنه ، حيث قال : يا ربّ كيف أشكرك ، و شكري لك نعمة اخرى توجب علىّ الشكر لك ، فاوحى اللّه إليه ، إذا عرفت أنّ النّعم منّي رضيت منك بذلك شكرا . و مثله موسى عليه السلام روى في الكافي عن أبيعبد اللّه عليه السلام قال : أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى : يا موسى اشكرني حقّ شكري ، فقال : يا ربّ كيف أشكرك حقّ شكرك ؟ و ليس من شكر أشكرك به إلاّ و أنت أنعمت به علىّ ، قال : يا موسى الآن شكرتني حين علمت أن ذلك منّي . و من طريق العامة في مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، أنت يا ربّ أسبغت علىّ النّعم السّوابغ فشكرتك عليها ، فكيف لي بشكر شكرك ؟ فقال اللّه تعالى : تعلّمت العلم الذي لا يفوته علم ، فحسبك أن تعلم أنّ ذلك من عندي ، و في هذا المعنى قال محمود الورّاق : شكر الاله نعمة موجبة لشكره و كيف شكري برّه و شكره من برّه و قال آخر : إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة علىّ بها في مثلها يجب الشّكر فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله و إن طالت الأيّام و اتصل العمر و في الكافي عن السّجاد عليه السلام ، أنّه إذا قرء قوله تعالى : وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ 301 ] يقول : سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلاّ المعرفة بالتّقصير عن معرفتها ، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدرك ، فشكر اللّه تعالى معرفة العارفين بالتّقصير عن معرفة شكره ، فجعل معرفتهم بالتّقصير شكرا كما علّم العالمين أنّهم لا يدركونه ، فجعله اللّه إيمانا ، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك ، فان شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته ، و كيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له و لا كيف ؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . الترجمة يعنى ستايش مر خداوند معبود بحقّ واجب الوجوديراست كه نميرسد بثناى او يا بهيئة ثناى او جميع گويندگان ، و شمار نميتوانند نمايند نعمتهاى او را جميع شمارندگان ، و بجا نميتوانند آورد حق نعمت او را سعى و كوشش كنندگان ، و لنعم ما قيل : حق شكر تو نداند هيچكس حيرت آمد حاصل دانا و بس آن بزرگى گفت با حقّ در نهان كاى پديد آرنده هر دو جهان اى منزّه از زن و فرزند و جفت كى توانم شكر نعمتهات گفت پيك حضرت دادش از ايزد پيام گفتش از تو اين بود شكر مدام چون در اين ره اينقدر بشناختى شكر نعمتهاى ما پرداختى الفصل الثانى الّذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن الّذي ليس لصفته حدّ محدود و لا نعت موجود و لا وقت معدود و لا أجل ممدود . اللغة ( البعد ) ضدّ القرب ( و الهمم ) جمع الهمّة و هو العزم و الجزم الثّابت الذي لا يعتريه فتور ( و النيل ) الاصابة ( و الغوص ) النّزول تحت الماء لاستخراج ما فيه ، و منه قيل : غاص في المعاني إذا بلغ أقصاها حتّى استخرج ما بعد منها ( و الفطن ) [ 302 ] جمع الفطنة و هي الجودة و الحذاقة ( و الوقت ) مقدار حركة الفلك ( و الاجل ) هو الوقت المضروب للشّي‏ء الذي يحلّ فيه ، و منه أجل الانسان للوقت المقدر فيه موته ، و أجل الدّين للوقت الذي يحل فيه قضاؤه . الاعراب الذي موصول اسميّ و هو مع صلته في محل الجرّ صفة للّه ، و الجملة بعده صلة له ، و لا محلّ لها من الاعراب ، و اضافة البعد إلى الهمم ، لفظية بمعنى اللام ، كاضافة الغوص إلى الفطن ، و ليست من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف على ما قاله بعضهم ، لأنّ هذه الاضافة بعد الاغماض عن الاشكال في أصلها و البناء على مذهب الكوفيّين من صحّتها ، لا يمكن جريانها في المقام ، إذ المطابقة بين الصّفة و الموصوف في الافراد و نقيضيه لازمة ، و هي في المقام منتفية ، اللّهم إلاّ أن يوجّه بان الصّفة هنا مصدر ، و يستوي فيه التّذكير و التّأنيث و الافراد و الجمع و لا باس به . المعنى ( الذي لا يدركه بعد الهمم ) أى لا يدركه همم أصحاب النّظر و أوهام أرباب الفكر و ان علت و بعدت ، و المراد ببعدها تعلقها بالامور المعظمة ، و المبادي العالية ( و لا يناله غوص الفطن ) أى لا يصيب كنه ذاته غوص أرباب الفطن في بحار معرفته و كنه حقيقته . قال الصّدر الشّيرازي : و اسناد الغوص إلى الفطن على سبيل الاستعارة ، إذ الحقيقة إسناده إلى الحيوان بالنّسبة ، و هو مستلزم لتشبيه العلوم العقلية بالماء و وجه الاستعارة هيهنا أنّ صفات الجلال و نعوت الكمال ، في عدم تناهيها و الوصول إلى حقايقها و أغوارها ، تشبه البحر الخضم الذي لا يصل السّابح له إلى الساحل ، و لا ينتهي الغائص فيه إلى قرار ، و كان السّابح لذلك البحر ، و الخائض في تياره هي الفطن الثّاقبة ، لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر ، فاسند الغوص إليها ، و في معناه الغوص في الفكر ، و يقرب منه إسناد الادراك إلى بعد الهمم ، اذ كان الادراك حقيقة في لحوق جسم لجسم آخر . [ 303 ] ثمّ وجه الحسن في إضافة بعد الهمم ، و غوص الفطن و قد مرّ أنّه من باب إضافة الصّفة بلفظ المصدر إلى الموصوف دون أن يقول كما هو الأصل : الهمم البعيدة ، و الفطن الغائصة ، أنّ المقصود لما كان هو المبالغة في عدم إصابة وصفه تعالي بالفطنة من حيث هي ذات غوص ، و بالهمّة من حيث هي ذات بعد ، كانت تلك الحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل ، و البلاغة تقتضي تقديم الأهمّ و المقصود الأوّل على ما ليس بأهمّ على ما هو المقرّر عند أهل البيان ، و يشهد له الأذواق السّليمة . اذا عرفت ذلك فنقول : هاتان الفقرتان إشارتان إلى عدم إمكان إدراك ذاته ، و الوصول إلى حقيقته و هو ممّا لا ريب فيه . و برهانه ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن هشام بن الحكم ، قال : الأشياء لا تدرك إلاّ بأمرين بالحواس و القلب ، و الحواس إدراكها على ثلاثة معان : إدراك بالمداخلة ، و إدراك بالمماسة ، و إدراك بلا مداخلة و لا مماسة . فامّا الادراك الذي بالمداخلة فالأصوات و المشام و الطعوم . و أمّا الادراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التّربيع و التّثليث ، و معرفة اللين و الخشن ، و الحرّ و البرد . و أمّا الادراك بلا مماسة و لا مداخلة فالبصر ، فانّه يدرك الأشياء بلا مماسة و لا مداخلة في حيّز غيره لا في حيّزه ، و إدراك البصر له سبيل و سبب ، فسبيله الهواء ، و سببه الضّياء ، فاذا كان السّبيل متّصلا بينه و بين المرئي و السّبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان و الأشخاص ، فاذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكى ما ورائه ، كالنّاظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة ، فاذا لم يكن له سبيل رجع راجعا و يحكي ما ورائه ، و كذلك النّاظر إلى الماء الصّافي يرجع راجعا فيحكي ما ورائه ، إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره ، فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء ، فهو يدرك جميع ما في الهواء و يتوهّمه ، فاذا حمل القلب على ما ليس [ 304 ] في الهواء موجودا ، رجع راجعا فحكى ما في الهواء ، فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من أمر التّوحيد ، فانّه إن فعل ذلك لم يتوهم إلاّ ما في الهواء موجود ، كما قلنا في أمر البصر تعالى اللّه أن يشبهه خلقه انتهى . توضيحه أنّ المدارك على كثرتها منحصرة في أمرين ، لأنّ العوالم على كثرتها منحصرة في عالمين أحدهما عالم الدّنيا و الشّهادة ، و الثانى عالم الغيب و الآخرة ، فالمدرك لما في عالم الشّهادة هو إحدى الحواس الخمس ، و المدرك لما في عالم الغيب هو القلب ، و المراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنة ، أعني الخيال و الوهم و العقل . أمّا مدركات الحواس فلا تتجاوز عن المحسوسات ، و هي منحصرة في الجسم و الجسمانيات ، و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك . و أمّا مدركات القلوب فانّما هي منحصرة لما في الهواء ، و المراد بالهواء هو الفضاء ما بين السّماء و الأرض ، و لعل المراد به هنا عالم الامكان طولا و عرضا ، و تسميته بالهواء من باب تسمية الكلّ باسم الجزء . و أنّما قلنا إن المراد به ذلك ، لأنّ إدراك القلب غير مقصور على مدركات الحواس ، و لا مشروط بشرايط إدراك الحواس فيدرك جميع ما في الهواء بوساطة و لا بوساطة بالتّوهم ، فاذا حمل القلب على إدراك ما ليس بموجود في الهواء يعود راجعا ، فيخترع صورة من عنده ، فيحكي لما ليس بموجود في العين بما يخترع في وهمه ، و هكذا عادته في المواضع المظلمة و المخاوف ، فلا بدّ للعاقل أن لا يحمل قلبه على إدراك ما ليس بموجود ، كحمله على الموجود ، و لا يحمل على ما ليس بمحسوس لأن لا يقع في غلط الوهم ، و كذا من طلب إدراك الحق من طرق الحواس وقع في الزّيغ و الضّلال ، فانّه سبحانه أجلّ و أعظم من أن يطلب و ينال من سبيل الحس و الخيال ، و لذلك قال الباقر عليه السلام : كلما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مصنوع مثلكم ، مردود إليكم . فقد تلخّص ممّا ذكرنا كله أن كلّ سابح في بحار جلاله غريق ، و كلّ مدّع [ 305 ] للوصول إليه فبأنوار كبريائه حريق ، سبحانه و تعالى شانه علوّا كبيرا ( الذي ليس لصفته حدّ محدود ) الظاهر أنّ المراد بصفته : الصّفات الذّاتية ، و هي العلم و الحياة و القدرة و الاختيار و أمثالها ، و المراد بالحدّ : الغاية و النّهاية ، يقال : هذا حدّ الأرض أى غايتها و منتهاها ، و المحدود من حدّ الشّي‏ء عن الشّي‏ء إذا عيّنه ، فالمعنى أنّه ليس لصفاته غاية معينة ، و نهاية مميّزة . و يشهد به ما رواه في الكافي باسناده عن الكابلي قال : كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في دعاء : الحمد للّه منتهى علمه ، فكتب إلىّ لا تقولن منتهى علمه ، فليس لعلمه منتهى ، و لكن قل منتهى رضاه ، هذا و يحتمل أن يكون المراد بالحدّ : الحدّ المنطقي ، و هو ما يعرّف به الشّي‏ء فيكون المعنى أنّه ليس لذاته حدّ يعرف به قياسا على الأشياء المحدودة ، و ذلك لأنّه ليس بمركب و كلّ محدود مركب ، و في الكافي عن أبي حمزة ، قال : قال لي عليّ بن الحسين عليهما السّلام : يا با حمزة إنّ اللّه لا يوصف بمحدوديّة ، عظم ربّنا عن الصّفة ، و كيف يوصف بمحدوديّة من لا يحدّ . أقول : يعنى من ليس له حدّ لتنزّهه عن الاجزاء و النّهايات ، و الحدّ مستلزم للتّجزية و التكثّر المنافي للوجوب الذّاتي ، و عدم الافتقار ، و يمكن أن يكون وصف الحدّ بالمحدود من باب المبالغة و التّأكيد من قبيل شعر شاعر ، و حجرا محجورا ، و نسيا منسيّا ، و نحو ذلك ، أو المفعول بمعنى الفاعل كما في قوله تعالى : حِجاباً مَسْتُوراً أي ساترا وَ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أى آتيا ( و لا نعت موجود ) أى رسم موجود يرسم به قياسا على الأشياء المرسومة بلوازمها و أوصافها ، و الاّ يلزم كون الذّات محلاّ للأعراض و الأوصاف و هو منزّه عن ذلك . و يدل عليه ما رواه في الكافي عن الفضيل بن يسار قال : إنّ اللّه لا يوصف ، و كيف يوصف و قد قال في كتابه : وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه‏ فلا يوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك ، و في رواية أبي حمزة ، عن عليّ بن الحسين [ 306 ] عليهما السّلام ، قال : قال : لو اجتمع أهل السّماء و الأرض أن يصفوا اللّه بعظمته لم يقدروا . قال بعض المحقّقين لأنّ الذات الأحدية و الهوية القيوميّة ، ممّا لا ماهيّة له ، و لا جزء لذاته ، فلا جدّ له و لا صورة تساويه ، فلا حكاية عنه ، و لأن وجوده الذي هو عين ذاته غير متناه الشّدة في النّوريّة فلا يكتنهه لاحظ ، و لا يستقر لادراكه ناظر ( و لا وقت معدود ، و لا أجل ممدود ) لأنّه أزليّ أبدي واجب الوجود لا يختصّ وجوده بوقت دون وقت ، و بأجل دون أجل ، بل هو خالق الوقت و الأجل لا ابتداء لوجوده ، و لا انتهاء لبقائه . و لذلك نهي في الأخبار الكثيرة عن السؤال عنه سبحانه بمتى ، كما في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أمير المؤمنين : متى كان ربّك ؟ فقال له : ثكلتك امّك و متى لم يكن حتّى يقال متى كان ، كان ربّنا قبل القبل بلا قبل ، و بعد البعد بلا بعد ، و لا غاية و لا منتهى لغاية ، انقطعت الغايات عنده ، فهو منتهى كلّ غاية ، فقال : يا أمير المؤمنين أ فنبيّ أنت ؟ فقال : ويلك إنّما أنا عبد من عبيد محمّد صلّى اللّه عليه و آله . قال بعض شرّاح الحديث : متى عبارة عن نسبة المتغيرات إلى الزّمان ، و هذا يستلزم أن يكون الموجود في شطر من الزّمان ، غير موجود فيه سابقا و لا لاحقا ، فاذا قيل لشي‏ء متى كان فمعناه السّؤال عن خصوصيّة الوقت الذي اتّفق وجوده فيه ، دون ساير الأوقات ، كما إذا قيل أين كان ، فمعناه السّؤال عن خصوصية مكانه الذي وجد فيه دون ساير الأمكنة . و بالجملة الزّمان لكونه مقدار الحركة علة تغيّر الأشياء الزّمانيّة و لا علّة لتغيره لأنّه بنفسه متغير غير قارّ الذّات ، و لمّا لم يكن وجوده سبحانه زمانيّا ، لأنّه غير متغيّر أصلا و لا بمتحرّك ، و لا علاقة له بمتحرّك ، لا يكون واقعا في الزّمان فلا يصحّ السّؤال عنه بمتى و لذلك نبّه على فساد السّؤال عنه بمتى بقوله : و متى لم يكن حتّى يقال متى كان ، فانّ من خاصيّة المنسوب إلى الزّمان أنّه ما لم ينقطع نسبته عن بعض أجزاء الزّمان ، لم ينسب [ 307 ] إلى بعض آخر فالموجود في هذا اليوم غير الموجود في الغد ، و لا في الأمس ، و لكن الباري جل جلاله لكونه محيطا بجميع الموجودات إحاطة قيوميّة ، فنسبته إلى الثّابت و المتغيّر و المجرّد و المكان نسبة واحدة ، و لم يزل و لا يزال من غير أن يتصوّر في حقّه تغيّر ، و تجدّد بوجه من الوجوه ، لا في ذاته و لا في صفته و لا في إضافته و نسبته ، فصحّ القول بأنّه لا يخلو منه زمان . و قوله عليه السلام : قبل القبل بلا قبل ، أى هو قبل كلّ من يفرض له القبليّة ، و مثله بعد البعد بلا بعد و لا غاية أى و لا نهاية لوجوده في جهة القبليّة و البعديّة ، لكونه أزليّا أبديّا ، و لا منتهى لغاية أى ليس نهاية لامتداد إذ ليس له كميّة مقتضية لاتّصافة بالأطراف و النّهايات و اقترانه بالامتداد و الغايات ، انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية ، لأنّه منتهى غرض الخلايق و مفزعهم في المهمّات و المقاصد ، فهو منتهى سير السّايرين ، و غاية شوق المسافرين ، و نهاية قصد الطالبين . الترجمة يعنى همچنان خداوندى كه نميتواند درك كند كنه ذات شريف او را بلندى همتهاى صاحبان فكر و نظر اگر چه تعمّق نمايند و امعان نظر بكنند ، و نميتواند برسد بر حقيقت او غوطه خوردن حذاقتها و فهمها در درياى معرفت ذات او اگر چه سعى و كوشش ورزند . بعقل نازى حكيم تا كى بفكرت اين ره نميشود طى بكنه ذاتش خرد برد پى اگر رسد خس بقعر دريا و آن خدائيكه نيست أوصاف جماليّة و صفات كماليّه او را غايت و نهايتى معيّن كه از آنجا تجاوز ننمايد ، يا اينكه نيست صفات ذاتيّه او را معرّفى كه بكنهه او را تعريف و تحديد نمايد و نه معرّفى كه بعوارض و اوصاف شرح ماهيت آنرا دارد ، و نيست اوصاف او را وقتى شمرده شده ، و نه مدّتى كشيده گرديده . [ 308 ] الفصل الثالث فطر الخلائق بقدرته ، و نشر الرّياح برحمته ، و وتد بالصّخور ميدان أرضه . اللغة ( فطر ) اللّه الخلق فطرا من باب نصر خلقهم و الاسم الفطرة ، كالخلقة لفظا و معنى و ( النّشر ) البسط ، يقال : نشر المتاع ينشره نشرا إذا بسط ، و منه ريح نشور و رياح نشر ، ( و الرّياح ) جمع الرّيح ، و الياء فيها منقلبة عن الواو لانكسار ما قبلها ، و جمع القلة أرواح بالواو إذ لم يوجد فيه ما يوجب الاعلال ، و ربّما يفرق بين الرّيح و الرّياح بأنّ الثّانية من أسباب الرّحمة و آثارها ، و الاولى ليست كذلك و قد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه كان يقول اذا هبّت ريح : اللّهمّ اجعلها رياحا ، و لا تجعلها ريحا . و يشهد به الاستقراء أيضا قال سبحانه : وَ يُرْسِلُ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ و قال : و أَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِريحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ وَ ريحٌ فيها عَذابٌ أَليمٌ . إلى غير هذه من الآيات و ( وتد ) كوعد يتد وتدا و تدة يقال : وتد الوتد إذا ثبّته و قد يستعمل لازما يقال : وتد الوتد إذا ثبت و ( ميدان ) بفتح الميم و الياء مصدر يقال : مادا الشّي‏ء يميد ميدا ، من باب ضرب و ميدانا ، مثل نزعان إذا تحرّك . الاعراب الجملات الثّلاث لا محل لها من الأعراب و إضافة ميدان إلى الأرض بمعنى اللاّم ، و قيل انّها من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف بتاويل أرضه المائدة و الأوّل أولى . المعنى قوله : ( فطر الخلائق ) أى خلقهم ( بقدرته ) و هذه اللفظة مأخوذة من [ 309 ] الكتاب العزيز ، قال سبحانه : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و في سورة إبراهيم : أَ في اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و في الانعام : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ، فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ . أى خالقهما ، و في بعض التّفاسير أى مبتدئهما و مبتدعهما ، استشهادا بما عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما فاطر السّماوات و الأرض حتّى اختصم إلى أعرابيّان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أى ابتدأتها انتهى . و قيل إن فاطر من الفطر بمعنى الشّق ، كما في قوله سبحانه : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ اي انشقّت . أقول : و يشهد به ما في حديث الخلقة في بيان الاشباح لآدم عليه السلام : و هذه فاطمة ، و أنا فاطر السّماوات و الأرض ، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي ، و فاطم أوليائي عمّا يعرهم و يشينهم ، فشققت لها اسما من اسمي ، و سيأتي الحديث بتمامه عند شرح خلقة آدم في التّنبيه الثّاني من تنبيهات الفصل العاشر هذا ، و في قوله عليه السلام بقدرته اشارة إلى ان خلق الأشياء بنفس القدرة التي هي عين ذاته ، لا بشي‏ء آخر ، و أما ساير الصّناع و الفواعل فليسوا كذلك ، فان صنعهم ، و فعلهم بشي‏ء غير ذواتهم كآلة أو ملكة نفسانية ، أو مادة أو معاون ، مثلا إذا أنشأ إنسان كتابا فانّه يحتاج إلى آلة كاليد و القلم ، و إلى ملكة الكتابة ، و إلى مادة كالمداد و القرطاس و إلى معاون يتّخذ له الآلة الخارجة و يصلح مادّة الكتابة ، و أمّا صنعه سبحانه ، فلا يحتاج إلى شي‏ء من ذلك ، و إنّما هو بنفس ذاته الواجب ، و نفس قدرته الكاملة . و القدرة في الأصل القوة و عند المتكلّمين هي الصّفة التي يتمكن معها الحيّ من الفعل و تركه بالارادة ، و أمّا عند الحكماء عبارة عن كون الفاعل بحيث إن شاء فعل ، و إن لم يشأ لم يفعل ، و قدرته تعالى قيل : هو كون ذاته بذاته في الأزل [ 310 ] بحيث يصحّ منه خلق الاشياء فيما لا يزال على وفق علمه بها ، و هي عين ذاته ، و قيل هي علمه بالنّظام الأكمل من حيث إنه يصحّ صدور الفعل عنه ، و قيل : هي عبارة عن نفي العجز عنه ، و قيل : هي فيض الأشياء عنه بمشيّته التي لا تزيد على ذاته ، و هي العناية الأزليّة ، و سيأتي تحقيق الكلام فيها و في غيرها من الصّفات الثّبوتيّة ، عند شرح قوله عليه السلام : و كمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه ، فانتظر . و ( نشر الرّياح برحمته ) أى بسطها و فرقها على الأطراف و الأكناف برحمته الواسعة ، و نعمته السّابغة ، لما فيها من المصالح و المنافع التي لا تعدّ و لا تحصى ، منها ما اشير اليه في الآية الشّريفة ، قال سبحانه في سورة الأعراف : وَ هُوَ الَّذي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه‏ ، حَتّى‏ إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ، فَأَخْرَجْنا بِه‏ مِنْ كلِّ الثَّمَراتِ . أى يرسل الرّياح و يطلقها منتشرة في الأرض على قرائة نشرا بالنّون ، أو مبشّرة بالغيث على قرائة عاصم بالباء ، بين يدي رحمته ، و هو المطر ، حتّى اذا حملت سحابا ثقالا بالماء ، سقنا السّحاب إلى بلد ميّت ، خال من الماء و الكلاء ، فأنزلنا به أى بالسّحاب الماء ، فأخرجنا بالماء من كلّ الثّمرات ، و إلى هذا المضمون أيضا اشير في سورة الفرقان و النّمل و الرّوم . و الجملة فالرّياح من أعظم النّعماء ، و أسبغ الآلاء ، لما فيها من إنبات النّبات و الأزهار ، و إلقاح الأشجار و ايناع الثمار و رفع كثافات الهواء ، و تطيب الماء و الكلاء ، إلى غير ذلك من الثّمرات التي لا يعلمها إلاّ هو سبحانه و تعالى هذا و بقي الكلام في مهبّ الرّياح و أقسامها . فنقول : روى الصدوق في العلل باسناده عن العرزمي قال : كنت مع أبي عبد اللّه عليه السلام جالسا في الحجر 1 تحت الميزاب ، و رجل يخاصم رجلا و أحدهما يقول ----------- ( 1 ) يعنى حجر اسماعيل منه [ 311 ] لصاحبه و اللّه ما تدري من أين تهب الرّيح ، فلما أكثر عليه قال له أبو عبد اللّه عليه السلام : هل تدري أنت من أين تهب الرّيح ؟ قال : لا و لكنّي أسمع النّاس يقولون ، فقلت لأبيعبد اللّه عليه السلام من أين تهب الرّيح ؟ فقال : إنّ الرّيح مسجونة تحت هذا الرّكن الشّامي فاذا أراد اللّه عزّ و جل أن يرسل منها شيئا أخرجه إمّا جنوبا فجنوب ، و إمّا شمالا فشمال ، و إما صبا فصبا ، و إمّا دبورا فدبور ، ثم قال : و آية ذلك أنّك ترى هذا الرّكن متحرّكا أبدا في الصّيف و الشّتاء و اللّيل و النّهار . قال المحدث العلاّمة المجلسي : و لعلّ المراد بحركة الرّكن حركة الثّوب المعلق عليه . و في الفقيه و الكافي عن أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرّياح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدبور ، و قلت له : إنّ النّاس يقولون إنّ الشّمال من الجنّة ، و الجنوب من النّار ، فقال : إن للّه جنودا من رياح ، يعذب بها من يشاء ممّن عصاه ، فلكلّ ريح منها ملك موكل بها ، فاذا أراد اللّه عزّ ذكره أن يعذب قوما بنوع من العذاب ، أوحى إلى الملك الموكل بذلك النّوع من الرّيح التي يريد أن يعذبهم بها ، قال : فيأمرها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب ، و قال : و لكلّ ريح منهنّ اسم : أما تسمع قوله عزّ و جلّ : كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابي وَ نُذُرِ ، إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ريحاً صَرْصَراً في يَوْمِ نَحْسٍ مُستَمِرٍّ و قال الرّيحَ الْعَقيمَ و قال : ريحٌ فيها عَذاب أَليمٌ و قال : فَأَصابَها إِعْصارٌ فيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ . و ما ذكر من الرّياح التي يعذب اللّه بها من عصاه ، و قال عليه السلام و للّه عزّ ذكره رياح رحمة لواقح ، و غير ذلك ينشرها بين يدي رحمته ، منها ما يهيّج السّحاب للمطر ، و منها رياح تحبس السّحاب بين السّماء و الأرض ، و رياح تعصر السّحاب فتمطر باذن اللّه ، و منها رياح تفرّق السّحاب ، و منها رياح ممّا عدّ اللّه في الكتاب . [ 312 ] فأمّا الرّياح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدّبور ، فانّما هي أسماء الملائكة الموكلين بها ، فاذا أراد اللّه أن يهب شمالا ، أمر الملك الذي اسمه الشّمال ، فيهبط على البيت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامي فضرب بجناحيه ، فتفرّقت ريح الشّمال 1 حيث يريد اللّه من البرّ و البحر . و إذا أراد اللّه أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب ، فيهبط على البيت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامي فضرب بجناحيه فتفرّقت ريح الجنوب في البرّ و البحر حيث يريد اللّه . و إذا أراد اللّه أن يبعث الصّبا أمر الملك الذي اسمه الصّبا فهبط على البيت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامي فضرب بجناحيه ، فتفرّقت ريح الصّبا حيث يريد اللّه عزّ و جلّ في البرّ و البحر . و إذا أراد اللّه أن يبعث دبورا ، أمر الملك الذي اسمه الدّبور فهبط على البيت فقام على الرّكن الشّامي فضرب بجناحيه ، فتفرّقت ريح الدّبور حيث يريد اللّه من البرّ و البحر . ثم قال أبو جعفر عليه السلام : أما تسمع لقوله 2 : ريح الشمال ، و ريح الجنوب ، و ريح الدّبور ، و ريح الصّبا ، إنّما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها . أقول : يعني إضافة بمعنى اللاّم لا إضافة بيانيّة هذا . و عن الشّهيد في الذكرى أنّ الجنوب محلّها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشّمس في الاعتدالين ، و الصّبا محلّها ما بين الشّمس إلى الجدى ، و الشّمال ----------- ( 1 ) و ان كانت ريح الشمال تجى‏ء من مقابله ( اى مقابل البيت ) اما باعتبار عظم الملك و عظم جناحه فيمكن ان يضرب جناحه من جانب الشمال حتى يجى‏ء الى جانب الكعبة و اما باثارتها إلى جانب الجنوب ثم يحصل من جانب الشمال بتموج الهواء او يكون ضرب جناحه سببا لاثارة الريح من جانب الشمال بالخاصية التى جعلها اللّه فى جناحه او لانقياد ريح الشمال لضربه و كذا بقية الرياح و لا استبعاد فى امثال هذه الاحتمالات ( محمد تقى ( ره ) فى حاشية الفقيه ) . ----------- ( 2 ) اى قول العرف منه . [ 313 ] محلها من الجدى إلى مغرب الشّمس في الاعتدالين ، و الدّبور من مغرب الشّمس إلى مطلع سهيل انتهى . لا يقال : إن المستفاد من الرّواية السّابقة ، كون مهبّ جميع الرّياح جهة القبلة ، و هو مناف لما ذكره الشّهيد . لانّا نقول : إن ظاهره و إن كان ذلك إلاّ أنّه يمكن تأويلها بأنّ الملك لعظمه و عظم جناحه يمكن أن يحرّك رأس جناحه بأىّ موضع أراد و يرسلها إلى أىّ جهة امر بالارسال إليها ، و إنّما امر بالقيام على الكعبة لشرافتها ، و قيل : ضرب الجناح علامة أمر الملك الرّيح للهبوب ، و إنّما احتجنا إلى التأويل ، لأنّ كون جميع الرّياح من طرف القبله خلاف ما يشهد به الوجدان ( و وتد بالصّخور ميدان أرضه ) يعني ثبّت بالجبال حركة أرضه و اضطرابها ، فهي كالوتد لها مانعة عن اضطرابها . قال سبحانه في سورة النّحل : وَ أَلْقى‏ في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ أى كراهة أن تميد ، و مثلها في سورة لقمان ، و في الانبياء : وَ جَعَلْنا في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ و الرّواسي جمع الراسية أى الجبال العالية الثّابتة ، و في سورة النّبأ : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَ الْجِبالَ أَوْتاداً روى عن ابن عبّاس أنّ الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ 1 بأهلها كما تكفأ السّفينة ، فأرساها اللّه بالجبال . و عن الخصال عن الصّادق عن أبيه عن جدّه ، عليهم السّلام ، أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا خلق البحار فخرت و زخرت و قالت : أىّ شي‏ء يغلبني ؟ فخلق اللّه الفلك ، فأدارها به و ذللها ، ثمّ إنّ الأرض فخرت و قالت : أيّ ----------- ( 1 ) اى تضطرب منه [ 314 ] شي‏ء يغلبني ؟ فخلق اللّه الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها ، فذلت الأرض و استقرت ، و يأتي فيه طائفة من الأخبار في شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا ، و الاشكال بعد في كيفيّة كون الجبال سببا لسكون الأرض ، و قد ذكروا فيها وجوها : منها ما ذكره الفخر الرّازي في التّفسير الكبير ، و هو أنّ السّفينة اذا القيت على وجه الماء ، فانّها تميل من جانب إلى جانب و تضطرب ، فاذا وقعت الأجرام الثّقيلة فيها ، استقرّت على وجه الماء ، فكذلك لمّا خلق اللّه الأرض على وجه الماء اضطربت ، و مادت ، فخلق اللّه عليها هذه الجبال و وتدها بها ، فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال . ثم قال : لقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلّل إمّا أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها ، أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بايجاد الفاعل المختار . فعلى التّقدير الأوّل نقول لا شكّ إنّ الأرض أثقل من الماء ، و الأثقل يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه ، فامتنع أن يقال : إنّها كانت تميد و تضطرب ، بخلاف السّفينة ، فانّها متّخذة من الخشب ، و في داخل الخشب تجويفات ، غير مملوة ، فلذلك تميد و تضطرب على وجه الماء ، فاذا ارسيت بالأجسام الثقيلة استقرت و سكنت ، فظهر الفرق . و أمّا على التّقدير الثّاني و هو أن يقال : ليس للأرض و الماء طبايع يوجب الثّقل و الرّسوب ، و الأرض إنّما تنزل لأن اللّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك ، و إنّما صار الماء محيطا بالأرض ، لمجرّد إجراء العادة ، و ليس هيهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة ، فنقول : على هذا التّقدير علّة سكون الأرض هي انّ اللّه يخلق فيها السّكون ، و علّة كونها مائدة مضطربة ، هو أنّ اللّه يخلق فيها الحركة فيفسد القول بأنّ اللّه خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة ، فثبت أنّ التّعليل مشكل على كلا التّقديرين انتهى . [ 315 ] ثم ذكر ساير الاشكالات الواردة على المعلّل ، تركنا التعرّض لها مخافة الاطناب . أقول : و يمكن الجواب عن الاشكال بأن يقال : إنّا نختار أنّ الأرض بطبيعتها طالبة للمركز ، لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحرّكها بأمواجه حركة قسريّة ، و يزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة ، فكانت تميد و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها ، و تخرج قطعة منها ، و لمّا أرساها اللّه بالجبال ، و أثقلها قاومت الماء و أمواجه بثقلها ، فكانت كالأوتاد و مثبتة لها ، و منها ما ذكره أيضا و اختاره حيث قال : و الذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال : إنّه ثبت بالدلائل اليقينيّة أنّ الأرض كرة و أنّ هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات و تضريسات تحصل على وجه هذه الكرة ، إذا ثبت هذا فنقول ، لو فرضنا أنّ هذه الخشونات كانت معدومة بل كانت الأرض كرة حقيقة خالية عن هذه الخشونات و التّضريسات ، لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسيط المستدير و إن لم يجب كونه متحرّكا بالاستدارة عقلا ، إلاّ أنّه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه ، امّا إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال ، و كانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة ، فكلّ واحد من هذه الجبال إنّما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم ، و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم ، بثقله العظيم و قوته الشّديدة ، يكون جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة فكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها من الحركة المستديرة ، و كانت مانعة للأرض عن الميد و الميل و الاضطراب بمعنى أنّها منعت الأرض عن الحركة المستديرة ، فهذا ما وصل إليه خاطري في هذا الباب و اللّه أعلم انتهى . و اعترض عليه بأنّ كلامه لا يخلو عن تشويش و اضطراب ، و الذي يظهر من أوايل كلامه ، هو أنّه جعل المناط في استقرار الأرض الخشونات و التّضريسات من حيث إنّها خشونات و تضريسات ، و ذلك إمّا لممانعة الأجزاء المائية الملاصقة [ 316 ] لتلك التّضريسات ، لاستلزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها و حينئذ يكون علّة السّكون هي الجبال الموجودة في الماء ، لا ما خلقت في الرّبع المكشوف من الأرض و هو خلاف الظاهر من قوله تعالى : وَ جَعَلَ فيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها . و القول : بأنّ ما في الماء أيضا من فوقها ، فلعلّ المراد تلك الجبال لا يخلو عن بعد مع أنّها ربّما كانت معاونة لحركة الأرض ، كما إذا تحركت كثرة الماء بتموّجها أو تموّج أبعاضها المقارنة لتلك الخشونات ، و إنّما تمانعها عن الحركة احيانا عند حركة بعضها ، و امّا لممانعة الأجزاء الهوائية المقاربة للجبال الكائنة على الرّبع الظاهر ، فكانت الأوتاد مثبتة لها في الهواء ، مانعة عن تحريك الماء بتموّجه إيّاها كما يمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرّياح إيّاها ، و حينئذ يكون وجود الجبال في كلّ منهما معاونا لحركة الأرض في بعض الصّور ، معاوقا عنها في بعضها ، و لا مدخل حينئذ لثقل الجبال و تركبها في سكون الأرض و استقرارها . و منها ما اختاره العلاّمة المجلسي في البحار ، و هو أن يكون مدخليّة الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتّصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتّت أجزائها و تفرّقها ، فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركبة عن قطع الخشب الكثيرة ، بحيث تصير سببا لالصاق بعضها ببعض و عدم تفرّقها ، و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الأرض ، فانّها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصّلبة ، و أنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بين جبال محيطة بها ، فكأنّها مع ما يتّصل بها من القطعة الحجريّة المتّصلة بها من تحت تلك القطعات ، كالظرف لها ، تمنعها عن التفتّت و التفرّق و الاضطراب عند عروض الأسباب الداعية إلى ذلك ، إلى غير ذلك من الوجوه التى ذكروها ، و اللّه العالم بحقايق الامور . الترجمة يعنى آفريد و پيدا كرد يا اينكه شق كرد نور وجود مخلوقات را از ظلمت [ 317 ] عدم بقدرت كامله خودش ، و نشر و پراكنده نمود بادها را برحمت شامله خود ، و ثابت و محكم گردانيد حركت و اضطراب زمين را با سنگها و كوهها . الفصل الرابع أوّل الدّين معرفته ، و كمال معرفته التّصديق به ، و كمال التّصديق به توحيده ، و كمال توحيده الإخلاص له ، و كمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصّفة فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثنّاه ، و من ثنّاه فقد جزّاه ، و من جزّاه فقد جهله . اللغة ( الاوّل ) ذهب جمهور البصريّين إلى أنّه على وزن أفعل مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة الثّانية واوا ثم ادغمت ، و عن الجوهري أنّه يدلّ عليه قولهم هذا أوّل منك ، و الجمع الأوائل و الاوالي على القلب ، و ذهب الكوفيون و طائفة من البصريّين إلى أنّ أصله و وئل على وزن فوعل ، قلبت الواو الاولى همزة . إذا علمت ذلك فمعنى الأوّل في اللّغة ابتداء الشّي‏ء ، ثم قد يكون له ثان ، و قد لا يكون ، كما يقول : هذا أول ما اكتسبته ، فقد يكسب بعده شيئا ، و قد لا يكسب ، و استدلّ الزّجاج عليه بقوله تعالى حكاية عن الكفار المنكرين للبعث ، إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى‏ . فعبّر بالاولى و ليس لهم غيرها ( و الدّين ) الطاعة و الانقياد و العبادة و الاسلام ، قال سبحانه : إِنَّ الدّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . [ 318 ] و تقول : دنت دينا أى أسلمت و دان الرّجل إذا أطاع ، قال الطريحي : الدّين وضع إلهي لاولي الألباب يتناول الاصول و الفروع ( و المعرفة ) العلم و قيل : هي إدراك البسائط و الجزئيات ، و العلم إدراك المركبات و الكليات ، و من ثم يقال : عرفت اللّه ، و لا يقال : علمته ، و قيل هي عبارة عن الادراك التصوري ، و العلم عبارة عن الادراك التّصديقي ، و قيل : هي إدراك الشّي‏ء ثانيا بعد توسّط نسيانه فلذلك يسمّى الحق سبحانه بالعالم ، دون العارف ، قيل : و هذا أشهر الأقوال في تعريف المعرفة . أقول : و على هذا فاستعمال المعرفة في المقام 1 نظرا الى سبق إدراك ذاته سبحانه في عالم الذّر ، أو عند أخذ الميثاق من العقول المجرّدة ، فافهم 2 ( و التّوحيد ) جعل الشّي‏ء واحدا أى الحكم بوحدانيته ، و قد يطلق على التّفريق بين شيئين بعد الاتصال ، و على الاتيان بالفعل الواحد منفردا ، و في الاصطلاح إثبات ذات اللّه بوحدانيّته ، و وحدانيّته بمعنى أنّه لا ثاني له في الوجود ، و بمعنى أنّه لا كثرة فيه مطلقا لا في عين الذّات ، لانتفاء التركيب و الأجزاء ، و لا في مرتبة الذّات لانتفاء زيادة الوجود ، و لا بعد مرتبة الذّات لانتفاء زيادة الصّفات ، و قد يقصد بها معنى أنّه لم يفته شي‏ء من كماله ، بل كلّ ما ينبغي له فهو له بالذّات و الفعل ( و الاخلاص ) مصدر من أخلص الشّي‏ء إذا جعله خالصا ممّا يشوبه ، يقال : خلص الماء اذا صفا من الكدر ، و كلّ شي‏ء صفا عن شوبه و خلص يسمّى خالصا قال تعالى : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً . أى لا شوب فيه من الفرث و الدّم ، و الاخلاص في الطاعة ترك الريا ، و الاخلاص في الدّين ترك الشّرك ( و قرن ) بين الحجّ و العمرة من باب قتل و في لغة من باب ضرب : جمع بينهما في الاحرام و ( ثنيت ) الشّي‏ء بالتثقيل : جعلته اثنين و ( جزأت ) الشي‏ء تجزأة قسمته ، و جعلته أجزاء . ----------- ( 1 ) اى في الخطبة منه ----------- ( 2 ) اشارة الى ان هذا انما يتم على القول بوجود عالم الذر و هو بعد محل خلاف و سياتى تحقيق الكلام عند شرحه اواسط الخطبة فى الفصل الرابع عشر منه . [ 319 ] الاعراب لفظ الأوّل له استعمالان أحدهما أن يكون اسما مجردا عن الوصفيّة فيكون منصرفا ، و منه قولهم : ما له أوّل و لا آخر ، قال أبو حيّان في الارتشاف في محفوظي إنّ هذا يؤنّث بالتّاء و يصرف أيضا فيقال : أوّلة و آخرة ، الثّاني أن يكون صفة ، اى أفعل تفضيل بمعنى الأسبق فيعطى حكم غيره من صيغ أفعل التّفضيل ، من منع الصّرف ، و عدم تأنيثه بالتّاء ، و ذكر من التّفضيليّة بعده ، يقال : هذا أوّل من هذين ، و لقيته عاما أوّل بنصب أوّل ممنوع الصّرف ، على انّه ، صفة للمنصوب ، و اللام في قوله كمال توحيده الاخلاص له زائدة للتقوية ، مفيدة للتوكيد ، كما في قوله : فَعّالٌ لِما يَشاءُ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ نَزّاعَةً لِلشَّوى‏ و نحو ضربي لزيد حسن ، و هي من أقسام اللاّم الجارّة التي تفتح مع الضمير دائما إلاّ المتكلّم ، فتكون مكسورة معه ، و مكسورة مع الظاهر إلاّ المستغاث فتكون مفتوحة ، نحو يا لزيد فرقا بينها و بين لام المستغاث لأجله ، لأنّها مكسورة و من في قوله فمن وصف اللّه و ما يتلوه ، من كلم المجازات اسم شرط مرفوع المحل على الابتداء ، و خبره الجزاء ، لتمامية الفائدة به ، و قيل : الشّرط لتحمله ضمير المبتداء ، و قيل هما معا . المعنى اعلم أنّ هذه الفقرة من الخطبة مع وجازتها متضمّنة لأكثر العلوم الالهيّة ببراهينها السّاطعة ، و لذلك تحير في إدراك معناها اولو الأفهام ، و عجزت عن الوصول إلى مغزاها العقول و الأوهام ، و لا بأس بالاشارة إلى نبذ من كنوز أسرارها ، و انموزج من رموز أنوارها ثم نتبعها بما ذكره بعض الأعلام ، في تفسير المقام . فنقول : قوله عليه السلام ( أوّل الدّين معرفته ) يعني ابتداء الطاعة و العبادة معرفة اللّه سبحانه ، إذ الطاعة و العبادة أى كون العبد عبدا فرع معرفة المطاع و المعبود ، فما لم يعرف لا يمكن اطاعته ، و لذلك أنّ أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما سأل عنه حبر [ 320 ] بقوله : هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ أجاب بقوله : ويلك ما أعبد ربّا لم أره ، قال : و كيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ، و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، رواه في الكافي باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، و رواه السّيد قد ( ره ) أيضا في المتن باختلاف ، و هو المختار المأة و الثّامن و السّبعون . ثمّ إنّ معرفته سبحانه قد تكون ناقصة ، و قد تكون تامة ، أمّا النّاقصة فهو إدراك أنّ للعالم صانعا مدبّرا ، و أمّا التّامة فقد أشار اليها بقوله : ( و كمال معرفته التّصديق به ) أى الاذعان بوجوده و وجوبه ، لأنّ التّصور للشّى‏ء إذا اشتدّ يصير إذعانا و حكما بوجوده ، إذ من ضرورة كونه صانع العالم و الهه أن يكون موجودا في نفسه فان ما لم يكن موجودا في نفسه ، استحال أن يصدر عنه أثر موجود ، فهذا الحكم اللاّحق هو كمال معرفته و تصوّره . ثمّ إنّ التّصديق به قد يكون ناقصا و قد يكون تاما ، أمّا النّاقص فهو التّصديق به مع تجويز الشّريك له ، و أمّا التّام فقد أشار إليه بقوله : ( و كمال التّصديق به توحيده ) أى الحكم بوحدانيّته ، و أنّه لا شريك له في ذاته ، لأن طبيعة واجب الوجود لو فرض اشتراكها بين اثنين لزم أن يكون لكلّ واحد منهما من مميّزو راء ما به الاشتراك ، فيلزم التّركيب في ذاتيهما ، و كلّ مركب ممكن ، و بعبارة اخرى ، لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود ، و متغايرين بامر من الامور ، و إلاّ لم يكونا اثنين ، و ما به الامتياز إمّا أن يكون تمام الحقيقة ، أو لا يكون تمام الحقيقة بل جزؤها ، لا سبيل إلى الأول ، لأنّ الامتياز لو كان بتمام الحقيقة لكان وجوب الوجود المشترك بينهما خارجا عن حقيقة كلّ واحد منهما ، و هو محال ، لأنّا بيّنا أنّ وجوب الوجود نفس حقيقة الواجب لذاته ، و لا سبيل إلى الثّاني ، لأنّ كل واحد منهما يكون مركبا ممّا به الاشتراك و ممّا به الامتياز ، و كلّ مركب يحتاج إلى غيره أى إلى جزئه ، فيكون ممكنا لذاته هذا خلف . ثمّ إنّ التّوحيد قد يكون ناقصا و قد يكون تاما ، أمّا النّاقص فهو الحكم [ 321 ] بوحدانيّته مع عدم الاخلاص له ، و أمّا التّام فهو ما أشار اليه بقوله ( و كمال توحيده الاخلاص له ) أى جعله خالصا عن النّقايص أى سلب النّقايص عنه ككونه جسما أو عرضا أو نحوهما ممّا هو من صفات النّقص هذا . و قيل : إن المراد بالاخلاص إخلاص العمل له ، و على هذا فاللاّم للتّعليل قال سبحانه : وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ . قال الشّارح البحراني و صدر الدّين الشّيرازي في شرح الكافي في قوله : و كمال توحيده الاخلاص له : فيه إشارة إلى أنّ التّوحيد المطلق للعارف إنّما يتمّ بالاخلاص له ، و هو الزّهد الحقيقي الذي هو تنحية كل ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الايثار و بيان ذلك أنّه ثبت في علم السّلوك أن العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال اللّه و عظمته الى شي‏ء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع اللّه غيرا ، حتّى أنّ أهل الاخلاص ليعدّون ذلك شركا خفيّا ، كما قال بعضهم : من كان في قلبه مثقال خردلة سوى جلالك فاعلم أنه مرض و أنّهم ليعتبرون في تحقّق الاخلاص أن يغيب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللّه ، و ان لحظها فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي مزيّنة بزينة الحق ، فاذن التّوحيد المطلق أن لا يعتبر معه غيره مطلقا انتهى و لكن الاظهر 1 ما قلناه 2 . ثمّ إنّ الاخلاص له قد يكون ناقصا و قد يكون تاما ، أمّا النّاقص فهو جعله خالصا عن صفات النّقصان مع اثبات صفات الكمال ، و أمّا التام فهو ما أشار إليه بقوله ( و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ) أى الصّفات التي وجودها غير وجود الذّات ، و إلا فذاته بذاته مصداق لجميع النّعوت الكمالية ، و الأوصاف الالهية ، من دون قيام أمر زائد بذاته تعالى فرض أنّه صفة كماليّة له ، فعلمه و إرادته و قدرته و حياته و سمعه و بصره كلّها ، موجودة بوجود ذاته الأحديّة ، مع أنّ مفهوماتها متغايرة ، ----------- ( 1 ) و انما جعلناه اظهر لان كلامه عليه السلام مسوق لبيان الصفات و جعل الاخلاص بالمعنى الذى ذكره لا يناسب قوله و كمال الاخلاص كما لا يخفى منه ----------- ( 2 ) اى كون اللام للتقوية منه [ 322 ] و معانيها متخالفة ، فانّ كمال الحقيقة الوجوديّة في جامعيّتها للمعاني الكثيرة الكماليّة مع وحدة الوجود هذا . و قد تحصّل ممّا ذكره عليه السلام أنّ مراتب العرفان خمسة . الاولى مرتبة التّصوّر و هي إدراك أنّ للعالم مؤثرا ، و هذه المرتبة هي التي نفوس الخلائق مجبولة إليها باقتضاء فطرتها التي فطر النّاس عليها ، و كلّ مولود يولد على الفطرة إلاّ أنّ أبويه يهوّد انه أو ينصّرانه أو يمجّسانه . الثّانية مرتبة التّصديق و الاذعان بوجوده و وجوبه بالبراهين السّاطعة ، و الأدلة القاطعة ، قال سبحانه : أَ فىِ اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ . الثّالثة مرتبة التّوحيد و التّفريد عن الشركاء قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَىَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . الرّابعة مرتبة الاخلاص أى جعله خالصا عن النّقايص . اللَّهُ الصَّمَدُ اى المتعالي عن الكون و الفساد لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُوْلَدْ أو جعل العمل خالصا له فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّه‏ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ، وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه‏ أَحَداً . الخامسة مرتبة نفي الصّفات و هي غاية العرفان و منتهى قوة الانسان . و قد ظهر ممّا ذكره عليه السلام أيضا أنّ كلّ واحدة من المراتب الأربعة الاولى مبدء لما بعدها ، و كلّ مرتبة من المراتب الأربعة الأخيرة كمال لما قبلها ، و هذه المراتب الخمسة في التمثيل كقشر الجوز ، و قشر قشره ، و لبّه ، و لبّ لبّه ، و الدّهن المستخرج منه . [ 323 ] فالمرتبة الاولى كالقشرة العليا من الجوز لا خير فيها ألبتّة ، إن اكلت فهو مرّ المذاق ، بعيدة عن المساغ ، و لكنّها تحفظ القشرة الصّلبة السّفلى . و المرتبة الثّانية مثل القشرة الثّانية ، فانّها ظاهرة النّفع بيّنة الجدوى ، تصون اللّبّ عن الفساد و تربّيه إلى وقت الحصاد ، لكنّها نازلة القدر ، زهيدة النفع بالنّظر إلى اللب . و المرتبة الثالثة كالغطاء المحيط باللّب المأكول بتبعية اللبّ . و المرتبة الرّابعة كاللّب . و المرتبة الخامسة كالدّهن المستخرج من اللّب الصّافي من المشوبات ، و الخالص عن الكدورات الذي يكاد يضي‏ء و لو لم تمسسه نار هذا . و لبعض العرفاء في تفسير كلامه عليه السلام تقرير آخر لا بأس بتحريره ، قال : الدّين الانقياد و الطاعة ، و المراد من أوّلية المعرفة للانقياد إمّا توقفه عليها ، أو كونه ابتداء له ، لأنّ المراد من المعرفة إمّا التصور ، و إمّا عقد القلب عليه ، و هو ما يحصل بالموعظة الحسنة ، و أمّا التّصديق الذي هو كمال المعرفة فهو إنّما يحصل بالحكمة و البرهان و لعلّ المراد من التّصديق به هو مرتبة علم اليقين ، و من كمال التّصديق به توحيده هو مرتبة عين اليقين ، و من كمال توحيده الاخلاص له هو مرتبة حق اليقين ، و هو الذي يحصل عند الفناء ، و من كمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه هو الفناء عن الفناء ، و هذه المراتب مترتّبة في الحصول للسّالك التّارك ، و يكون كلّ مرتبة لاحقة ، غاية للسّابقة عليها ، و لذا عبّر عليه السلام عن كلّ مرتبة لاحقة بالكمال بالنسبة الى السّابقة ، و أيضا كلّ مرتبة لاحقة أخص من السّابقة عليها ، و السّابقة أعمّ منها ، و وجود العام إنّما يكون بالخاص فيكون كمالا له و قوله عليه السلام : و كمال توحيده الاخلاص له ، أى سلب النّقايص باثبات الكمالات المقابلة لها ، كسلب الجهل عنه باثبات العلم ، و سلب العجز عنه باثبات القدرة له ، و هكذا ، و إنّما كان هذا كمال التّوحيد ، لأنّه يدلّ على أنّ وحدته تعالى ليست وحدة ناقصة هي ما سوى الوحدة [ 324 ] الحقة الحقيقة من أقسام الوحدة ، بل وحدته وحدة حقّة هي حقّ الوحدة ، و لما كان الاخلاص له مستلزما لاثبات الصّفات له ، قال عليه السلام : و كمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه ، أى جعل الكمالات الحاصلة الثّابتة له بسلب النّقايص عنه عين ذاته الاحدية ، فيكون ذاته كلّ الكمالات على وجه أعلى و أشرف ، فهو الكلّ في وحدته ، و يحتمل أن يكون المراد من نفي الصّفات عنه ، أن وصف الواصفين له غير لايق بجنابه مسلوب عنه ، كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم عجز الواصفون عن صفتك اعتصام الورى بمغفرتك تب علينا فانّنا بشر ما عرفناك حق معرفتك فيكون غاية غايات المعرفة العجز عنها ، لا احصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك هذا ، و قوله عليه السلام ( لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ) المراد بالشهادة هنا شهادة الحال ، و هي الدّلالة ، فان حال الصفة يشهد بحاجتها إلى الموصوف و عدم قيامها بدونه ، و حال الموصوف يشهد بالاستغناء عن الصفة في أصل الوجود و القيام بالذّات بدونها ، و افتقاره إليها في كماله الذي لا يكمل إلاّ بها ، فلا يكون أحدهما عين الآخر . ثم إن هذه الفقرة إشارة إلى برهان نفى الصّفات العارضة التي فرضت قديمة ، كما يقوله الأشاعرة ، و ذلك لأن الصفة إذا كانت عارضة كانت مغايرة للموصوف لا محالة حسبما عرفت ، و كلّ متغايرين في الوجود لا بدّ أن يكون كلّ واحد منهما متميّزا عن صاحبه بشي‏ء ، و مشاركا له بشي‏ء آخر ، لاشتراكهما في الوجود ، و محال أن يكون جهة الاشتراك عين جهة الامتياز ، و إلاّ لكان الواحد بما هو واحد كثيرا ، بل الوحدة بعينها كثيرة ، هذا محال ، فاذن لا بدّ أن يكون كلّ منهما مركبا من جزء به الاشتراك ، و جزء به الامتياز ، فيلزم التّركيب في ذات الواجب ، و قد ثبت أنّه بسيط الحقيقة ، و إلى ذلك أشار عليه السلام بقوله : ( فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ) أى من وصفه تعالى بصفة زايدة فقد قرنه بغيره في الوجود ( و من قرنه فقد ثنّاه ) أي من قرنه بغيره فقد جعل [ 325 ] له ثانيا في الوجود ، لأنّه قد أثبت قديمين ( و من ثنّاه فقد جزّاه ) لأن من فرضه ثاني اثنين ، فقد جعله مركبّا ذا جزئين ، بأحدهما يشاركه في الوجود ، و بالآخر يباينه ، و أمّا ما ذكره الشارح المعتزلي في تعليل التجزية بقوله : لأنّه أذا اطلق لفظ اللّه على الذّات و العلم القديم ، فقد جعل مسمّى هذا اللّفظ و فايدته متجزّية ، كاطلاق لفظ الأسود على الذّات التي حلّها السّواد ، فليس بشي‏ء ، لأنّ الكلام في مرتبة الذّات من حيث هي ، لا من حيث إطلاق لفظة عليها ، كما هو ظاهر ( و من جزّاه فقد جهله ) لأنّه اعتقد خلاف ما هو الواقع . تذنيبات الاول في تحقيق صفاته سبحانه على ما حقّقها بعض العارفين فنقول : ان الصّفات على ثلاثة أقسام : منها سلبيّة محضة كالقدوسيّة و الفردية ، و منها إضافية محضة كالمبدئية و الرّازقية ، و منها حقيقية سواء كانت ذات إضافة كالعالمية و القادرية أولا ، كالحياة و البقاء ، و لا شك أنّ السّلوب و الاضافات زائدة على الذّات ، و زيادتها لا توجب انفعالا و لا تكثّرا ، لأنّ اعتبارها بعد اعتبار المسلوب بها عنها ، و المضاف إليها ، لكن يجب أن يعلم أنّ السّلوب عنه تعالى كلّها راجعة إلى سلب الامكان ، فانّه يندرج فيه سلب الجوهريّة ، و سلب الجسميّة ، و سلب المكان و الحيز و الشّريك و النّقص و العجز و الآفة ، و غير ذلك . و الاضافات في حقّه تعالى كلها راجعة إلى الموجديّة التي تصحح جميع الاضافات ، كالخالقية و الرازقية و الكرم و الجود و الرّحمة و الغفران ، و لو لم يكن له إضافة واحدة اتحدت فيها جميع الاضافات اللاّيقة به لأدّى تخالف حيثياتها إلى اختلاف حيثيات في الذّات الأحديّة ، و امّا الصّفات الحقيقية فكلها غير زائدة على ذاته ، و ليس معنى عدم زيادتها مجرّد نفى أضدادها عنه تعالى ، حتى يكون علمه تعالى عبارة عن نفى الجهل ، و قدرته عبارة عن نفى العجز ، و على هذا القياس في السمع و البصر و غيرهما ليلزم التعطيل ، و لا أيضا معنى كونه عالما و قادرا أن يترتب على [ 326 ] مجرّد ذاته ما يترتب على الذّات مع الصّفة ، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصّفات ، ليلزم أن لا يكون إطلاق العلم و القدرة و غيرهما عليه تعالى على سبيل الحقيقة ، فيكون عالما قادرا حيّا سميعا بصيرا بالمجاز ، فيصحّ سلبها عنه ، لأنّه علامة المجاز و لازمه . فان قلت : فما معنى قوله عليه السلام : و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ؟ قلنا : معناه حسبما أشرنا إليه كونها صفات عارضة موجودة بوجود زايد ، كالعالم و القادر في المخلوقات ، فان العلم فينا صفة زائدة على ذاتنا ، و كذا القدرة كيفية نفسانية ، و كذا ساير الصّفات ، و المراد أنّ هذه المفهومات ليست صفات له تعالى ، بل صفاته ذاته و ذاته صفاته ، لا أنّ هناك شيئا هو الذّات ، و شيئا آخر هو الصّفة ، ليلزم التركيب فيه تعالى عنه علوّا كبيرا ، فذاته وجود و علم و قدرة و إرادة و حياة و سمع و بصر ، و هو أيضا موجود عالم قادر حي مريد سميع بصير . فان قلت : الموجود ما قام به الوجود ، و العالم ما قام به العلم ، و كذا ساير المشتقات . قلنا : ليس كذلك ، بل ذلك متعارف أهل اللغة لما رأوا أنّ أكثر ما يطلق عليه المشتق لا بدّ فيه من صفة زائدة على الذّات ، كالابيض و الكاتب و الضّاحك و غيرها ، فحكموا على الاطلاق أنّ المشتقّ ما قام به المبدء ، و التحقيق و الاستقراء يوجبان خلافه ، فانّا لو فرضنا بياضا قائما بنفسه لقلنا : انّه مفرّق للبصر ، و إنّه أبيض ، فكذا الحال فيما سواه من العالم و القادر ، فالعالم ما ثبت له العلم سواء كان بثبوت عينه أو بثبوت غيره . الثانى في الاشارة إلى جملة من الأخبار الواردة في بعض مراتب العرفان و هي كثيرة جدّا ، و نحن نذكر شطرا منها تيمنا و تبرّكا . فنقول : روى الصّدوق في التّوحيد باسناده عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ ( ره ) قال : خرجت ليلة من الليالي ، فاذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يمشي وحده ليس معه إنسان [ 327 ] فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد ، قال ( ره ) : فجعلت أمشي في ظلّ القمر فالتفت فرآني ، فقال صلّى اللّه عليه و آله : من هذا فقلت أبو ذر جعلني اللّه فداك ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم يا أبا ذر تعال فمشيت معه ساعة ، فقال : إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلاّ من أعطاه اللّه خيرا فنفخ منه بيمينه و شماله و بين يديه و ورائه ، و عمل فيه خيرا قال : فمشيت ساعة ، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم : اجلس هيهنا ، و أجلسني في قاع حوله حجارة ، فقال لي : اجلس حتّى أرجع إليك ، قال : و انطلق في الحرّة 1 حتّى لم أره و توارى عنّي و أطال اللّبث ، ثم إنّي سمعته عليه السلام و هو مقبل يقول : و إن زنى و إن سرق ، قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : يا نبيّ اللّه جعلني اللّه فداك من تكلّمه في جانب الحرّة ؟ فانّي ما سمعت أحدا يردّ عليك شيئا ، فقال عليه السلام ، ذاك جبرئيل ، عرض لي في جانب الحرّة ، فقال : ابشر امّتك أنّه من مات لا يشرك باللّه عزّ و جلّ شيئا دخل الجنّة ، قال : قلت يا جبرئيل ، و إن زنى و إن سرق و إن شرب الخمر ، قال : نعم ، و إن شرب الخمر . قال الصّدوق ( ره ) بعد ذكر الحديث يعني بذلك أنّه يوفّق للتّوبة حتّى يدخل الجنّة . و فيه أيضا عن الأسود بن هلال ، عن معاذ بن الجبل ، قال : كنت رفقت النّبي صلّى اللّه عليه و آله ، فقال يا معاذ : هل تدري ما حقّ اللّه على العباد ؟ يقولها ثلاثا ، قلت : اللّه و رسوله أعلم ، فقال رسول اللّه : حق اللّه عزّ و جلّ على العباد أن لا يشركوا به شيئا ، ثم قال : هل تدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : اللّه و رسوله أعلم ، قال : أن لا يعذّبهم ، أو قال : أن لا يدخلهم النّار . و فيه أيضا عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : و الذي بعثني بالحق نبيّا ، لا يعذّب اللّه بالنّار موحدا ابدا ، و انّ أهل التّوحيد ليشفّعون فيشفعون ، ثم قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّه إذا كان يوم القيامة أمر اللّه تبارك و تعالى بقوم سائت أعمالهم في دار الدّنيا إلى ----------- ( 1 ) الحرة بالفتح ارض ذات حجارة سود و الجمع حرار مثل كلبة و كلاب مصباح اللغة [ 328 ] النّار ، فيقولون : يا ربّنا كيف تدخلنا النّار ؟ و قد كنّا نوحّدك في دار الدّنيا و كيف تحرق بالنّار ألسنتا ؟ و قد نطقت بتوحيدك في دار الدّنيا ، و كيف تحرق قلوبنا ؟ و قد عقدت على أن لا إله إلاّ اللّه ، أم كيف تحرق وجوهنا ؟ و قد عفّرناها لك في التّراب ، أم كيف تحرق أيدينا ؟ و قد رفعناها بالدّعاء إليك ، فيقول اللّه عزّ و جلّ : عبادي سائت أعمالكم في دار الدّنيا فجزاكم نار جهنّم ، فيقولون : يا ربّنا عفوك أعظم أم خطيئتنا ؟ فيقول اللّه عزّ و جلّ : بل عفوي ، فيقولون رحمتك أوسع أم ذنوبنا ؟ فيقول اللّه عزّ و جلّ : بل رحمتي ، فيقولون إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا ؟ فيقول اللّه عزّ و جلّ : بل إقراركم بتوحيدى أعظم ، فيقولون : يا ربّنا فليسعنا عفوك و رحمتك التي وسعت كلّ شي‏ء ، فيقول اللّه جلّ جلاله : ملائكتي و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أحب إلىّ من المقرّين بتوحيدي و أن لا إله غيري ، و حقّ عليّ أن لا اصلى بالنّار أهل توحيدي ، ادخلوا عبادي الجنّة . الثالث ينبغي أن يعلم أن مجرّد الاعتقاد بالتّوحيد و نفى الشّرك و الاعتراف بالوحدانيّة لا يكفي في ترتّب الثّواب و دفع العقاب ، بل لا بدّ مع ذلك من الاعتقاد بالولاية ، و الأخبار الواردة في أبواب التّوحيد و المعرفة و إن كانت مطلقة إلاّ أنّها يقيّدها مضافة إلى إجماع أصحابنا « قد » أخبار اخر مفيدة لكون الولاية شرطا في التّوحيد ككونها شرطا في صحّة الفروع و قبولها ، و بدونها لا ينتفع بشي‏ء منها ، و هذه الأخبار كثيرة جدّا بالغة حدّ الاستفاضة بل التّواتر . منها ما رواه في جامع الأخبار باسناده عن محمّد بن عمارة عن أبيه ، عن الصّادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن آبائه الصّادقين عليهم السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لأخي عليّ بن أبيطالب عليه السلام فضائل لا يحصي عددها غيره ، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّا بها غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخر ، و لو أتى القيامة بذنوب الثقلين ، و من كتب فضيلة من فضائل عليّ ابن أبيطالب عليه السلام ، لم تزل الملائكة يستغفر له ما بقى لتلك الكتابة رسم ، و من استمع فضيلة غفر اللّه له الذّنوب التي اكتسبها بالاستماع ، و من نظر إلى كتابة في [ 329 ] فضائله غفر اللّه له الذّنوب التي اكتسبها بالنّظر ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : النّظر إلى عليّ بن أبيطالب عليه السلام عبادة ، و ذكره عبادة ، و لا يقبل ايمان عبد إلاّ بولايته ، و البرائة من أعدائه . و في الكافي باسناده عن أبي حمزة ، قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام إنّما يعبد اللّه من يعرف اللّه ، فأمّا من لا يعرف اللّه فانّما يعبده هكذا ضلالا ، قلت جعلت فداك : فما معرفة اللّه ؟ قال : تصديق اللّه عزّ و جل و تصديق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و موالاة عليّ و الايتمام به و بالأئمة عليهم السّلام ، و البرائة إلى اللّه عزّ و جل من عدوّهم ، هكذا يعرف اللّه . و في الوسائل و مجمع البيان عن أبي حمزة الثّمالي قال : قال لنا عليّ بن الحسين عليهما السّلام : أىّ البقاع أفضل ؟ فقلنا : اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم ، فقال : أفضل البقاع لنا ما بين الرّكن و المقام ، و لو أنّ رجلا عمر 1 ما عمر نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما ، يصوم النّهار و يقوم اللّيل في ذلك المكان ، ثم لقى اللّه بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا . و في الوسائل أيضا باسناده عن المعلّى بن خنيس ، قال : قال أبو عبد اللّه عليه السلام يا معلّى لو أنّ عبدا عبد اللّه مأة عام ما بين الركن و المقام ، يصوم النهار و يقوم الليل حتّى يسقط حاجباه على عينيه ، و يلتقى تراقيه هرما ، جاهلا بحقّنا لم يكن له ثواب . و فيه أيضا عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه عليهما السّلام قال : نزل جبرئيل على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فقال : يا محمّد السّلام يقرئك السّلام ، و يقول خلقت السّماوات السّبع و ما فيهنّ ، و خلقت الأرضين السبع و من عليهنّ ، و ما خلقت موضعا أعظم من الرّكن و المقام ، و لو أنّ عبدا دعاني منذ خلقت السّماوات و الأرض ، ثم لقيني جاحدا لولاية عليّ لأكببته في سقر . و روى عليّ بن ابراهيم القمي باسناده عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام ، في حديث ، قال : ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الاشياء و رضى الرّحمن : الطاعة للامام بعد معرفته ، أما لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله ----------- ( 1 ) عمر يعمر من باب تعب عمرا بفتح العين و ضمها طال عمره فهو عامر و به سمى ثقالا و بالمضارع و منه يحيى بن يعمر و يتعدى بالحركة و التضعيف فيقال عمره اللّه بعمره من باب قتل و عمره تعميرا اطال عمره مصباح اللغة . [ 330 ] و حجّ جميع دهره ، و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته ، ما كان له على اللّه حقّ في ثوابه ، و لا كان من أهل الايمان . و بالجملة فقد تحصل من هذه الأخبار و غيرها من الأخبار الكثيرة : أنّ معرفة الامام و الطاعة له شرط في صحّة الفروع و الاصول ، كما ظهر أنّ اللازم أخذ الأحكام الشّرعيّة ، و المسائل الدّينيّة عنهم ، لأنّهم الباب الذي أمر اللّه أن يؤتى منه ، حيث قال . وَ لَيْسَ الْبِّرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورها ، وَ لكِنَّ البِّرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ اْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها . روى في الصّافي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال نحن البيوت التي أمر اللّه أن يؤتى أبوابها ، نحن باب اللّه و بيوته التي يؤتى منه ، فمن تابعنا و أقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ، و من خالفنا و فضّل علينا غيرنا ، فقد أتى البيوت من ظهورها ، إنّ اللّه لو شاء عرّف نفسه حتّى يعرفونه و يأتونه من بابه ، و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله و بابه الذي يؤتى منه ، قال : فمن عدل عن ولايتنا ، و فضل علينا غيرنا ، فقد أتى البيوت من ظهورها ، و انّهم عن الصّراط لناكبون . و في الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كلّ من دان اللّه عزّ و جلّ بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من اللّه ، فسعيه غير مقبول ، و هو ضالّ متحيّر ، و اللّه شاني‏ء 1 لأعماله ، و مثله كمثل شاة ضلت عن راعيها و قطيعها ، فهجمت ذاهبة او جائية يومها ، فلما جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع غير 2 راعيها ، فحنت إليها ، و اغترّت بها ، فباتت معها في مربضها ، فلمّا أن ساق ----------- ( 1 ) الشانى‏ء بمعنى المبغض منه ----------- ( 2 ) لفظة غير ليس بموجود في بعض النسخ فعلى وجودها فالضمير فى راعيها راجع الى الشاة الضالة و على تقدير العدم الضمير راجع الى قطيع الغنم و كلاهما صحيح منه [ 331 ] الرّاعي قطيعه ، أنكرت راعيها و قطيعها ، فهجمت متحيّرة تطلب راعيها ، و قطيعها ، فبصرت بغنم مع راعيها ، فحنت اليها و اغترت بها ، فصاح بها الرّاعي الحقي براعيك و قطيعك ، فانت تائهة متحيّرة عن راعيك و قطيعك ، فهجمت ذعرة متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها ، أو يردّها ، فبيناهي كذلك إذا اغتنم الذّئب ضيعتها فأكلها ، و كذلك و اللّه يا محمّد ، من أصبح من هذه الامّة و لا إمام له من اللّه عزّ و جلّ ظاهر عادل ، أصبح ضالاّ تائها ، و إن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر و نفاق ، و اعلم يا محمّد أنّ أئمة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه عزّ و جلّ ، قد ضلوا و أضلوا ، فأعمالهم التي يعملونها : كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ ، لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى‏ شَي‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعيدُ . إلى غير ذلك من الأخبار البالغة حدّ الاستفاضة ، بل هي متواترة معنى ، و سيأتي كثير منها في تضاعيف الكتاب ، و اللّه الهادي إلى الصّواب . الترجمة يعنى ابتداء اطاعت و انقياد شناختن خداوند عالم است ، و كمال و تمامى شناختن حضرت او تصديق و اعتقاد به وجود اوست ، و كمال تصديق به او حكم به وحدانيّت و يكتا دانستن و منزّه و مبرّا نمودن اوست از شريك ، و كمال يكتا دانستن او خالص نمودن اوست از صفات نقصان يا خالص نمودن عمل است براى او ، و كمال خالص نمودن نفى صفات زايده بر ذات است از او و آنرا عين ذات دانستن است ، بجهة آنكه هر صفت شهادت و دلالت دارد بر آنكه غير موصوف است ، و هر موصوف شاهد و دليل است بر اينكه آن غير صفت ، پس بنا بر اين هر كه وصف كرد خداوند را با صفتى كه زايد بر ذات است پس بتحقيق قرين كرد ذات را با صفت ، و هر كه قرين پيدا كرد او را پس بتحقيق حكم بدوئيّت نمود ، [ 332 ] و هر كه ابداء دوئيّت نمود پس بتحقيق كه مجزّى ساخت او را ، و هر كه ابداء تجزيه كرد پس بتحقيق جاهل شد بذات شريف او ، از جهت اينكه اعتقاد خلاف واقع را نمود ، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا . الفصل الخامس و من أشار إليه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه و من قال فيم فقد ضمّنه و من قال على م فقد أخلى منه . اللغة ( ضمنه ) مأخوذ من ضمّنته الشّي‏ء أى جعلته محتويا عليه فتضمّنه أى فاشتمل عليه و احتوى و ( اخلى ) مشتقّ من خلا المنزل من أهله يخلو خلوّا و خلاء ، فهو خال و أخليته جعلته خاليا و وجدته كذلك . الاعراب أصل فيم و على م فيما و على ما ، حرفان دخلا على ماء الاستفهاميّة و الاولى للظرفية ، و الثّانية للاستعلاء ، و حذف ألف ما لاتّصالها بهما تخفيفا في الاستفهام ، و هذه قاعدة كليّة . قال ابن هشام : و يجب حذف ألف ماء الاستفهاميّة إذا جرّت و بقاء الفتحة دليلا عليها نحو فيم ، و إلى م ، و على م ، قال : فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم فحتّى م حتّى م العناء المطوّل و ربّما تبعت الفتحة الألف في الحذف ، و هو مخصوص بالشّعر كقوله : يا أبا الاسود لم خلفتني لهموم طارقات ثم قال : و ذكروا أنّ علّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام و الخبر ، و لهذا حذفت في نحو : [ 333 ] فيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْريها فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلوُنَ و ثبتت في لَمَسَّكُمْ فيما أَفَضْتُمْ فيهِ عَذابٌ عَظيم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَي . المعنى قوله عليه السلام ( و من أشار إليه ) أى من أشار إليه باشارة عقليّة أو حسية ( فقد حدّه ) أى جعله محدودا بحدّ خاص ، لأنّ المشار إليه لا بدّ أن يكون في جهة مخصوصة ، و كلّ ما هو في جهة فهو محدود و له حدّ و حدود ، اى أقطار و أطراف ينتهي إليها ( و من حده فقد عدّه ) أى من جعله محدودا متناهيا فقد عدّه في الاشياء المحدثة ، و ذلك لأنّ حقيقة ذاته حقيقة الوجود الصّرف الذي شدّة قوّته لا تنتهي إلى حدّ و نهاية ، بل هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، أمّا كونه غير متناه فلأنّ مقدوراته غير متناهية هذا . و يحتمل أن يكون المراد بقوله : فقد عدّه كونه ذا عدد ، و ذلك لأنّ كون وجود الشّي‏ء محدودا متناهيا يستلزم التركيب من أصل الوجود و من شي‏ء آخر يقتضي تناهيه الى هذا الحدّ المعين ، إذ نفس كون الشّي‏ء وجودا أو موجودا لا يقتضي هذا التّناهي ، و الاّ لم يوجد غيره ، فهناك أمران ، فيكون المحدود ذا عدد هذا . و يأتي إن شاء اللَّه توضيح هذه الفقرة و تحقيقها بنحو آخر في شرح الخطبة المأة و الثانية و الخمسين . ثم لا يخفى أنّ المراد بالاشارة في كلامه عليه السلام : الاشارة الحضورية الحسيّة التي لا يجوز في حقّه سبحانه و تعالى ، و أمّا الاشارة الغيبيّة فتجوز في حقّه ، و قد وقعت في كتاب العزيز ، قال سبحانه : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و تحقيق ذلك ما حقّقه الباقر عليه السلام في حديث التّوحيد : من أنّ كلمة هو اسم مكنّى مشاربه إلى غايب ، فالهاء تنبيه ، و الواو إشارة إلى الغائب عن الحواس ، كما أنّ هذا اشارة إلى الشّاهد [ 334 ] و ذلك ان الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بما يشاربه إلى الشّاهد المدرك ، فقالوا : هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار ، فأشر أنت يا محمّد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتّى نراه و ندركه لا ناله فيه ، فانزل اللَّه تبارك و تعالى : قل هو إشارة إلى كونه تعالى عن ذلك بل هو يدرك الأبصار و هو اللّطيف الخبير ، اللَّه معناه المعبود الذي اله الخلق عن ادراك ذاته ، و الاحاطة بكنهه ، أحد معناه الفرد المتفرّد الذي لا نظير له ، و هيهنا لطيفة ، و هي أنّ قوله : قل هو اللَّه أحد ثلاثة ألفاظ ، كلّ منها إشارة إلى مقام من مقامات السّالكين : المقام الأول مقام المقرّبين ، و هو أعلى مقامات السايرين إلى اللَّه ، و هؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيّات الأشياء و حقايقها ، من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا في الحقيقة سوى اللَّه ، لانحصار وجوب الوجود فيه ، و كون ما عداه ممكنا فيكون هو إشارة إليه سبحانه ، و لم يفتقر في تلك الاشارة إلى مميّز ، لأنّ الحاجة إلى المميز إنما يحصل إذا كان هناك موجودان ، و قد عرفت أنّهم ما شاهدوا بعقولهم إلا الواحد فقط ، فكفى لفظ لفظة هو في حصول العرفان التام . المقام الثّاني مقام أصحاب اليمين الذي أدون من المقام الأوّل ، و ذلك أنّهم شاهدوا الحقّ موجودا ، و شاهدوا الخلق موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة هو كافية ، فاحتاجوا إلى اقتران لفظة اللَّه بلفظة هو حتّى يحصل التميز . المقام الثّالث مقام أصحاب الشّمال الذي هو أحسن المقامات ، و هم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد ، فقرن لفظ أحد بما تقديم ردّا على هؤلاء ، و إبطالا لمقالتهم فقيل قل هو اللَّه أحد ( و من قال فيم فقد ضمنه ، و من قال على م فقد أخلى منه ) هاتان القضيتان في تقدير شرطيّتين متّصلتين يراد بهما تنزيه الحق سبحانه عن مثل هذين الاستفهامين في حقّه . و تأديب الخلق أن لا يستفهموا عنه كذلك ، و بيان المراد منهما باستثناء نقيض تاليهما ، و حذف الاستثناء هيهنا [ 335 ] الذي هو كبرى القياس على ما هو المعتاد في القياس المضمر ، و تقدير المتّصلة الاولى أنّه لو صحّ السّؤال عنه بفيم ، لكان له محلّ يتضمّنه و يصدق عليه أنّه فيه ، صدق العرض في المحلّ ، أو الجسم في المكان ، لكنّه يمتنع كونه في محل و نحوه فيمتنع السّؤال عنه بفيم ، بيان الملازمة أنّ في لمّا كان مفيدا للظرفية و المحل ، فالاستفهام بفيم ، يقتضي صحّة كونه في محلّ أو مكان إذا لا يصحّ الاستفهام عن المحلّ لشي‏ء إلاّ إذا صحّ كونه حالا فيه ، و أمّا بطلان التّالي فلأنه لو صحّ كونه في المحلّ لكان إمّا أن يجب كونه فيه ، فيلزم أن يكون محتاجا إلى ذلك المحلّ ، و المحتاج إلى الغير ممكن بالذات ، و إن لم يجب حلوله جاز أن يستغنى عنه ، و الغني في وجوده عن المحلّ يستحيل أن يعرض له ما يحوجه إلى المحلّ ، فان الكون في المحل يستلزم الافتقار إليه ، و إذا استحال أن يكون في محلّ امتنع السّؤال عنه بفيم . و تقدير المتّصلة الثّانية أنّه لو صحّ السّؤال عنه بعلى م ، لجاز خلوّ بعض الجهات و الأماكن عنه ، لكنّه لا يجوز خلوّ مكان عنه ، فامتنع الاستفهام بعلى م ، بيان الملازمة أنّ لفظة على لمّا كانت مفيدة للعلوّ و الفوقية ، فالاستفهام بعلى م ، عن شي‏ء لا يصحّ إلاّ إذا صحّ كونه عاليا على شي‏ء ، و ذلك يستلزم أمرين ، أحدهما بالواسطة ، و الآخر بلا واسطة ، فالذي بالواسطة هو إخلاء ساير الجهات و الأماكن عنه ، و هو ما ذكره عليه السلام ، و الذي بلا واسطة هو إثبات الجهة المعيّنة أعني جهة فوق ، إذ اختصاصه بجهة معيّنة مستلزم نفى كونه في ساير الجهات . و إنّما جعل عليه السلام لازم هذه المتّصلة كونه قد أخلى منه ، ليلزم من بطلان اللازم و هو الاخلاء منه ، بطلان ملزومه أعني اختصاصه بالجهة ، ليلزم منه بطلان المقدم ، و هو صحّة السّؤال عنه بعلى م . و أمّا بطلان التّالي فلقوله تعالى : وَ هُوَ اللَّهُ في السَّمواتِ و في الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ و قوله : وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ [ 336 ] لا يقال : مثبت الجهة لا يجهل هذه الآيات ، بل له أن يقول : بعدم التّنافي بين الاختصاص و بين مفاد تلك الآيات ، اذ المقصود من كونه في السّماء و في الأرض ، كونه عالما بما فيهما ، و كذلك المراد بالمعية ، و المراد من كونه في جهة فوق ، كونه فيها بذاته ، فلا دلالة فيها على بطلان التّالي . قلنا : إنّما جعل عليه السلام قوله : فقد أخلى منه لازما في هذه القضيّة ، لأن نفي هذا اللاّزم بهذه الآيات ظاهر ، و ذلك ، لأنّ مثبت الجهة إنّما اعتمد في إثبات دعويها على ظواهر الآيات المفيدة له من أمثال قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلىَ الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فكانت معارضة مقتضاها بظواهر هذه الآيات أنفع في الخطابة ، و أوقع في قلوب العامة من البراهين العقليّة على نفي الجهة ، فلو ارتكب الخصم المثبت للجهة للتّأويل فيها ، باحاطة العلم لارتكبناه فيما تمسّك به من الآيات ، و قلنا إنّ المراد بالاستواء هو الاستيلاء بالقدرة حسبما سيأتي تحقيقه . فان قيل : إنّما خصّ جهة العلوّ بانكار اعتقادها . قلنا : لأنّ كلّ معتقد للّه جهة يخصّصه بها ، لما توهّم أنّه أشرف الجهات ، لأنّها التي نطق بها الكتاب الكريم ، فكانت شبهة المجسمة في إثباتها أقوى ، و كيف كان ، فقد تحصّل ممّا ذكرنا ، أنّه لا يصحّ السّؤال عنه بفيم ، و على م ، كما لا يجوز اعتقاد كونه في شي‏ء ، أو على شي‏ء . و يشهد به أيضا ما رواه في الكافي باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : من زعم أنّ اللّه من شي‏ء أو في شي‏ء أو على شي‏ء فقد كفر ، قلت : فسّر لى ، قال : أعني بالحواية من الشي‏ء له أو بامساك له أو من شي‏ء سبقه ، قال و في رواية اخرى : من زعم أنّ اللّه من شي‏ء فقد جعله محدثا ، و من زعم أنّه في شي‏ء فقد جعله محصورا ، و من زعم أنّه على شي‏ء فقد جعله محمولا . قال بعض شرّاح الكافي في شرح هذا الحديث : يعني أن إطلاق شي‏ء من هذه الألفاظ [ 337 ] بالمعنى الذي هو متعارف أهل اللّغة عليه تعالى مستلزم لاعتقاد التّجسيم في حقه تعالى و ذلك الاعتقاد كفر ، فمن زعم أنّ أحد هذه المعاني صادق في حقّه تعالى فقد كفر . ثم فسر عليه السلام الألفاظ على ترتيب اللف ، فقوله : أعني بالحواية من الشّي‏ء ، تفسير لمعنى في شي‏ء ، لأنّ كلّ ما هو في شي‏ء فيحويه ذلك الشّي‏ء ، و قوله : أو بامساك له ، تفسير لمعنى على شي‏ء ، لأنّ كلّ ما هو على شي‏ء فذلك الشّي‏ء ممسك له ، و قوله : أو من شي‏ء سبقه ، تفسير لمعنى من شي‏ء ، لأنّ ما كان من شي‏ء فذلك الشي‏ء مبدؤه و سابق عليه ، و لذلك قال في الرّواية الأخيرة : من زعم أنّ اللّه من شي‏ء فقد جعله محدثا ، لأنّ معنى المحدث هو الموجود بسبب شي‏ء سابق عليه بالوجود ، و قال عليه السلام : و من زعم أنّه في شي‏ء فقد جعله محصورا ، أى محويّا ، فيلزمه الحواية من ذلك الشّي‏ء ، و قال عليه السلام : و من زعم أنّه على شي‏ء فقد جعله محمولا ، فاذن له حامل يملكه هذا . و قد تحقّق من ذلك كلّه ، أنّ اللّه سبحانه لا يكون محصورا في شي‏ء ، و لا يخلو عنه شي‏ء ، فلا يكون في أرض و لا في سماء ، و لا يخلو عنه أرض و لا سماء ، كما ورد في الحديث : لو دليتم بحبل على الأرض السّفلى لهبط على اللّه ، و لهذا قال عليه السلام : و من قال : فيم ، فقد ضمنه ، و من قال : على م ، فقد أخلى منه ، تصديقا لقوله تعالى : هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ و قوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و قوله : وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ . و قول النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّه فوق كلّ شي‏ء و تحت كل شي‏ء ، قد ملاء كلّ شي‏ء عظمته ، فلم يخل منه أرض و لا سماء و لا برّ و لا بحر و لا هواء . [ 338 ] و في الكافي باسناده عن أبي حمزة الثمالى ، عن أبيجعفر عليه السلام ، قال : مكتوب في التّوراة التي لم تغير أنّ موسى عليه السلام سأل ربّه ، فقال : يا رب أ قريب أنت منّي فاناجيك ، أم بعيد فاناديك فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه : يا موسى أنا جليس من ذكرني الحديث . فان قلت : سلمنا هذا كله ، و لكن ما تقول في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى . فان الظاهر من الاستواء هو الاستقرار و الجلوس عليه . قلنا : هذه الآية هي التي تعلقت بها المشبّهة في أنّ معبودهم جالس على العرش ، و بعد ما قام البراهين العقلية و الحجج النقلية على نفي المكان عنه حسبما عرفته و تعرف إن شاء اللّه أيضا تفصيلا في شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعين ، ثبت تجرده عن جميع الأحياز و الأمكنة ، و إذا ثبت تجرّده عنها ثبت أنّ نسبته إلى الكلّ نسبة واحدة ، فلا بدّ من ارتكاب التّأويل في الآية الشّريفة . و قد ذكروا فيه وجوها و أقوالا كثيرة ، أقربها ما ذكره القفال من علماء المعتزلة و هو أنّ المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه و كبريائه . و تقريره أنّه لما خاطب اللّه عباده في تعريف ذاته و صفاته بما اعتادوه في ملوكهم و عظمائهم ، فمن ذلك أنّه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم ، و أمر النّاس بزيارته كما يزورون بيوت ملوكهم ، و ذكر في الحجر الأسود أنّه يمين اللّه في أرضه ، ثم جعله موضع تقبيلهم كما يقبل النّاس أيدي ملوكهم و كذلك ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النّبيّين و الشّهداء و وضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ ثم قال : و تَرَى الْمَلائِكَةَ حآفّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ و قال : وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانيَةٌ و قال : الَّذينَ يَحْمِلوُنَ الْعَرْشَ يُسَبِّحُونَ . [ 339 ] ثم أثبت لنفسه كرسيّا ، فقال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ إذا عرفت هذا فنقول : إنّ كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتّشبيه ، من العرش و الكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة ، و الطواف ، و تقبيل الحجر ، و لما توقفنا هيهنا على أن المقصود تصوير عظمة اللّه و كبريائه ، مع القطع ، بأنّه منزّه عن أن يكون في الكعبة ، فكذا الكلام في العرش ، و الكرسى ، انتهى كلامه على ما حكي عنه ، و تبعه على ذلك التّأويل جماعة من العامة ، منهم الزّمخشري ، و الرازي ، و النيسابوري ، و البيضاوي ، على ما حكي عنهم . و لكنّك خبير بأنّ الآية من المتشابهات ، و ما يعلم تأوليها إلاّ اللّه و الرّاسخون في العلم ، و حملها على ما ذكره القفال ، تفسير بالرّأى و تأويل بالباطل ، لأنّ حمل الآيات القرآنية على مجرّد التخيّيل و التمثيل ، من غير حقيقة دينيّة و أصل ايمانيّ يوجب قرع باب السّفسطة و التّعطيل ، و سدّ باب الاهتداء و التّحصيل ، و فتح باب التّأويل في المعاد الجسماني من عذاب القبر و البعث و الميزان و الحساب و الكتاب و الصّراط و الجنان و النيران . بل الحقّ المعتمد تفويض تأويل أمثال هذه إلى أهل بيت العصمة الذين هم ينابيع العلم و الحكمة ، فقد ذكروا عليهم السّلام فيه وجوها مثل ما رواه في الكافي باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، أنّه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ . فقال استوى على كلّ شي‏ء فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء و فيه أيضا عنه عليه السلام بعد ما سئل عنه ، فقال : استوى من كلّ شي‏ء ، فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء و فى ثالث عنه عليه السلام أيضا أنّه قال بعد السّؤال عنه : استوى في كلّ شي‏ء ، فليس شي‏ء أقرب إليه من شي‏ء لم يبعد منه بعيد ، و لم يقرب منه قريب ، استوى في كلّ شي‏ء ، إلى غير ذلك من الأخبار . و توضيح ما ذكره عليه السلام على وجه يتّضح به المرام ، من الآية الشّريفة أيضا يستدعي [ 340 ] بسطا في الكلام ، فنقول : إنّ الاستواء على ما ذكره المحدث المجلسي « قده » أن الاستواء يطلق على معان الاول الاستقرار و التمكن على الشّي‏ء الثاني قصد الشّي‏ء و الاقبال عليه الثالث الاستيلاء على الشّي‏ء ، قال الشّاعر : قد استوى رجل على العراق بغير سيف و دم مهراق الرابع الاعتدال ، يقال : سوّيت الشّي‏ء فاستوى الخامس المساواة في النّسبة . أمّا المعنى الأوّل فقد علمت استحالته على اللّه سبحانه و اما الثانى فمن المفسّرين من حمل الآية عليه ، أى أقبل على خلقه ، و قصد إلى ذلك ، و قد رووا أنّه سئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية ، فقال : الاستواء الاقبال على الشّي‏ء و نحو هذا قال الفراء و الزّجاج : في قوله : ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ . و الأكثرون منهم حملوها على الثالث أى استولى عليه و ملكه و دبّره ، و يحتمل أن يراد به المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النّقص عنه تعالى من جميع الوجوه ، فيكون على العرش حالا و اما المعنى الخامس فهو الظاهر من الأخبار التي اسلفناها . ثمّ اعلم أنّ العرش قد يطلق على الجسم العظيم المحيط بساير الجسمانيات ، و قد يطلق على جميع المخلوقات ، و قد يطلق على العلم أيضا كما نطقت به الأخبار الكثيرة . فاذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّه يصحّ أن يفسّر العرش بمجموع الأشياء ، و ضمن الاستواء معنى الاستيلاء و نحوه ممّا يتعدى بعلى ، أى استوت نسبته إلى كلّ شي‏ء حالكونه مستوليا عليه ، أو يفسّر بالعلم ، و يكون متعلق الاستواء مقدّرا ، أى تساوت نسبته من كلّ شي‏ء حالكونه متمكنا على عرش العلم ، فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى ، و أنّها بالعلم و الاحاطة ، أو يفسّر بعرش العظمة و الجلال و القدرة ، كما فسّر [ 341 ] بها في بعض الأخبار ، أى استوى من كلّ شي‏ء مع كونه في غاية العظمة ، و متمكنا على عرش التّقدس و الجلال ، و الحاصل أنّ علوّ قدره ليس مانعا من دنوّه بالحفظ و التّربية و الاحاطة ، و كذا العكس ، و على التّقادير ، فقوله : استوى خبر ، و قوله : على العرش حال . هذا غاية ما وصل إليه نظري الفاتر في تحقيق المرام ، و جملة ما نقدته من كلمات الأعلام في توضيح المقام ، و اللّه العالم بحقايق كلامه . الترجمة يعنى و هر كسى كه اشاره كرد بسوى او با اشاره عقليه يا با اشاره حسيّه پس بتحقيق كه محدود نمود او را بحدّى معين ، و هر كه او را محدود كرد پس بتحقيق او را در شمار آورد و معدود نمود او را در عداد مخلوقين ، و هر كس گفت خداوند در كدام محل يا در كدام مكان است پس بتحقيق متضمن گردانيد او را در ضمن محل و مكان ، و هر كه گفت كه او بر چيست پس بتحقيق خالى گردانيد بعض امكنه را از آن و حال آنكه نسبت حضرت او سبحانه بجميع امكنه و همه اشياء برابر است و هيچ مكان از او خالى و هيچ شى‏ء از او غائب نيست و لنعم ما قيل . در عالم اگر فلك اگر ماه و خور است از باده هستى تو پيمانه خور است فارغ ز جهانى و جهان غير تو نيست بيرون ز مكانى و مكان از تو پر است الفصل السادس كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شي‏ء لا بمقارنة ، و غير كلّ شي‏ء لا بمزايلة ، فاعل لا بمعنى الحركات و الالة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوّحد إذ لا سكن يستأنس به ، و لا يستوحش لفقده . [ 342 ] اللغة ( كائن ) اسم فاعل من كان قال الفيومي : كان زيد قائما أى وقع منه قيام و انقطع و تستعمل تامّة فتكتفى بمرفوع ، نحو كان الأمر ، اى حدث و وقع ، قال تعالى : وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ أى و إن حصل ، و قد تأتي بمعنى صار ، و زائدة ، كقوله تعالى : مَنْ كانَ في الْمَهْدِ صَبِيّاً وَ كانَ اللّهُ عَليماً حَكيماً . أى من هو في المهد ، و اللّه عليم حكيم انتهى . و قال الصّدر الشّيرازي في شرح الكافي : اعلم أنّ كلمة كان تستعمل في اللّغة على ثلاثة اوجه . أحدها بصيغتها دالة على الوجود و الزّمان ، و يسمّى في عرف النّحاة كان التّامّة ، كقول الشّاعر : اذا كان 1 الشّتاء فادفؤنى ، أى اذا وجد و حدث . الثّاني ما يدلّ على النّسبة و الزّمان ، فيحتاج في الدلالة على الوجود إلى خبر يتمّ به ، و هي النّاقصة و استعمالها أكثر ، و هي أداة عند المنطقيين و إن كانت على قالب الكلمة و الفعل ، لأنّ معناها غير مستقلّ في الانفهام ، كقوله تعالى : كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً و قوله : ما كانَ إِبْراهيمُ يَهُودِيًّا الثّالث أن يكون زائدة خالية عن الدلالة على وجود و زمان ، كقوله : على كان المسوّمة العراب أى على المسوّمة إذا عرفت هذا ، فنقول : إن كلمة كائن ماخوذة من كان التّامة ، أى موجود لا عن حدث ( و الحدث ) من حدث الشّي‏ء حدوثا كقعد تجدّد وجوده ، فهو حادث و حديث ، و منه يقال حدث به عيب اذا تجدّد ، و كان معدوما قبل ذلك ( و المزايلة ) من زايله زيالا إذا فارقه ( و السّكن ) بالفتحتين من سكنت إلى الشّي‏ء ----------- ( 1 ) آخره : فان الشيخ يهدمه الشتاء ( م ) [ 343 ] و هو ما يسكن إليه من اهل و مال و نحوهما ، هو سكن له ( و استانست ) به و تأنست به إذا سكن القلب و لم ينفر ، و الأنيس الذي يستأنس به ( و استوحش ) الرّجل إذا وجد الوحشة . الاعراب كلمة لا في جميع الفقرات للنّفى ، ففي الخمس الاولى بمعنى ليس و في قوله : إذ لا منظور إذ لا سكن ، لنفى الجنس ، و كلمة عن في الفقرتين بمعنى من ، على حدّ قوله سبحانه : و هُوَ الَّذي يَقْبلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه‏ وَ يَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ و يجوز كونها في الفقرة الثّانية بمعنى بعد ، كما في قوله تعالى : عَمّا قَليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمينَ و إذ في قوله : إذ لا منظور ، ظرف زمان كما في قوله : فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا و في قوله : إذ لا سكن ، كذلك على ما نبّه عليه الشّارح المعتزلي ، و لكنّ الأظهر كونها تعليليّة على حدّ قوله : لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ . لاحتياج جعلها ظرفا إلى تكلّف كما لا يخفى ، و لا يستوحش لفقده جملة استينافيّة كما ذكره القطب الراوندي ، و ايراد الشّارح المعتزلي عليه بأنّه كيف يكون مستأنفا و الهاء في فقده ترجع إلى المذكور ، فاسد جدّا . أمّا اوّلا فلأنّ وجود الضمير لا ينافي الاستيناف كما لا ينافيه وجود الواو ، و هذا بعينه مثل قوله تعالى : ثُمَّ يُعيدُهُ بعد قوله : أَ وَ لَمْ يَنْظُروا كَيْفَ يَبْدَءُ اللَّهُ الْخَلْقَ فانّهم ذكروا أنّه جملة مستأنفة نظرا إلى أنّ إعادة الخلق لم يقع بعد ، فيقرّروا برؤيتها [ 344 ] و أمّا ثانيا فلأنّه لو لم يكن كلاما مستأنفا لا بدّ و أن يجعل معطوفا ، إمّا على جملة الصّفة أعني قوله : يستأنس ، أو على الموصوف مع صفته ، و كلاهما غير ممكن ، كما هو واضح ، فقد تحقّق كون الجملة استينافيّة ، اللّهم إلاّ أن يقال إنّه عطف على جملة الصّفة ، و لا زايدة ، كما في قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ . و احتمل العلامة المجلسي كونها حالا ، و الأوّل أظهر . المعنى قد عرفت معانى كلمة كان ، و الأنسب بل المتعين في المقام هو أن يجعل المبدء في قوله : ( كائن ) هو التّامّة ، و لكن لمّا كان المفهوم منه حسبما عرفت ، الوجود المقارن للزّمان الذي قد انقضى ، و كان ذاته سبحانه منزّهة عن الزّمان ، استحال أن يقصد وصفه بالكون الدّالّ على الزّمان المستلزم للتّجدد و الحدثان ، و إذا استحال ذلك لم يكن له دلالة إلاّ على الوجود المجرّد عن القيدين ، فلذلك قيّده عليه السلام بقوله : ( لا عن حدث ) تنبيها على أنّ وجوده سبحانه ليس وجودا حدوثيا ، و أنّه سبحانه كائن بلا كينونية ، و قوله : ( موجود لا عن عدم ) إشارة إلى أنّ وجوده سبحانه ليس على حدّ وجودات ساير الأشياء ناشيا من العدم و مسبوقا به ، و الفرق بين الفقرتين بعد اتحادهما في الدّلالة على نفى الوجود التّجددي هو أنّ الاولى نافية للحدوث الزّماني ، و الثّانية نافية للحدوث الذاتي ، و هي أبلغ في الدّلالة على وجوب الوجود من الاولى كما لا يخفى ، و مساقهما مساق قوله عليه السلام في الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانين : سبق الأوقات كونه و العدم وجوده ، فليلاحظ ثمّة ( مع كلّ شي‏ء لا بمقارنة ) هذه الفقرة كسابقتيها و تاليتها مركبة من قضيّتين ، إحداهما ايجابيّة و الاخرى سلبيّة . أمّا الاولى فهي أنّ اللَّه سبحانه مع كلّ شي‏ء عالم بهم ، شاهد عليهم ، مصاحب معهم ، غير غايب عنهم ، كما قال : [ 345 ] وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ و قال : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ ، و لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و أما الثّانية فهي ما أشار إليه بقوله : لا بمقارنة ، تنبيها على أنّ معيته سبحانه للأشياء ليست بعنوان التّقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة ، و الاوهام النّاقصة كما توهّمه كثير من النّاس ، حيث إنّهم لم يعرفوا من المعيّة و الحضور الاّ معيّة حال بمحلّ ، أو محلّ بحال ، أو حضور جسم عند جسم ، أو حضور جسم في مكان ، و لذلك استبعدوا كونه مع كلّ شي‏ء ، و حضوره في كلّ مكان ، زعما منهم أنّ كونه مع شي‏ء أو في مكان مستلزم لكونه فاقدا لمعيّة ساير الأشياء ، و خلوّ ساير الأمكنة عنه ، و لم يدروا أنّ ما توهّموه إنّما هو من لوازم معيّة الأجسام مع أمثالها ، و خصايص حضور الجسمانيات عند اشباهها ، و أمّا اللَّه العظيم القيّوم ذو القوة الشديدة الغير المتناهية ، فنسبة جميع الأمكنة و المكانيات و أضعاف أضعافها إلى ذاته ، كنسبة القطرة إلى بحر لا يتناهى ، و كذلك نسبة جميع الأزمنة إلى تسرمد بقائه ، كنسبة الان الواحد إلى زمان لا ينقطع ، فلا يشغله شأن عن شأن و لا عالم عن عالم . و برهان ذلك أنّه سبحانه فاعل الخلق و مبدئهم و موجدهم و غايتهم و تمامهم فكيف يكون غائبا عنهم ، و الشّي‏ء مع نفسه بالامكان بين أن يكون و بين أن لا يكون و مع موجوده بالوجوب و الضرورة ، فكيف يصحّ الشي‏ء أن ينفك و يغيب عنه موجده و خالقه الذي هو به موجود ، و لا ينفك و لا يغيب عنه نفسه التي هو بها هو فقط ، فبهذا البرهان ظهر أنّه سبحانه مع خلقه ، شاهد عليهم أقرب إليهم من ذواتهم ، كما قال : و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبلِ الْوَريدِ الذي هو جزء من البدن ، فاذا كان كذلك فيرى أشخاصهم ، و يسمع كلامهم و يعلم أسرارهم . [ 346 ] كما نبّه عليه الامام عليه السلام في جواب ابن أبي العوجاء ، على ما رواه في الكافي باسناده عن عيسى بن يونس ، قال : قال ابن أبي العوجاء لأبيعبد اللَّه عليه السلام في بعض ما كان يحاوره : ذكرت اللَّه فأحلت 1 على غائب ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، و اليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ، و يرى أشخاصهم ، و يعلم أسرارهم ، فقال ابن أبي العوجاء : أ هو في كلّ مكان ؟ أ ليس إذا كان في السّماء كيف يكون في الأرض ؟ و إذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء ؟ فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان ، و خلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ، فأمّا اللَّه العظيم الشأن الملك الدّيان ، فلا يخلو منه مكان ، و لا يشتغل به مكان ، و لا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان . و رواه الصّدوق أيضا في الفقيه في باب الحج ( و غير كلّ شي‏ء لا بمزايلة ) يعنى أنّه سبحانه مغاير لجميع الأشياء ، مغايرة ذاتية من حيث عدم النّسبة بين الرّب و المربوب ، و الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، إذ ذاته لا تماثل به ذات شي‏ء من الموجودات ، و صفاته لا تشابه صفات شي‏ء من الممكنات ، و من ذلك تحقّق أن غيريّته ليست على جهة المزايلة ، كالمتغايرين من الأجسام على وجه التعاند أو التّضادّ اللذين وجود أحدهما في محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه ، لأنّه سبحانه لا يضادّه شي‏ء و لا يعانده شي‏ء ، كيف ؟ و هو خالق الأضداد ، فلو كان معاندا لشي‏ء أو مضادّا له ، للزم احتياجه إلى المحلّ أو المكان المنافي لوجوب الوجود فظهر ، أنّ تغايره سبحانه للأشياء و تميّزه عنها إنّما هو بنفس ذاته المقدّسة التي في غاية الكمال و التّمام ، و كون ما سواه في نهاية الافتقار و النّقصان ، و يأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء اللَّه تعالى في شرح الكلام الثّامن و المأتين ( فاعل ) للأشياء و صانع لهم بنفس قدرته الكاملة و إرادته التّامّة الجامعة ( لا ) فاعل ( بمعنى الحركات و الآلة ) لأنّه لا يحتاج في خلقه و فعله إلى حركة ذهنيّة أو بدنيّة كما ----------- ( 1 ) من الحوالة منه [ 347 ] يفتقر غيره إليها في أفعاله و صنايعه ، لأن الحركة من عوارض الجسم و الجسمانيات و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك ، كما أنّه غير محتاج إلى آلة . أمّا اجمالا فلأنّ افتقاره إلى الآلة من صفات الممكن . و أمّا تفصيلا ، فلأنّه لو صدر عنه شي‏ء من الآثار بآلة فإمّا أن تكون تلك الآلة من فعله أم لا . و على الأوّل ، فهي إمّا بتوسط آلة اخرى أو بدونها ، فان كانت بدونها ، فقد صدق أنّه فاعل بالذات لا بآلة ، و إن كانت بتوسّط آلة اخرى فالكلام فيها ، كالكلام في الاولى و يلزم التّسلسل . و على الثّاني يلزم أن يكون الباري جلّ شأنه مفتقرا في تحقّق فاعليّته و قدرته إلى الغير و المفتقر إلى الغير ممكن بالذّات هذا خلف ( بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ) يعني أنّه سبحانه كان بصيرا في الأزل و لا مبصر ، كما أنّه كان سميعا و لا مسموع . و اختلف العلماء في أنّ السّمع و البصر هل هو عين العلم بالمسموعات و المبصرات ، أو صفة اخرى فذهب المحقّقون على ما عزى إليهم إلى الأوّل و ذهب طائفة إلى الثّاني استدلالا بذكرهما مع العلم في كثير من الآيات و الرّوايات و بتجشّم الاستدلال في إثباتهما بعد إثبات العلم بجميع المعلومات . و يضعّف بأن ذكر الخاص مع العام شايع و تكلف الاستدلال في إثباتهما تنبيها على تحقق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعني العلم بالمسموع و المبصر من حيث إنّه مسموع و مبصر ، حتّى أنّهما حاضران عنده ، على هذه الحيثيّة المشاهدة الذّاتية بلا آلة ، كما أنهما حاضران عندك بالمشاهدة العينيّة و توسط الآلة ، فاثبات السّمع و البصر من حيث إنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقا و من حيث الخصوصيّة المذكورة محتاج إلى دليل مستقلّ . و ممّا ذكرنا ظهر ما في كلام بعض الأعلام حيث أورد بقوله : فان قلت : [ 348 ] لم يكن شي‏ء من المبصرات و المسموعات في الأزل فلم يكن اللَّه سميعا و بصيرا في الأزل ، إذ لا يعقل سماع المسموعات الحادثة و إبصار المبصرات الحادثة في الأزل و أجاب بقوله : قلنا : إنّه سميع و بصير في الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع و المبصر لأدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه . و توضيح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلي عن أبي هاشم و أصحابه ، حيث قال : إنّهم يطلقون عليه في الأزل أنّه سميع بصير و ليس هناك مسموع و لا مبصر ، و معنى ذلك كونه بحال يصحّ منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت و ذلك يرجع إلى كونه حيّا لا آفة به ، و لا يطلقون عليه أنّه سامع مبصر في الأزل ، لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة ، و كذلك المبصر . و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه ، تعرف فساد جميع ما ذكروا من السّؤال و الجواب و ما حكيناه عن أبي هاشم و أصحابه . أمّا السّؤال فلأن السمع و البصر حسبما عرفت عبارة عن العلم ، و العلم بالشّي‏ء غير متوقّف على وجوده ، و قد يتحقّق ذلك في أفراد البشر ، فكيف الباري الذي لا يخفى عليه شي‏ء و أما الجواب ، فلأن فيه اعترافا بورود السّؤال ، و أنّه تعالى لا يدرك المسموع و المبصر قبل وجودهما ، و إشعارا بأنّ فيه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم و الادراك كما ينبّه عليه ما حكيناه عن أبي هاشم ، من أنّ القول بذلك ضروري البطلان ، حيث إن الصّفات الذّاتية الكمالية كلّها فعليّة في حقه سبحانه ، و ليست شأنية كما برهن في محلّه . فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات و المبصرات في الأزل ، كادراكه لها في الأبد من غير تفاوت بينهما أصلا . و يشهد به ما رواه في الكافي باسناده عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : لم يزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ، و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء ، و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السّمع على المسموع ، و البصر على المبصر ، [ 349 ] و القدرة على المقدور ، الحديث . و سيأتي ، مزيد تحقيق لهذا الحديث في الفصل الآتي عند شرح قوله عليه السلام : عالما بها قبل ابتدائها فانتظر ( متوحّد ) في ملكه و ملكوته و سلطانه ( إذ لا سكن ) له أى لا يمكن أن يكون له سكن ( يستأنس به و لا ) أنيس ( يستوحش لفقده ) بل توحّد بالتّحميد ، و تمجّد بالتمجيد ، و علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تطهر و تقدّس عن ملامسة التّساء ، عزّ و جلّ عن مجاورة الشّركاء و إنّما امتنع في حقّه السّكن و الأنيس و الاستيناس و الاستيحاش أما إجمالا فلأنّ الانس و الوحشة من توابع المزاج و لواحق الحيوان ، الذي يأخذ لنفسه من جنسه أو من غير جنسه أنيسا يستانس بصحبته ، و يستوحش بفقدانه ، و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك . و أمّا تفصيلا فلأنّه سبحانه جامع الكمالات و الخيرات بلا فقد شي‏ء عنه ، لأنّه كلّ وجود « و منشأ خ ل » و مبدء كلّ موجود ، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تقدس عن مباشرة النّساء ، و جلّ عن أخذ الشّركاء ، لأنّ الحاجة إلى الأولاد و النّساء و الشّركاء و أمثالها سببها قصور الوجود ، و قلّة الابتهاج بمجرّد الذّات ، و كثرة التوحّش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام و النّقايص ، فيجبر القصور ، و يزول التّوحش بوجود الأمثال و الاشباه ، استيناسا بها ، و تخلصا عن وحشة الفراق بسببها و أمّا الذّات الالهية الجامعة لجميع الخيرات ، و السّعادات ، و الابتهاجات ، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة ، و إليه مفتقرة ، و منه مستفيضة ، بل هو في الحقيقة انس كلّ مستوحش غريب ، و به سرور كلّ محزون كئيب . و بعبارة اخرى أوضح و ألطف ان الاستيحاش و التّوحش الحاصل للانسان و نحوه عن التفرّد عن الأمثال و الاشباه ، لنقص جوهره و قصور وجوده من الكمال ، و خلو ذاته عن الفضيلة التّامة ، و استصحابه للاعدام و الظلمات ، فيستوحش من ذاته الخالية عن نور الفضيلة و الكمال ، و يستأنس بغيره من الأشباه و الأمثال ، و أمّا الباري سبحانه فالأشياء الصّادرة عنه ، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ، و لمعات لشمس حقيقته ، و البحر لا يستزيد بالرشحة و النداوة ، و الشّمس لا تستنير [ 350 ] بلمعاتها و ذراتها ، فكيف يستأنس ذاته المقدّسة بما يفيض عنها . هذا كلّه مضافا إلى أن حصول الاستيناس و زوال الاستيحاش إنّما يكون بوجود الأشباه ، و هو تعالى لا يشبه شيئا مذكورا ، سواء كان موجودا في العين أم لا ، فانّ المذكور قد لا يكون موجودا ، و هو أعمّ من الموجود ، و نفى الأعمّ يستلزم نفى الأخص كما هو ظاهر . الترجمة يعنى ثابت است نه از روى حدوث و تجدّد ، و موجود است نه از كتمان عدم ، با همه چيز است نه بعنوان مقارنه ، و غير هر چيز است نه بعنوان مفارقت . و لنعم ما قيل : اى با همه در كمال نزديكى دور حسنت بنقاب لن ترانى مستور نور تو چو آفتاب خاكم بدهن در پرده اختفاست از فرط ظهور و فاعلست نه بمعنى حركات و توسط آلات ، بيناست در وقتيكه هيچ منظور اليه نبوده او را از مخلوقات ، متفرّد و يكانه است بجهة آنكه مونسى ندارد كه با آن انس بگيرد و مونسى نيست او را كه بجهة فقدان آن مستوحش شده باشد . مبرّا ذات پاكش از انيسى معرّا و منزّه از جليسى الفصل السابع أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء ، بلا روية أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فيها ، أجال الأشياء لأوقاتها و لائم بين مختلفاتها و غرّز غرايزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها . [ 351 ] اللغة ( الانشاء و الابتداء ) لغة بمعنى واحد قال سبحانه : هُوَ الَّذي أَنْشَأَكُمْ أى ابتدئكم و خلقكم ، و كلّ من ابتدء شيئا فقد أنشأه ، قال الفيومي : نشأ الشّي‏ء نشاء مهموز من باب نفع : حدث و تجدّد و أنشأته أحدثته هذا . و قد يفرّق بينهما حيث اجتمعا صونا للكلام عن التكرار تارة بأنّ الانشاء هو الايجاد لا عن مادّة ، و الابتداء هو الايجاد لا لعلّة ، ففي الأوّل إشارة إلى نفى العلّة المادية ، و في الثّاني إشارة إلى نفى العلة الغائية في فعله سبحانه و اخرى بأن الانشاء هو الايجاد الذي لم يسبق غير الموجد إلى ايجاد مثله ، و الابتداء هو الايجاد الذي لم يوجد الموجد قبله مثله و ثالثة بأن الانشاء هو الايجاد من غير مثال سابق ، و الابتداء هو الايجاد من غير صور الهاميّة فائضة على الموجد ( و الروية ) الفكر و التّدبر ، قال في المصباح : و هي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز تخفيفا ، و هي من روأت في الأمر بالهمز إذا نظرت فيه ( و الاجالة ) من الجولان يقال : أجاله و أجال به إذا أداره ، كما يقال : جال يجول جولا و جولانا إذا ذهب و جاء ، و منه الجولان في الحرب ، و في بعض النّسخ أحالها بالمهملة ، و هو من الاحالة بمعنى النّقل و الصّرف ( و التّجربة ) على وزن التّكملة و التّبصرة ، بمعنى الاختبار يقال جرّبه تجريبا و تجربة أى اختبره مرّة بعد اخرى ( و الحركة ) محركة اسم من التحريك بمعنى الانتقال ، و هو خلاف السّكون و هي عند المتكلمين حصول الجسم في مكان بعد حصوله في مكان اخرى ، يعنى أنّها عبارة عن مجموع الحصولين ، و عند الحكماء هي الخروج من القوّة إلى الفعل على سبيل التّدريج ( و الهمامة ) بهذه الهيئة لم أجدها في كتب اللغة إلاّ المجمع ، قال : و الهمامة التردّد ، و الموجود في كتب اللغة همام ، قال في الاوقيانوس : لا همام بحرف النّفى على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا اهم يقال لا همام أى لا اهم و لا أفعله . [ 352 ] قال بعض شراح الكافي 1 عند شرح قول الامام عليه السلام : مريد لا بهمامة : أى مريد للأشياء لا بهمامة النّفس و هي اهتمامها بالامور و ترديد عزمها مع الهمّ و الغم بسبب فوتها ، مأخوذ من الهمهمة و هي ترديد الصّوت الخفي و هو سبحانه منزّه عنها . و بنحوه فسّره الشّارح البحراني في شرح الخطبة هذه ، و قريب منه عبارة الرّاوندي على ما حكي عنه ، قال : يقال : ما له في الأمر همّة و لا همامة أى لا يهتم به ، و الهمامة التردّد كالعزم انتهى . و قال الشّارح المعتزلي : قوله عليه السلام : و لا همامة نفس اه فيه ردّ على المجوس و الثّنوية القائلين بالهمامة ، و لهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات ، و قال أيضا : و لهم في الهمامة كلام مشهور ، و هي لفظة اصطلحوا عليها ، و اللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهمّة ، إلى أن قال : و لكنها لفظة اصطلاحيّة مشهورة عند أهلها انتهى . ( و أجال ) إن كان بالجيم المعجمة فمن الجولان ، و إن كان بالحاء كما في بعض النّسخ فمن الاحالة بمعنى التّحويل و الصّرف ، أو بمعنى الايثاب ، يقال : حال في ظهر دابّته إذا وثب و استوى ، و أحاله غيره أو ثبه . قال الشّارح المعتزلي كانّه سبحانه لما أقرّ الأشياء في أحيانها و أوقاتها ، صار كمن أحال غيره على فرسه هذا ، و لا يخلو ارادته عن بعد فافهم . و في بعض النّسخ أجل بالجيم ، أي وقت ، و في بعضها أحلّ بالحاء من الحلول يقال : أحلّه المكان و بالمكان إذا جعله يحلّ به ( و لائم ) ملائمة إذا أصلح ( و الغريزة ) الطبيعة المجبولة يقال : هو حسن الغريزة أى الطبيعة ( و الاشباح ) جمع الشبح بمعنى الشّخص ( و الاحاطة ) بالشّي‏ء الاستدارة به من جوانبه ، يقال : أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوابه و استداروا بجوانبه ، ثم استعمل تارة في شمول الحفظ ، و تارة في شمول العلم ، و تارة في استيلاء القدرة و شمولها ( و القرائن ) ----------- ( 1 ) هو الفاضل المازندرانى منه . [ 353 ] جمع القرينة ، و المراد بها هنا النّفس النّاطقة كالقرونة قال في الاقيانوس : يقال : أسمحت قرينة و قرينته و قرونه و قرونته أى ذلت نفسه ، و منه يعلم ما في كلام الشّارح المعتزلي حيث جعلها جمع قرونة من الضّعف و الفساد ( و الاحناء ) جمع حنو بمعنى الجانب كما في المجمع ، و في الاوقيانوس أنّه يقال : على العضو المعوج ، كالحاجب و نحوه ، و على كلّ شي‏ء معوج من الشّجر و غيره ، و لم يذكر مجيئه بمعنى الجانب ، و إرادة كلّ من المعنيين صحيحة في المقام ، و لا بأس بهما . الاعراب كلمة لا في قوله عليه السلام بلا رويّة نافية معترضة بين الخافض و المخفوض ، على حدّ قولهم جئت بلا زاد ، و غضب من لا شي‏ء ، و اختلف علماء الأدبيّة في أنّها هل هي اسم أو حرف . فذهب الكوفيون إلى أنّها اسم ، و الجار داخل عليها نفسها ، و جرّ ما بعدها بها نفسها لكونها بمعنى غير . و غيرهم إلى أنّها حرف ، و يسمونها زائدة ، و الظاهر أنّهم أرادوا بالزّيادة الزّيادة من حيث اللفظ من أجل اعتراضها بين شيئين متطالبين ، و إلاّ فلا يصحّ المعنى باسقاطها ، لأنّ حذف لا في الأمثلة المذكورة يوجب فوات المعنى المقصود من الكلام ، أعني النّفى ، و ذلك مثل تسميتهم لاء المقترنة بالعاطف في نحو ما جائني زيد و لا عمرو ، زائدة ، مع أنّ إسقاطها يوجب اختلال المعنى ، لانك إذا قلت : ما جائني زيد و عمرو ، احتمل نفى اجتماعهما في المجي‏ء ، كما احتمل نفى مجي‏ء كلّ منهما على كلّ حال ، و إذا قلت : ما جائني زيد و لا عمرو ، كان نصّا في الثّاني . و ممّا ذكرنا ظهر حكم لا في الجملات المتعاطفه : من قوله عليه السلام : و لا تجربة استفادها ، و لا حركة أحدثها اه ، و اللام في قوله عليه السلام لأوقاتها على رواية أجال بالجيم بمعنى إلى ، كما في قوله تعالى : أَوْحى لَها [ 354 ] و كذلك على روايته بالحاء و جعله بمعنى التّحويل و الصّرف ، و على جعله بمعنى الايثاب فبمعنى على كما في قوله تعالى : وَ تَلَّهُ لِلْجَبينِ أى عليه ، و أمّا على رواية أجل بالجيم فللتعليل ، و بالحاء فبمعنى في ، على حدّ قوله سبحانه : وَ نَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيمَةِ و الضميران في قوله عليه السلام و ألزمها أشباحها راجعان إلى الغراير ، و يحتمل رجوعهما إلى الأشياء و انتصاب عالما ، و محيطا ، و عارفا ، على الحاليّة من الفاعل ، و العامل فيها : ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصريين . المعنى اعلم أنّه عليه السلام لما ذكر في الفصل السّابق جملة من نعوت الجلال و الجمال ، عقّبه بهذا الفصل ، و نبّه فيه على كيفيّة خلقه تعالى للأشياء ، و على جملة من صفات فعله و كماله ، فقال : ( أنشأ الخلق إنشاء ) أى خلقهم خلقا من غير مادّة ، أو من غير سبق موجد غيره سبحانه إلى ايجاد مثله ، أو بلا مثال سابق ( و ابتدئهم ابتداء ) أى أوجدهم ايجاد الا لعلّة غائية ، كالاستيناس بهم و الوحشة لفقدهم ، أو من غير أن يوجد سبحانه مثلهم ، أو من دون إفاضة صورة الهاميّة عليه سبحانه . ففي هاتين الفقرتين إشارة إلى نفى المشابهة بين صنعه سبحانه و صنع البشر ، و ذلك لأن الصّنايع البشريّة إنّما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع و تلك الصّورة تارة تحصل عن مثال خارجيّ يشاهده الصّانع و يحذو حذوه ، و اخرى تحصل بمحض الالهام و الاختراع ، فانّه كثيرا ما يفاض على أذهان الأذكياء صور الأشكال لم يسبقهم إلى تصوّرها غيرهم ، فيتصوّرونها و يبرزونها في الخارج ، و كيفيّة صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهين . أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل ، و كان و لم يكن معه شي‏ء ، [ 355 ] فلا يكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلك الصّانع . و أمّا الثّاني فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به و إن كان مبتدءا في العرف و مخترعا عندهم ، لكنّه مفتقر إلى الملهم و المفيض ، و الافتقار محال عليه سبحانه ، بل هو غني في فعله و صنعه عن غيره ، كما أنّه مقدّس عن مشابهة خلقه في ايجاده و خلقه ، حيث إنه خلقهم ( بلا رويّة أجالها ) و لا فكر أداره أو صرفه إليهم ( و لا تجربة ) معينة له على خلق هذه الأجسام ( استفادها ) أى اكتسبها لنفسه من قبل ، بمعنى أن يكون خالقا من قبل أجساما مجرّبا له مرّة بعد اخرى ، فحصلت له تلك التّجربة ، و يأتي إن شاء اللَّه تحقيق هاتين الفقرتين في شرح الفصل الثّالث من خطبة الأشباح . ( و لا حركة أحدثها ) كما أنّا نحتاج في أفعالنا الاختياريّة بعد التّصور و الشّوق و الارادة إلى إحداث حركة في العضلات ، ليقع الفعل في الخارج و هو سبحانه تعالى شأنه عن ذلك ، لكون الحركة من خواصّ الجسم ، و هو تعالى منزّه عن الجسميّة و لواحقها ( و لا همامة نفس اضطرب فيها ) أى تردّد نفس موجب للاضطراب له تعالى ، كالتردّد و الاضطراب الحاصلين لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا . و أمّا على ما ذهب إليه الشّارح المعتزلي من كون الهمامة من الاصطلاحات المخصوصة للمجوس و الثنويّة ، ففهم معناها موقوف على نقل ما حكاه عنهم . قال : حكى زرقان في كتاب المقالات ، و أبو عيسى الورّاق ، و الحسن بن موسى ، و ذكره شيخنا أبو القاسم البلخي في كتابه المقالات أيضا عن الثنويّة : أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه و إرادته في غزو الظلمة و الاغارة عليها ، فخرجت من إرادته قطعة و هي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة من النّور الأعظم و حالت بينها و بينه ، و خرجت همامة الظلمة غازية للنّور الأعظم ، فاقتطعها النّور الأعظم عن الظلمة ، و مزجها بأجزائه و امتزجت همامة [ 356 ] النّور بأجزآء الظلمة أيضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان و تتدانيان و هما ممتزجتان بأجزآء هذا و هذا ، حتّى ابتنى منهما هذا العالم المحسوس انتهى . أقول : الثّنوية أثبتوا أصلين قديمين مدبرين يقسمان الخير و الشر ، و النفع و الضرّ ، و الصّلاح و الفساد ، يسمّون أحدهما النّور ، و الثّاني الظلمة ، و بالفارسية يزدان و أهرمن ، و لهم تفصيل مذهب موكول إلى محلّه ، و المجوس قسم منهم إلاّ أنّهم قالوا بحدوث الظلمة ، و لهم قاعدتان عمدتان . إحداهما بيان سبب امتزاج النّور بالظلمة ، و ذكروا في ذلك وجوها كثيرة يطول الكلام بذكرها ، و لا باس بالاشارة إلى واحد منها ، و هو أنّ يزدان فكر في نفسه أنّه لو كان لي منازع كيف يكون ، و هذه الفكرة كانت رديّة غير مناسبة بطبيعة النّور ، فحدثت الظلمة من هذه الفكرة ، و سمّي أهرمن ، و كان مطبوعا على الشرّ و الضّرر و الفساد . و القاعدة الثّانية في سبب خلاص النّور من الظلمة ، و لهم فيها أيضا وجوه كثيرة منها أنّه وقعت المحاربة بين عسكر النّور و عسكر الظلمة مدّة كثيرة من الوف سنة ، ثم يظفر عاقبة الأمر يزدان و جنوده ، و عند الظفر و إهلاك جنود أهرمن أجمعين يكون القيامة ، فيرتفع هؤلاء إلى عالم النّور و السّماء ، و ينحط هؤلاء إلى دار الظلمة و الجحيم و منها أنّ الملائكة و توسّطوا بعد المحاربة إلى أنّ العالم السّفلي لجنود أهرمن ، و العالم العلوى خالصا لجنود يزدان ، إلى غير ذلك من الأباطيل و الخرافات التي ذكروها في سبب الامتزاج و الخلاص ، خذ لهم اللَّه أجمعين و لعنهم إلى يوم الدّين . ( أجال الأشياء لاوقاتها ) أى أدارها و نقلها إليها على وفق ما اقتضاه القضاء اللاّزم ، و القدر الحتم . هذا على رواية أجال بالجيم أو بالحاء و جعله من الاحالة بمعنى التّحويل و النّقل ، و على المعنى الآخر فالمعنى أنّه أوثب الاشياء و سواه على أوقاتها بحسب ما تقتضيه الحكمة و المصلحة . [ 357 ] و أمّا على رواية أجل بالجيم فالمعنى أنّه وقّتها لاوقاتها لا تتقدم عليها و لا تتأخّر عنها قال سبحانه : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ و على روايته بالحاء فمعناه أنّه أحلها في أوقاتها ، و على أيّ تقدير كان ، فالمقصود انه سبحانه جعل لكلّ شي‏ء وقتا معيّنا ، و زمانا مخصوصا ، بحسب اقتضاء النظام الاكمل ، و النّظم الاصلح ، لا يتقدم عليه و لا يتأخر عنه . ( و لائم بين مختلفاتها ) كما أصلح بين العقل الذي هو من عالم الأمر و الغيب و بين البدن الذي هو من عالم الخلق و الشّهادة ، مع عدم احتياجه في نفسه و فعله إليه أصلا ، و كتوفيقه بين العناصر مع اختلافها و تباينها ، و كجمعه بين النار و الثّلج في بعض الملائكة مع التضاد بينهما و تعاندهما ( و غرّز غرايزها ) أى جعل غرائز الأشياء غريزة لها ، كما يقال ، سبحان من ضوّء الأضواء ، و المقصود به أنّ طبيعة كلّ من الأشياء مجبولة عليه ، مطبوعة فيه ، كالفطانة للانسان ، و البلادة للحمار مثلا ( و ألزمها أشباحها ) أى جعل غريزة كلّ شي‏ء ، و سجيّته لازمة على شبحه ، و شخصه ، غير منفكة عنه ، كالشّجاعة ، لبعض الاشخاص ، و الجبن للآخر ، و السّخاء لشخص ، و البخل لغيره ، و كالحرارة للعسل ، و البرودة للكافور ، إلى غير ذلك من الطبايع اللاّزمة على الأشخاص الغير المنفكة عنها ، فانّ الشجاع لا يكون جبانا ، و لا الجبان شجاعا ، و لا البخيل سخيّا ، و لا بالعكس . هذا كله على تقدير رجوع الضميرين إلى غرائزها ، و أما على تقدير رجوعهما إلى الاشياء كما يقتضيه سياق سوابقهما فالمعنى أنه تعالى ألزم الاشياء على الأشخاص يعنى أنّ الأشياء بعد ما كان في علمه و قضائه سبحانه على نحو العموم و الكليّة ، جعلها لازمة على التشخّصات الجزئية ، و أوجدها في العين في ضمن تلك التشخّصات ، ضرورة أنّ ما لم يتشخص لم يوجد ، و إليه اشير في قوله عزّ و جلّ . وَ إِنْ مِنْ شَي‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، و ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدرٍ مَعْلومٍ هذا و في بعض النّسخ أشباحها أى اصولها ( عالما بها قبل ابتدائها ) كما أنّه عالم [ 358 ] بها بعد الابتداء و الايجاد ، من غير تفاوت بين الحالتين ( محيطا بحدودها و انتهائها ) أى بأطرافها و نهاياتها . قال سبحانه في حم السّجدة : ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحيطٌ و فسّره بعضهم بشمول الحفظ ، قال الرّاغب أى حافظ له من جميع جهاته ، و بعضهم بشمول العلم ، فقال : أى عالم به ظاهرا و باطنا جملة و تفصيلا ، و قيل ، بل المراد به إحاطته علما و قدرة معا . و أمّا قوله تعالى : أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً فالتميز بالعلم معيّن ، قيل : و الاحاطة بالشّي‏ء علما هو أن يعلم وجوده ، و جنسه ، و قدره ، و كيفيّته ، و غرضه المقصود به و بايجاده ، و ما يكون هو منه ، و ليس ذلك إلاّ اللَّه ( عارفا بقرائنها و أحنائها ) أى نفوسها و جوانبها أو نفوسها و أعضائها و المعرفة هنا مجاز عن العلم ، لما قد مرّ فيما سبق من الفرق بينهما ، و أنّه لا يجوز اطلاقها في اللَّه سبحانه ، فاذا وقع في كلام الامام عليه السلام لا بدّ من أن يراد بها معناها المجازي ، فيكون عارفا بمعنى عالما ، و علاقة التجوز واضحة . تنبيه و تحقيق و هو أنّ قوله : عالما بها قبل ابتدائها يفيد علمه بجميع الأشياء ، كلياتها و جزئياتها ، و فيه ردّ على من نفاه رأسا فضلّ ضلالا بعيدا ، و على من نفى علمه بالجزئيات ، و خسر خسرانا مبينا ، و يفيد أيضا علمه بالموجودات قبل ايجادها و تكوينها ، و الشّاهد على ذلك مضافا إلى كلامه عليه السلام الآيات و الأخبار المتواترة ، و البراهين العقليّة . و توضيح المقام و تفصيله يتمّ برسم امور . الاول في بيان الأدلة النّقليّة فمن الكتاب آيات كثيرة لا تحصى و لنكتف منها بثلاث آيات قال سبحانه في سورة البقرة : [ 359 ] و هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَليمٌ و في سورة النّساء : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليماً حَكيماً و فيها أيضا : و كانَ اللَّهُ عَليماً حَكيماً و من السّنة أخبار كثيرة بالغة حدّ التّواتر . فمنها ما في التّوحيد باسناده عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سمعته يقول : كان اللَّه و لا شي‏ء غيره و لم يزل عالما بما كوّنه ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه . و منها ما رواه فيه أيضا عن أيوب بن نوح ، أنّه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن اللَّه أ كان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء و كوّنها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها و أراد خلقها و تكوينها ، فعلم ما خلق عند ما خلق ، و ما كوّن عند ما كوّن ؟ فوقع عليه السلام بخطه لم يزل اللَّه عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء . و منها ما رواه أيضا عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال . قلت له : أ رأيت ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة أ ليس كان في علم اللَّه ؟ قال : فقال : بلى قبل أن يخلق السّماوات و الأرض . و منها ما رواه عن منصور أيضا ، قال سألته : يعني أبا عبد اللَّه عليه السلام ، هل يكون اليوم شي‏ء لم يكن في علم اللَّه عزّ و جلّ ؟ قال عليه السلام لا بل كان في علمه قبل أن ينشي‏ء السّماوات و الأرض . و منها ما رواه عن حمّاد بن عيسى ، قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام ، فقلت : لم يزل اللَّه يعلم ؟ قال : أنّ يكون يعلم و لا معلوم ؟ قال : قلت : فلم يزل يسمع ؟ قال : أنّى يكون ذلك و لا مسموع ؟ قال قلت : فلم يزل يبصر ؟ قال : أنّى يكون ذلك و لا مبصر ؟ قال ثم قال : لم يزل اللَّه عليما سميعا بصيرا ذات علاّمة سميعة بصيرة . أقول : لعل ردعه عليه السلام للرّاوي من جهة أنّه علم من حاله أنّه اعتقدان علمه و سمعه و بصره سبحانه ، مثل العلم و السمع و البصر الموجود في غيره سبحانه ، بأن [ 360 ] تكون أوصافا زايدة على الذّات ، و مستلزمة للمتعلّقات ، من حيث كونها امورا نسبية غير قائمة إلاّ بمتعلقاتها ، و يشهد بذلك آخر الرّواية ، و رواية الحسين بن خالد الآتية و غيرها . و منها ما رواه عن الحسين بن بشار ، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليهما السّلام ، قال : سألته أ يعلم اللَّه الشّي‏ء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلاّ ما يكون ؟ فقال : إنّ اللَّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، قال عز و جلّ : إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْملُونَ و قال لأهل النار : وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُّوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فقد علم اللَّه عزّ و جلّ بأنّهم لوردّهم لعادوا لما نهوا عنه ، و قال للملائكة لما قالت : أ تَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ ، قالَ إِنّي أَعْلَمْ ما لا تَعْلَمُونَ فلم يزل اللَّه عزّ و جلّ علمه سابقا للأشياء ، قديما قبل أن يخلقها ، فتبارك ربّنا و تعالى علوّا كبيرا ، خلق الأشياء و علمه سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربّنا عليما سميعا بصيرا . و منها ما رواه أيضا عن عبد اللَّه بن مسكان ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن اللَّه تبارك و تعالى أ كان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أو علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه ؟ فقال تعالى اللَّه بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد كونه ، و كذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان . و منها ما رواه عن الحسين بن خالد ، قال سمعت الرّضا علي بن موسى عليه السلام يقول : لم يزل اللَّه تبارك و تعالى عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا ، فقلت له يا بن رسول اللَّه : إنّ قوما يقولون : إنّه عزّ و جلّ لم يزل عالما بعلم ، و قادرا بقدرة ، و حيّا بحياة ، و قديما بقدم ، و سميعا بسمع ، و بصيرا ببصر ، فقال عليه السلام : من قال [ 361 ] ذلك و دان به فقد اتّخذ مع اللَّه آلهة اخرى ، و ليس من ولايتنا على شي‏ء ، ثم قال : لم يزل اللَّه عزّ و جلّ عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا لذاته ، تعالى عمّا يشركون و يقولون المشبّهون علوّا كبيرا . و منها ما في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه قال : أحاط بالأشياء علما قبل كونها ، فلم يزدد بكونها علما علمه بها قبل أن يكوّنها ، كعلمه بها بعد تكوينها . و منها ما فيه أيضا كما في التّوحيد عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : لم يزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ، و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلما أحدث الأشياء و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السمع على المسموع ، و البصر على المبصر ، و القدرة على المقدور ، قال : قلت : فلم يزل اللَّه متكلما ؟ قال : إنّ الكلام صفة محدثة ، و ليست بأزليّة ، كان اللَّه و لا يتكلّم ، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب ممّا يقف عليها المتتبع المجدّ . بيان قال الفاضل المازندراني في شرح الكافي في شرح الحديث الأخير : قوله عليه السلام وقع العلم منه على المعلوم اه ، يعني وقع العلم على ما كان معلوما في الأزل ، و انطبق عليه ، لا على أمر يغايره و لو في الجملة ، و المقصود أن علمه قبل الايجاد ، هو بعينه علمه بعد الايجاد ، و المعلوم قبله هو المعلوم بعينه بعده ، من غير تفاوت و تغيّر في العلم أصلا ، و ليس هناك تفاوت إلاّ تحقّق المعلوم في وقت و عدم تحققه قبله ، و ليس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلّقه به تعلقا لم يكن قبل الايجاد ، لأنّ علمه متعلّق به قبل الايجاد و بعده ، و هذا الذي ذكره عليه السلام هو المذهب الصحيح الذي ذهب إليه الفرقة النّاجية الاماميّة و أكثر المخالفين . قال قطب المحققين في درّة التّاج : ذهب جمهور مشايخ أهل السّنة و المعتزلة إلى أن العلم بأنّ الشي‏ء سيوجد نفس العلم بذلك الشّي‏ء إذا وجد ، لأنّ من علم [ 362 ] علما قطعيّا بأن زيدا يدخل البلد غدا عند طلوع الشّمس مثلا ، يعلم بذلك العلم بعينه عند طلوع الشمس أنه دخل البلد ، و لو احتاج أحدنا إلى تعلّق علم آخر به فانّما احتاج إليه بطريان الغفلة عن العلم الأول و الغفلة على البارى ممتنعة انتهى كلام الفاضل المذكور طاب ثراه . و أوضح منه ما ذكره المحدث العلاّمة المجلسي قده في مرءآة العقول عند شرح الفقرة المذكورة حيث قال : قوله : وقع العلم منه على المعلوم ، أى وقع على ما كان معلوما في الأزل و انطبق عليه و تحقّق مصداقه ، و ليس المقصود تعلّقه به تعلقا لم يكن قبل الايجاد ، إذ المراد بوقوع العلم على المعلوم : العلم به على أنّه حاضر موجود كان قد تعلّق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة و أنّه سيوجد ، و التّغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم . و تحقيق المقام أنّ علمه تعالى بأنّ شيئا وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنّه سيوجد ، فان العلم بالقضية إنّما يتغير بتغيرها ، و هو بتغير موضوعها أو محمولها و المعلوم هيهنا هي القضيّة القائلة بأن زيدا موجود في الوقت الفلاني ، و لا يخفى أنّ زيدا لا يتغيّر معناه بحضوره و غيبته ، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصّة بالموجود حين وجوده ، و لا يمكن في غيره ، و تفاوت الاشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية ، و نفس تفاوت الاشارة راجع إلى تغيّر المعلوم لا العلم . الثانى أنّه قد تحقّق من الاخبار السّالفة علمه تعالى بجميع الاشياء كلياتها و جزئياتها و هذا ممّا اتّفق عليه جمهور العقلاء ، و أقام عليه المتكلمون و الحكماء البراهين السّاطعة ، و الادلة القاطعة ، كما أنّهم أقاموا الدّليل على علمه سبحانه بذاته ، و قد خالف في ذلك جماعة ممّن لا يعبأ بخلافهم ، و لا باس بالاشارة إلى بعض البراهين العقليّة التي أسّسوها في المقام ، اقتفاء بالاعلام ، و توضيحا لكلام الامام عليه السلام . فاقول : قال في التّجريد : و الاحكام ، و التّجرد ، و استناد كلّ شي‏ء إليه ، دلايل العلم و الاخير عام انتهى . توضيحه أنّ كونه سبحانه فاعلا للأشياء المحكمة ، و مجرّدا في ذاته عن [ 363 ] المادّة ، و كون جميع الاشياء مستندا إلى ذاته المقدّسة ، أدلة على كون الباري سبحانه عالما ، إلا أنّ الاوّل مفيد لعلمه بما سواه ، و الثّاني لعلمه بذاته ، و الثّالث لعلمه بذاته و بما سواه . أمّا الاوّل فتفصيله أنّه سبحانه فاعل فعلا محكما متقنا ، و كلّ من كان كذلك فهو عالم ، أمّا الكبرى فضروريّة ، و ينبّه عليه أنّ من رأى خطوطا مليحة ، و ألفاظا فصيحة ، مشتملة على نكات دقيقة ، و أسرار خفيّة ، علم علما قاطعا بأنّ موجدها عالم ، و أمّا الصّغرى فلما ثبت و تحقّق ، من أنّه خالق للأفلاك و العناصر و الأعراض و الجواهر و الأنهار و الأشجار و الأزهار و الأثمار و الحيوان و الانسان على أحسن نظام و أتقن انتظام ، بما لا يقدر على ضبطه الدّفاتر و الأقلام ، و تحيّر فيه العقول و الأفهام ، و كفى بذلك شهيدا صنعة الانسان ، حيث خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طينٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ ، ثُمَّ خَلَقَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقَ الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقَ الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأَهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقينَ . و أمّا الدّليل الثّاني فتحقيقه يستدعي رسم مقدمات الاولى أنّ واجب الوجود مجرّد غاية التجرّد إذ المراد بغاية التجرّد كون الشي‏ء قائما بذاته ، غير متعلّق الهوية و الوجود بمادّة أو موضوع ، و واجب الوجود كذلك 1 الثانية أنّ كلما هو قائم بذاته غير متعلّق الهوية بشي‏ء آخر ، فهو موجود لذاته ، حاضر عند ذاته غير غائبة و لا منفكة ذاته عن ذاته الثالثة أنّ العلم هو حضور المعلوم بعينه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته ، و انكشافه لديه و ثبوته بين يديه ، و هذا أيضا ظاهر و إذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لك أنّ واجب الوجود لكونه مجرّدا غاية التجرد ، و لكونه قائما بذاته ، و موجودا لذاته ، و حاضرا عند ذاته ، غير ----------- ( 1 ) اذ لو كان ماديا لكان منقسما الى الاجزاء مفتقرا اليها منه [ 364 ] غائب عن ذاته ، و منكشفا لذاته غير محجوب عنها ، فهو عالم لذاته بذاته ، لا بأمر آخر غير ذاته ، فذاته عقل و عاقل و معقول ، و الاختلاف اعتباريّ من جهة التّعبير و أمّا الدّليل الثّالث فتقريره أنّ وجود جميع الموجودات مستند إلى ذاته و هو ليس مستندا إلى شي‏ء من الأشياء ، فهو تعالى لكونه غير متعلق بشي‏ء من الأشياء ، موجود لذاته ، قائم بذاته ، و ذاته حاضرة عند ذاته ، و جميع الأشياء لكونه معلولة له تعالى موجودة له حاضرة عنده ، غير غائبة ، لوجوب كون العلّة موجودة مع المعلول ، فان حصول المعلول للعلّة أشد من حصول الصّورة لنا ، كما صرّح به المحقّق الطوسي في شرح الاشارات فقد تحقّق بما ذكرناه علمه بذاته و بما سواه . و لنعم ما قال المحقّق الشّيرازي في الأسفار : كيف يسوغ عند ذي فطرة عقلية أن يكون واهب كمال مّا و مفيضه قاصرا عن ذلك الكمال فيكون المستوهب أشرف من الواهب ، و المستفيد أكرم من المفيد ، و حيث ثبت استناد جميع الممكنات إلى ذاته تعالى التي هي وجوب صرف ، و فعليّة محضة ، و من جملة ما يستند إليه هى الذّوات العالمة ، و الصّور العلميّة ، و المفيض لكل شي‏ء أو في بكلّ كمال لئلا يقصر معطي الكمال عنه ، فكان الواجب عالما ، و علمه غير زايد على ذاته . الثالث في كيفيّة علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها و ايجادها و هذا المقام ممّا زلت فيه أقدام العلماء ، و تحيّرت فيه أفهام الحكماء ، و لنهاية غموضه و صعوبته اختلفوا فيه على أقوال شتّى ، و غاية اشكاله و دقّته تفرقوا فيه أيدى سبا و أيادي سبا . فمنهم من نفاه رأسا كالاشراقيين تبعا لمعلمهم أفلاطن على ما حكي 1 عنهم حيث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشياء مع الأشياء ، و أنّ إضافة علمه هي بعينها إضافة فاعليّته ، و أنّ معلوميّة الشّي‏ء ليس إلاّ حضور ذاته الموجودة عند العالم ، و قبل الوجود لا حضور ، فلا علم . ----------- ( 1 ) الحاكى الصدر الشيرازى فى شرح الكافى منه [ 365 ] و منهم من ذهب إلى إثباته و أنّ علمه بالأشياء متقدّم عليها ، و هم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطاليس ، قالوا : إنّ عالميّته بالأشياء بتقرّر صورها العقلية ، و ارتسام رسومها الادراكية في ذاته تعالى ، و اعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصّورة و إن كانت اعراضا قائمة بذاته : إلاّ أنّها ليست بصفاته ، و ذاته لا ينفعل عنها ، و لا يستكمل بها ، لأنّها بعد الذّات و هي من قبيل اللوازم المتأخّرة و الآثار ، لا من قبيل الصّفات و الاحوال ، و أيضا لا تخل كثرتها بوحدة الذّات ، لأنّها كثرة على ترتيب السّببيّة و المسبّبية ، و كترتيب الواحد و الاثنين و الثّلاثة و ما بعدها ، فلا تنثلم بها وحدة الذّات ، كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءا للأعداد الغير المتناهية إذ التّرتيب يجمع الكثرة في وحدة . توضيحه ما ذكره الصّدر الشّيرازي في شرح الهداية ، حيث قال : و اعلم أنّ المصنّف اختار في علم الواجب بالأشياء الكلية و الجزئية ، مذهب الحكماء القائلين بارتسام صور الموجودات في ذاته تعالى ، كالكسيمائيس الملطي و أرسطا طاليس ، و هو الظاهر من كلام الشّيخين أبي نصر و أبي علي و تلميذه بهمنيار ، و بالجملة جمهور أتباع المعلّم الأوّل من المشائين . و تقريره على ما يستفاد من كتبهم هو ، أنّ الصّورة العقليّة قد تؤخذ عن الصّورة الموجودة كما يستفاد من السّماء بالرّصد و الحس صورتها المعقولة ، و قد لا يستفاد الصّورة المعقولة من الموجود ، بل ربّما يكون الأمر بالعكس من ذلك ، كصورة بيت أبدعها البنّاء أوّلا في ذهنه ، ثم تصير تلك الصّورة العقولة علّة محرّكة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج ، فليست تلك الصّورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت . و لمّا كانت نسبة جميع الأشياء الممكنة إلى اللَّه تعالى نسبة المصنوع إلى النّفس الصّانعة لو كانت تامّة الفاعليّة ، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس افكار للعلوم التي نستنبطها ثم نوجدها في الخارج ، من حيث إنّ المعقول منها سبب للموجود [ 366 ] و الفرق بين الأمرين أنّنا لكوننا ناقصين في الفاعليّة ، نحتاج في أفاعيلنا الاختياريّة إلى انبعاث شوق ، و استخدام قوّة محرّكة ، و استعمال آلة تحريكيّة من العضلات و الرّباطات و غيرها ، ثم إلى انقياد مادة لقبول تلك الصّورة ، و الأول تعالى لكونه تامّ الفاعليّة لا يحتاج في فاعليّته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون ، فانه يعقل ذاته و ما يوجب ذاته ، و يعلم من ذاته كيفيّة الخيريّة في الكلّ فيتبع صور الموجودات الخارجة الصّور المعقولة عنده على نحو النّظام المعقول عنده و على حذائه ، فالعالم الكنائي بازاء العالم الرّبوبي ، و العالم الرّبوبي عظيم جدّا . و أيضا لو كان الباري يعقل الأشياء من الأشياء ، لكانت وجوداتها متقدّمة على عاقليته لها ، فلا يكون واجب الوجود ، و قد سبق أنّه واجب الوجود من جميع الوجوه ، و يكون في ذاته و قوامه أن يقبل ماهيات الأشياء ، و كان فيه عدمها باعتبار ذاته ، فيكون في ذاته جهة إمكانية ، و لكان لغيره مدخل في تتميم ذاته ، و هو محال ، فيجب أن يكون من ذاته ما هو الأكمل ، لا من غيره ، فقد بقى أن يكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها ، لا من وجودها ، هذا حاصل كلام المشّائين في علم اللَّه بما سواه انتهى كلامه . أقول : هذا القول لمّا كان فاسدا جدا شنع عليه المتأخرون و منهم المحقّق الطوسي في شرح الاشارات حيث قال في محكي كلامه : لا شك في أنّ القول بتقرير لوازم الأوّل في ذاته تعالى ، قول بكون الشّي‏ء الواحد فاعلا و قابلا ، و قول بكون الأوّل موصوفا بصفات غير إضافية و لا سببيّة ، و قول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا اه . و قيل في المقام أقوال اخر يرتقى إلى ستّة ، و لكنّها كلها غير خالية عن الفساد ، و النّقض و الايراد ، و من أراد الاطلاع عليها فليراجع إلى كتاب المبدء و المعاد ، و السّفر الالهي من الاسفار للصّدر الشيرازي ، و باضافة ما اختاره هناك إليها يرتقى الأقوال إلى سبعة هذا . [ 367 ] و الذي ينبغى أن يصار إليه هو أن يقال : لمّا ثبت كون الواجب عالما بذاته ، لزم كونه عالما بجميع الموجودات ، فانّ ذاته علة موجبة لجميع ما عداه ، و مبدء لفيضان كلّ إدراك حسيّا كان أو عقليّا ، و منشأ لكل ظهور ، ذهنيّا كان أو عينيّا ، إمّا بدون واسطة ، أو بواسطة هي منه ، و العلم التّام بالعلة الموجبة يستلزم العلم التّام بمعلولها ، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التّامة ، فيلزم من تعقلها بكنهه ، أو بالوجه الذي ينشأ منه المعلول : تعقله ، فلزم كونه عالما بجميع المعلومات ، و أما معرفة كنه هذا الحضور و العلم فلا سبيل لنا إليه كما لا سبيل لنا إلى إدراك ذاته . و لنعم ما قال المدقق السّابق في كتاب المبدء ، حيث قال : و أمّا كيفيّة علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الاتّحاد ، و لا كونه فاعلا و قابلا ، و لا كثرة في ذاته بوجه غير ذلك ، تعالى عنه علوّا كبيرا ، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكميّة ، قل من يهتدي إليه سبيلا ، و لم يزل قدمه فيها ، حتّى الشّيخ الرّئيس 1 أبي علي بن سينا ، مع براعته و ذكائه الذي لم يعدل به ذكاء ، و الشّيخ الالهي صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه و كثرة ارتياضه بالحكمة ، و مرتبة كشفه ، و غيرهما من الفايقين في العلم ، و إذا كان هذا حال أمثالهم فكيف من دونهم من اسراء عالم الحواس ، مع غشّ الطبيعة و مخالطتها . و لعمرى إن إصابة مثل هذا الأمر الجليل على الوجه الذي يوافق الاصول الحكميّة ، و يطابق القواعد الدّينيّة ، متبرّءا عن المناقشات ، و منزّها عن المؤاخذات ، في أعلى طبقات القوى الفكريّة البشريّة ، و هو بالحقيقة تمام الحكمة الحقّة الالهية انتهى . أقول : و لصعوبة ذلك لم يأتوا عليهم السلام في الجواب عن هذه المسألة في الأحاديث السّالفة و غيرها مع كثرتها ، إلاّ بكلام مجمل من غير تفصيل ، لما رأوا قصور الأفهام و المدارك عن دركها 2 تفصيلا ، فسبحان من عجز عن إدراك ذاته الأفهام ----------- ( 1 ) حيث ذهب الى الصور المرتسمة منه ----------- ( 2 ) اى درك كيفية العلم منه [ 368 ] و تحيّر في بلوغ صفاته عقول الأنام . الترجمة ايجاد كرد مخلوقات را ايجاد كردنى ، بدون مادّة يا بدون سبق مثال از غير او يا از خود او ، و بيافريد آنها را آفريدنى نه بجهت علت و غرضى از قبيل استيناس و رفع استيحاش ، در حالتى كه آن آفريدن بى فكرى بود كه جولان داده باشد آن را ، يا مصروف بدارد آن فكر را به مخلوقات ، و بدون تجربه كه فايده گرفته باشد از آن ، و بدون حركت ذهنيّة و بدنيّة كه احداث نموده باشد آن را ، و بى تردّد نفسى كه مضطرب بوده باشد در آن ، گردانيد اشياء را از براى وقت هاى آنها ، و اصلاح كرد در ميان مختلفات آنها ، و مطبوع نمود طبايع أشياء را در اشياء ، و لازم غير منفك گردانيد آن طبايعرا به اشخاص خود ، عالم بود به اشياء پيش از آفريدن آنها ، و احاطه كننده بود به اطراف آن‏ها و نهايات آن‏ها ، و دانا بود بنفوس آنها و جوانب آنها . الفصل الثامن ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، و شقّ الأرجاء ، و سكائك الهواء ، فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ، متراكما زخّاره ، حمله على متن الرّيح العاصفة ، و الزّعزع القاصفة ، فأمرها بردّه ، و سلّطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه ، الهواء من تحتها فتيق ، و الماء من فوقها دقيق ، ثمّ أنشأ سبحانه ريحا أعقم مهمّا ، و أدام مربّها ، و أعصف مجريها ، و أبعد منشأها ، أمرها بتصفيق السماء الزّخار ، و إثارة موج البحار ، فمخضته مخض السّقاء ، و عصفت به عصفها بالفضاء ، تردّ أوّله على آخره ، و ساجيه على ماثره ، حتّى عبّ عبابه ، و رمى بالزّيد ركامه ، [ 369 ] فرفعه في هواء منفتق ، و جوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات ، جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ، و علياهنّ سقفا محفوظا ، و سمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، و لا دسار ينتظمها ، ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، و ضياء الثّواقب ، و أجرى فيها سراجا مستطيرا ، و قمرا منيرا ، في فلك دائر ، و سقف سائر ، و رقيم مآئر . اللغة ( الفتق ) الشّق و الفصل ( و الاجواء ) جمع جوّ و هو ما بين السّماء و الأرض ، و قيل الفضاء الواسع ( و الارجاء ) جمع رجا بالقصر و هي النّاحية ( و السكائك ) جمع سكاكة مثل ذوابة و ذوائب ، و هي الهواء الملاقي عنان السّماء كالسّكاك تقول : لا أفعل ذلك و لو نزوت في السّكاكة ، قيل : و في لسان الحكمة عبارة عن الطبقة السّابعة من الهواء ، و ربّما فسّرت بالهواء المطلق ، و يحتاج حينئذ إلى التّأويل لئلاّ يلزم إضافة الشّي‏ء إلى نفسه . و اصل ( اللّطم ) الضّرب على الوجه بباطن الرّاحة ، و تلاطم الأمواج : ضرب بعضها بعضا كأنّه يلطمه ( و التيّار ) الموج و قيل : شدّة الجريان ، و هو فيعال ، أصله تيوار ، فاجتمعت الواو و الياء فادغم بعد القلب ، و بعضهم جعله من تير ، فهو فعال ، و الرّمل ( المتراكم ) الذي بعضه فوق بعض ( و الزّخار ) مبالغة في الزاخر يوصف به البحر يقال : بحر زاخر أى طام ممتلى ( و المتن ) الظهر ( و العاصفة ) الشّديدة الهبوب و ريح ( زعزع ) و زعزعان و زعزاع إذا كانت تزعزع الاشياء و تحرّكها بشدّة . ( و القاصفة ) من القصف ، يقال : قصف الرّعد و غيره قصيفا ، إذا اشتدّ صوته ( و سلّطته ) على الشّي‏ء تسليطا مكّنته ، فتسلط أى تحكم و تمكن ( و الدّفيق ) [ 370 ] المندفق ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقيما ، و الرّيح العقيم خلاف اللاّقح و هي التي لا تثير سحابا ، و لا تلقح شجرا ( و المهبّ ) مصدر بمعنى الهبوب ، او اسم مكان و ( أدام مربّها ) أى جعل ملازمتها دائمة ، و هو من الأرباب يقال : أربّ بالمكان إذا لزم و أقام به و ( أعصف مجريها ) أى جريانها ، أو اسند إلى المحلّ توسّعا . ( و التّصفيق ) من صفقه إذا قلبه أو بمعنى الضّرب الذي له صوت ، أو من صفق الشّراب إذا حوله ممزوجا من إناء إلى آخر ليصفوو ( الاثارة ) من الثوران و هو الهيجان و ( المخض ) التّحريك ، يقال : مخضت اللّبن إذا حركته لاستخراج ما فيه من الزّبد و ( السّقاء ) مثل كساء ما يوضع فيه الماء و اللّبن و نحوهما من جلد الغنم و نحوه ليخرج زبده ، و هو قريب من القربة و البحر ( السّاجي ) السّاكن . و ( مار ) الشّي‏ء مورا من باب قال ، تحرّك بسرعة و ( المآثر ) المتحرّك و ( عب ) الماء ارتفع و ( عباب ) كغراب معظم الماء و كثرته و طغيانه ( و الرّكام ) بالضمّ المتراكم و ( الجوّ المنفهق ) المفتوح الواسع و ( المكفوف ) الممنوع من السّقوط و السّيلان و ( سقف ) البيت عرشه و ( السّمك ) البناء ، قال سبحانه : رفع سمكها ، أى بنائها . و ( العمد ) بفتحتين جمع عماد و هو ما يسند به ( و دعم ) الشّي‏ء دعما من باب علم إذا مال فأقامه ، و منه الدّعامة بالكسر ، و ما يستند به الحايط إذا مال يمنعه من السّقوط و ( الدسار ) ككتاب المسمار و الحبل الذي يشدّ به الأخشاب و يرتّب و ( الثواقب ) جمع الثاقب ، قال سبحانه : النّجم الثاقب ، و سيأتي تفسيرها و اختلاف الأقوال فيها . و ( المستطير ) المنتشر يقال : استطار الفجر إذا انتشر ضوئه و ( قمرا منيرا ) من أنار الشّي‏ء إذا أضاء ، و قيل : إن النّور أقوى من الضياء ، لقوله سبحانه : [ 371 ] أَللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و ربّما يفرق بأن النّور الذاتي يسمّى ضياء ، و ما بالعرض يسمّى نورا اخذا من قوله سبحانه : هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً ( و الرّقيم المائر ) هو اللوح المتحرك ، كنى به عن الفلك لأنّه مسطّح كاللوح ، و في المجمع : و الرّقيم من أسماء الفلك ، سمّي به لرقمه بالكواكب ، كالثّوب المنقوش . الاعراب الأصل في كلمة ثمّ العاطفة أن تكون مفيدة للتّشريك و التّرتيب و المهلة ، و لا يمكن كون ثم في قوله عليه السلام : ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، على وفق ذلك الأصل ، من حيث استلزامها حينئذ خلق الفضاء و السّماوات بعد خلق كلّ شي‏ء مع التّراخي ، كما هو ظاهر ، فلا بدّ إمّا من جعلها بمعنى الواو ، على حدّ قوله سبحانه : وَ إِنّي لَغَفارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ أو من المصير إلى ما ذهب إليه الفرّاء و بعض النّحويين ، من تخلّف المهلة و التّرتيب عنها أحيانا ، مستدلاّ بقول العرف : أعجبني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت امس أعجب ، حيث إنّه لا تراخي بين المعطوف و المعطوف عليه ، كما لا ترتيب بينهما ، و بقوله تعالى : هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها و قوله سبحانه : وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً حيث لا ترتيب في الاية الاولى ، و لا تراخي في الثّانية . [ 372 ] و أجاب الشّارح المعتزلي بأن قوله : ثم هو تعقيب و تراخ ، لا في مخلوقات الباري سبحانه بل في كلامه عليه السلام ، كأنّه يقول : ثم أقول الان بعد قولي المتقدّم : إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى . و أنت خبير بما فيه ، ضرورة أنّه لا تراخي بين الاخبارين ، و الأولى أن يعتذر بذلك عن اشكال افادتها التّرتيب بأن يقول : إنّ ثم في كلامه لترتيب الاخبار ، لا لترتيب الحكم ، كما اعتذر به جماعة عن الاية الاولى ، و استدلوا عليه بالمثال السّابق ، و قالوا : إنّ معناه ثم اخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب . و إضافة الفتق و الشّق و السّكائك إلى تالياتها ، من قبيل الاضافة بمعنى اللاّم ، و يحتمل كون إضافة الأوّلين من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أى الأجواء الفاتقه بين السّماء و الارض ، و الأرجاء الفاصلة بينهما ، و هو الأقرب معنى ، لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبيّة ، كما هو ظاهر . و قوله عليه السلام : متلاطما و متراكما ، صفتان لماء ، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استينافيّة بيانية ، و إلى ، في قوله : قرنها الى حدّه ، بمعنى اللاّم كما في قولهم و الأمر إليك . و قوله عليه السلام : في فلك دائر ، بدل من قوله عليه السلام : فيها ، أو حال عن المنصوبين أو ظرف لغو متعلق بقوله منيرا . المعنى لما أشار عليه السلام إلى كيفيّة ايجاده سبحانه الخلق في الفصل السّابق إجمالا ، أشار إلى كيفيّة الخلقة تفصيلا ، فقال عليه السلام : ( ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، و شق الارجاء ، و سكائك الهواء ) هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد ، و جمع الاجواء و الارجاء و السّكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء ، و قيل : إنّ المراد بالاجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض ، و بالأرجاء : الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذي أدنى من الأوّل ، و بالسّكائك الفضاء المرتفع عن الأرض ، و كيف كان ففيها دلالة على كون الفضاء مخلوقا ، و أمرا [ 373 ] موجودا ، لأنّ المخلوق لا يكون عدما محضا . قال الشّارح المعتزلي : و ذلك ليس ببعيد ، فقد ذهب إليه قوم من أهل النّظر ، و جعلوه جسما لطيفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام ، و منهم من جعله مجردا هذا . و قال العلاّمة المجلسي في البحار : المراد بفتق الأجواء ايجاد الأجسام في الأمكنة الخالية ، بناء على وجود المكان بمعنى البعد ، و جواز الخلاء ، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم ، أو أحد العناصر ، بناء على تقدّم خلق الهواء ، و قوله عليه السلام : و شقّ الأرجاء كالتّفسير لفتق الأجواء ، أو المراد بالأرجاء الافضية و الأمكنة ، و بالأجواء عنصر الهواء ، و قوله عليه السلام : و سكائك الهواء بالنّصب كما في كثير من النّسخ ، معطوف على فتق الأجواء ، أى أنشأ سبحانه سكائك الهواء ، و الجرّ كما في بعض النّسخ أظهر ، عطفا على الأجواء ، أى أنشأ فتق سكائك الهواء ، انتهى كلامه رفع مقامه . و في شرح ابن ميثم فان قلت : إنّ الأجواء و الأرجاء و السكائك امور عدميّة ، فكيف يصحّ نسبتها إلى الانشاء عن القدرة ؟ قلت إن هذه الأشياء عبارة عن الخلاء و الأحياز ، و الخلاف في أنّ الخلاء و الحيّز و المكان هل هي امور وجوديّة أو عدميّة مشهور ، فان كانت وجوديّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ، و يكون معنى فتقها و شقّها شق العدم عنها ، و إن كانت عدميّة كان معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدرة : تقديرها ، و جعلها أحيازا للماء ، و مقرّا ، لأنّه لما كان تمييزها عن مطلق الهواء و الخلاء بايجاد اللَّه فيها الماء ، صار تعيّنها بسبب قدرته ، فتصحّ نسبتها إلى إنشائه ، فكانه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فيها و هذا قريب ممّا ذكره المجلسي أوّلا . و الحاصل أنّه سبحانه أنشأ أحيازا و أمكنة خالية ( فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ) أى موجه و لجّته ( متراكما زخاره ) أى طمومه و امتلائه ، و لمّا خلق سبحانه الماء ( حمله على متن الرّيح العاصفة ) الشديدة العصف و الهبوب ( و الزّعزع [ 374 ] القاصفة ) الشّديدة الصّوت ، فاستقلّ الماء عليها و ثبت ، و صارت مكانا له ، و المراد بهذه الرّيح إمّا المتحرّك من الهواء الذى ذكره عليه السلام أوّلا على ما هو المشهور ، أو غيره : كما يستفاد من رواية الاحتجاج ، عن هشام بن الحكم ، عن الصّادق عليه السلام في جواب الزّنديق ، قال عليه السلام : و الرّيح على الهواء ، و الهواء تمسكه القدرة ، و على هذا فيمكن أن تكون الرّيح مقدّمة في الخلقة على الهواء ، أو متأخّرة عنه ، أو مقارنة له . ثم لمّا كان الماء المحمول على الرّيح جاريا في الهواء على مقتضى طبعه ( أمرها ) سبحانه ( بردّه ، و سلطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه ) أى أمر الرّيح أن تحفظ الماء و تردّه ، بالمنع عن الجرى الذي سبقت الاشارة إليه في قوله عليه السلام : فأجرى فيها ماء اه ، فكان قبل الرد قد خلى و طبعه ، ثم أمر الرّيح بردّه ، و قوّاها على ضبطه ، كالشّي‏ء المشدود ، و جعلها مقرونة لحدّة ، أى محيطة بنهايته ، و عن الكيدري ، قوله فأمرها ، مجاز ، لأن الحكيم لا يأمر الجماد . و في البحار و لعلّ المراد بالأمر هنا ، الأمر التكويني ، كما في قوله : كن فيكون ، و قوله كونوا قردة . ثم أشار عليه السلام إلى كمال قدرته سبحانه بقوله : ( الهواء من تحتها فتيق ) أى مفتوح منبسط من تحت الرّيح الحاملة للماء ( و الماء من فوقها دفيق ) أى مصبوب مندفق . قال المجلسي : و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّيح الحاملة له ، كما ضبط الرّيح بالهواء المنبسط ، و هو موضع العجب ( ثم أنشأ سبحانه ) فوق ذلك الماء ( ريحا ) اخرى ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقيما ، و في كثير من النّسخ اعتقم مهبها ، بالتاء ، فاللاّزم حينئذ رفع مهبها ، للزوم الفعل فالمعنى حينئذ صار مهبها عقيما لا يلقح ، من العقيم الذي لا يولد له ولد ، أو صار مهبّها [ 375 ] ضيّقا ، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر ، فاذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء ، فان كان عذبا حفرت بقيتها ، فاستعير هنا من حيث ضيق المهب كما يحتفر البئر الصّغير . و أما ما قيل 1 من أنّ معنى اعتقم مهبّها : جعل مهبّها عقيما ، ففاسد ، لأنّه إنّما يصحّ لو كان اعتقم متعديا ( و أدام مربّها ) أى ملازمتها لتحريك الماء ، و عن بعض النّسخ مدبها بالدّال ، أى حركتها . ( و أعصف مجريها ) أى جريانها أو اسند إلى المحلّ مجازا ، من قبيل سال الميزاب ( و أبعد منشأها ) أى جعل مبدئها بعيدا لا يعرف ، ثم سلّطها على ذلك الماء . ( فامرها بتصفيق الماء الزّخار ) أى تحويله و قلبه و ضرب بعضه ببعض بشدّة ( و إثارة موج البحار ) و تهييجه ( فمخضتة ) مثل ( مخض السّقاء ) الذي يمخض فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزّبد و التّشبيه للاشارة إلى شدّة التّحريك ( و عصفت به ) أى بهذا الماء العظيم مثل ( عصفها بالفضاء ) أى عصفا شديدا ، لأنّ العصف بالفضاء يكون أشدّ من حيث عدم المانع ( تردّ أوّله على آخره و ساجيه على ماثره ) أى ساكنه على متحركه ( حتّى عب عبابه ) أى ارتفع معظمه ( و رمى بالزّبد ركامه ) أى متراكمه و ما اجتمع منه بعضه فوق بعض . ( فرفعه في هواء منفتق ) أى رفع اللَّه ذلك الزّبد في هواء مفتوق مفتوح ( و جوّ منفهق ) أى متّسع و منفتح ( فسوّى منه سبع سموات ) أى خلقهنّ من الزّبد ، و عدلهن مصونة من العوج و التّهافت ، و السّبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الارصاد ، إذ الثّامن و التّاسع مسميان في لسان الشّرع بالعرش و الكرسي ، و سيأتي تحقيق الكلام فيها ( جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ) أى موجا ممنوعا من السّيلان إمّا بامساكه بقدرته أو بأن خلق حوله و تحته جسما جامدا يمنعه عن السّيلان و الانتشار ، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيّالة . ----------- ( 1 ) الشارح المعتزلى منه [ 376 ] و كون السماء السّفلى موجا إما بعنوان الحقيقة ، حسبما اختاره قوم ، مستدلا بمشاهدة حركة الكواكب المتحيّرة ، و كونها مر تعدة مضطربة في مرئى العين . قالوا في محكي كلامهم في شرح المعتزلي إنّ المتحيّرة متحرّكة في أفلاكها و نحن نشاهدها بالحسّ البصرى و بيننا و بينها أجرام الأفلاك الشّفافة ، و نشاهدها مر تعدة حسب ارتعاد الجسم السّاير في الماء ، و ما ذاك لنا إلاّ لأنّ سماء الدّنيا ماء متموّج ، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسّا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى . ثم قالوا فأمّا الكواكب الثّابتة فانّما لم نشاهدها كذلك ، لأنّها ليست بمتحرّكة ، و القمر و إن كان في الدّنيا ، إلاّ أنّ فلك تدويره من جنس الأجرام الفوقانيّة ، و ليس بماء متموّج كالفلك الممثّل التّحتاني ، و كذلك القول في الشّمس . أقول : و ما ذكروه في الشّمس و القمر غير خال عن الاشكال و الفساد ، كما هو واضح فافهم . و إما بعنوان التّشبيه و هو الأظهر ، قال الكيدرى : شبّه السّماء الدنيا بالموج لصفائها و ارتفاعها ، أو اراد أنها كانت في الأوّل موجا ثم عقدها ، و قال الشّارح البحراني و استعار لفظ الموج للسّماء ، لما بينهما من المشابهة في العلوّ و الارتفاع ، و ما يتوهّم من اللّون ، و يأتي فيه وجه آخر من العلامة المجلسي طاب ثراه ( و علياهنّ سقفا محفوظا ) عن النقض و الهدم و السّقوط و الخرق إلاّ بأمره . قال البحراني : أى من الشّياطين ، ثم نقل عن ابن عبّاس كيفيّة حجب الشّياطين عن السّماوات ، و أنّهم كانوا يدخلونها ، و يتخبرون أخبارها إلى زمن عيسى عليه السلام ، فلمّا ولد منعوا من ثلاث سماوات ، فلمّا ولد محمد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم منعوا من جميعها ، إلى آخر ما روى . و قال المحدث العلاّمة المجلسي طاب ثراه بعد أن حكى عن أكثر الشّارحين [ 377 ] كون الحفظ بالنّسبة إلى الشّياطين ما لفظه : و هو لا يناسب العليا ، بل السّفلى ، فيناسب أن يكون المراد بقوله تعالى : و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العليا انتهى أقول : و أنت خبير بما فيه ، لأن محفوظيّة السّفلى إنّما هو بعد ولادة النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كما دل عليه رواية ابن عبّاس و تظافرت به أخبار أهل البيت عليهم السّلام ، و أمّا السّماء العليا فلما لم يختص محفوظيّتها بوقت دون وقت ، بل كانت الشّياطين ممنوعين منها قبل ولادته صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أيضا حسبما يستفاد من الأخبار ، فهي أولى و أنسب بأن تتّصف بالحفظ . و بما ذكرنا ظهر ما في كلام البحراني السّابق أيضا ، حيث إنّ سوق كلامه يفيد أن ذكره لرواية ابن عبّاس للاستشهاد به على مدّعاه من كون الحفظ في كلامه عليه السلام بالنّسبة إلى الشّياطين ، مع أنّها غير وافية به ، إذ حاصل الرّواية أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولادة ، و هذا مما لا نفع فيه ، و إنما المثمر إقامة الدّليل على تخصيصه عليه السلام العليا بخصوصها بالحفظ كما عرفت ، فافهم جيّدا هذا . و قال المجلسي : يخطر بالبال وجه آخر و هو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السّفلى من كلّ من السّماوات موّاجة متحرّكة واقعا أو في النّظر ، و الجهة العليا منها سقفا محفوظا تستقرّ عليه الملائكة ، و لا يمكن الشّياطين ، خرقها ، فيكون ضمير زينها و ساير الضّماير راجعة إلى المجموع ، فيناسب الاية المتقدّمة و قوله سبحانه : و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ و قد يمرّ بالخاطر وجه آخر ، و هو أنّه عليه السلام شبّه السّماء الدّنيا بالموج المكفوف ، لكون الحركة الخاصّة للقمر أسرع من جميع الكواكب ، فكأنّه دائما في الموج ، و مع ذلك لا تسقط ، و وصف العليا بالمحفوظيّة ، لأنّه أبطأها بالحركة [ 378 ] الخاصّة ، فكانّها محفوظة ثابتة ، و على الطريقة السّابقة يمكن أن يكون المراد بالسّفلى من كلّ منها خوارج مراكزها و تداويرها ، و بالعليا منها ممثلاتها ، فالاول موّاجة لسرعة حركتها ، و الثّواني محفوظة لبطوءها ، لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان أهل الشّرع و مقاصد أهله انتهى كلامه رفع مقامه . ( و سمكا مرفوعا ) أى سقفا أو بناء مرفوعا و يجي‏ء بمعنى الرفع قال الشّاعر : إنّ الذى سمك السماء بنى لنا أى رفعه ، و هو غير مناسب للمقام ، و الأنسب ما قلناه ، و هو أحد معانيه كما في القاموس و غيره ، و الضّميران المنصوبان في قوله عليه السلام : ( بغير عمد يدعمها ، و لا دسار ينتظمها ) راجعان إلى العليا بملاحظة القرب ، أو الى السّفلى بقرينة الضّمير الاتي في قوله : ثم زيّنها ، الرّاجع إليها لما سيأتي ، أو إلى السّماوات ، و هو الأظهر ليكون أوفق بقوله سبحانه : أَللَّهُ الَّذي رَفعَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و اختلف المفسّرون في أنّه هل هناك عمد غير مرئي أولا عمد أصلا ، فعن ابن عبّاس و الحسن و قتادة و الجبائي و أبي مسلم الثّاني ، و أن المراد رفعها بغير عمد و أنتم ترونها كذلك ، قال ابن عبّاس : يعنى ليس من دونها دعامة يدعمها ، و لا فوقها علاقة تمسكها ، قال الطبرسي و هو الأصحّ ، و عن مجاهد و عزي إلى ابن عبّاس أيضا الأوّل : و أن ترونها من نعت العمد بغير عمد مرئية . أقول : و يشهد به ما عن القمّي و العياشي عن الرضا عليه السلام ، قال فثم عمد و لكن لا ترونها . قال الفخر الرّازي : إنّ العماد ما يعتمد عليه ، و قد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقيت واقفة في الجوّ العالى بقدرة اللَّه فحينئذ يكون عمدها هو قدرة اللَّه ، فصحّ أن يقال : رفع السّماوات بغير عمد ترونها ، أى لها عمد في الحقيقة إلاّ أن تلك العمد هي إمساك اللَّه و حفظه و تدبيره ، و إبقائه إيّاها في الجوّ العالي و أنتم لا ترون [ 379 ] ذلك التّدبير ، و لا تعرفون كيفيّة ذلك الامساك انتهى ( ثم زيّنها بزينة الكواكب ) أى السّماء السّفلى ليكون أوفق بقوله سبحانه : إنّا زيَّنا السَّماءَ الدُّنْيا بِزينَةٍ الْكَواكِبِ و يحتمل رجوعه إلى السّماوات كما هو الأظهر ، و تزيين البعض تزيين الجميع . قال في الكشاف في تفسير الاية : الدّنيا القربى منكم ، و الزينة مصدر كالنّسبة أو اسم لما يزان به الشّي‏ء كالليقة لما تلاق به الدّواة ، و يحتملهما قوله : بزينة الكواكب ، فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل ، أى بان زانتها الكواكب 1 و أصله بزينة الكواكب ، أو على إضافته إلى المفعول ، أى بأن زان اللَّه الكواكب و حسّنها ، لانّها إنّما زيّنت السّماء بحسنها في أنفسها ، و أصله بزينة الكواكب و إن أردت الاسم فللاضافة وجهان أن تقع الكواكب بيانا للزينة 2 ، لأنّ الزينة مبهمة في الكواكب و غيرها ممّا يزان به ، و أن يراد به ما زينت به الكواكب انتهى و كون الكواكب زينة إمّا لضوئها كما عن ابن عبّاس ، أو للأشكال المختلفة الحاصلة كالشكل الثّريا و بنات النّعش و الجوزاء و غير ذلك ، أو لاختلاف أوضاعها بحركتها ، أو لرؤية النّاس إيّاها مضيئة في الليلة الظلماء ، و يوضحه قوله تعالى : بمصابيح ، في الموضع الاخر ، و إمّا محال الكواكب فستطلع عليه إن شاء اللَّه ( و ضياء الثّواقب ) المراد بها إمّا الكواكب فيكون كالتّفسير لزينة الكواكب و الكواكب ثواقب أى مضيئة كأنّها تثقب الظلمة بضوئها ، أو الشّهب التي ترمى بها الشّياطين ، قال سبحانه : النّجم الثّاقب . قيل : وصف بكونه ثاقبا لوجوه : أحدها أنّه يثقب الظلام بضوء ينفذ فيه . و ثانيها أنّه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشّي‏ء الذي يثقب الشّي‏ء . و ثالثها أنّه الذي يرمى به الشّيطان فيثقبه أى ينفذ فيه و يحرقه . ----------- ( 1 ) و تكون الكواكب مزينة منه ----------- ( 2 ) فيكون الاضافة بيانية منه [ 380 ] و رابعها قال الفرّاء : هو النجم المرتفع على النّجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : فقد ثقب . أقول : و هنا وجه خامس و هو أن وصفه به لكونه مضيئا كأنّه يثقب الأفلاك بضوئه . و يشهد به ما عن الخصال عن الصّادق عليه السلام ، أنّه قال لرجل من أهل اليمن : ما زحل عندكم في النّجوم ؟ فقال اليماني : نجم نحس ، فقال عليه السلام : لا تقولن هذا ، فانّه نجم أمير المؤمنين عليه السلام ، و هو نجم الأوصياء ، و هو النّجم الثّاقب الذي قال اللَّه في كتابه ، فقال له اليماني فما يعني بالثاقب ؟ قال عليه السلام : لأن مطلعه في السّماء السّابعة ، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء في السّماء الدّنيا ، فمن ثم سمّاه اللَّه النّجم الثّاقب . ( فأجرى ) و في بعض النّسخ ، و أجرى بالواو ( فيها سراجا مستطيرا ) أى منتشر الضوء ( و قمرا منيرا ) و المراد بالسّراج الشمس فانّها سراج لمحفل العالم ، قال سبحانه في سورة الفرقان : تَبارَكَ الَّذي جَعَلَ في السَّماءِ بُروُجاً ، و جَعَلَ فيها سِراجاً و قَمَراً مُنيراً و في سورة نوح أَ لَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمواتٍ طِباقاً ، و جَعَل الْقَمَرَ فيهِنَّ نُوراً ، و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و تشبيه الشّمس بالسّراج من حيث إنّها تزيل ظلمة اللّيل عن وجه الأرض كما يزيلها السّراج عمّا حوله . قيل : كان الميل عبارة عن ظل الأرض ، و كانت الشّمس سببا لزواله ، فكان شبيها بالسّراج في ارتفاع الظلمة به ، و الضمير في قوله : فيها ، راجع الى السماوات كما هو الأظهر ، أو إلى السّفلى كما عزّاه المجلسي طاب ثراه إلى الأكثر ، و يحتاج حينئذ إلى نوع تأويل بالنّسبة إلى جريان الشّمس بناء على كونها في [ 381 ] السّماء الرّابعة . ( في فلك دائر ) قال العلاّمة المجلسي ( قد ) : الظرف إمّا بدل عن فيها ، فيفيد حركة السّفلى أو العليا أو الجميع على تقادير ارجاع الضّمير بالحركة اليوميّة أو الخاصة أو الأعمّ ، و إمّا في موضع حال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدّائر : الأفلاك الجزئيّة ( و سقف سائر و رقيم مائر ) قال العلاّمة المجلسي : هاتان الفقرتان أيضا تدلاّن على حركة السّماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا هذا . و ينبغى تذييل المقام بامور مهمة الاول انّه لم يستفد من كلامه عليه السلام أن الصّادر الأوّل ما ذا ؟ و قد اختلف فيه كلام العلماء كالأخبار . فالحكماء يقولون : أوّل المخلوقات العقل الأوّل ، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثّانى و الفلك الأوّل و هكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر ، فهو خلق الفلك التّاسع و هيولى العناصر ، و جماعة منهم يقولون : بأنّ تلك العقول وسايط لايجاده تعالى ، و لا مؤثر في الوجود إلاّ اللَّه ، و كلّ ذلك مخالف للآيات و الأخبار . و أمّا غيرهم فقيل : أولها الماء ، و يدل عليه رواية الرّوضة الآتية عن أبي جعفر عليه السلام في جواب الشّامي ، و نقل عن تاليس الملطي و هو من مشاهير الحكماء أنّه بعد أن وحّد الصّانع الأوّل للعالم و نزهه قال : لكنّه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات و المعلومات كلها و سمّاه المبدع الأوّل ، ثم نقل عنه إنّ ذلك العنصر هو الماء ، قال : و منه أنواع الجواهر كلها من السّماء و الأرض و ما بينهما ، و هو علّة كلّ مبدع ، و علّة كلّ مركب من العنصر الجسماني ، فذكر أنّ من جمود الماء تكوّنت الأرض ، و من انحلاله تكوّن الهواء ، و من صفوته تكوّنت النّار ، و من الدّخان و الأبخرة تكوّنت السّماء ، قال البحراني : و قيل إنّه اخذ ذلك من التّوراة ، انتهى . [ 382 ] و قيل : أوّل المخلوقات الهواء ، و روي عن عليّ بن ابراهيم في تفسيره ، قال المجلسي قده ، و الظاهر أنّه أخذه من خبر ، و لكنّه لا تكافؤ الأخبار الكثيرة المسندة ، و مع صحّته يمكن الجمع بحمل أوّليّة الماء على التّقدم الاضافي بالنّسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق ، فاذا الهواء ليس منها ، و لذا أنكر وجوده جماعة . و قيل : أول المخلوقات النّار و في بعض الأخبار انّ أوّل ما خلق اللَّه النّور كما في العيون و العلل في خبر الشّامي عن الرّضا عليه السلام أنه سأل رجل من أهل الشّام أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل ، فكان فيما سأله ان سأله عن أوّل ما خلق اللَّه قال عليه السلام : خلق النّور ، الحديث . و في بعضها نور النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، و في بعضها نوره مع أنوار الائمة عليهم السلام كما في رواية جابر ، قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم : أوّل ما خلق اللَّه نوري ، ففتق منه نور علي عليه السلام ثم خلق العرش و اللوح و الشّمس و ضوء النّهار و نور الأبصار و العقل و المعرفة الخبر . و في بعض الأخبار العاميّة أوّل ما خلق اللَّه روحي ، و في بعضها أيضا أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و في بعضها أوّل ما خلق اللَّه القلم . أقول : و يمكن الجمع بينها ، بأن تكون أوّلية الماء بالنّسبة إلى العناصر و الأفلاك ، و أوّلية القلم بالنّسبة إلى جنسه من الملائكة ، و باوّليّة نور النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و روحه الأوليّة الحقيقيّة ، بل يمكن أن يقال : إنّ المراد بالعقل و النّور و القلم في تلك الأخبار هو نوره سلام اللَّه عليه . قال بعض العارفين 1 في شرح الحديث الأوّل من اصول الكافي و هو ما رواه عن أبي جعفر عليه السلام : قال : لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثم قال له : أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر الحديث ما لفظه . 2 ----------- ( 1 ) الصدر الشيرازى منه ----------- ( 2 ) مقول قال منه [ 383 ] اعلموا أيّها الاخوان السّالكون إلى اللَّه بقدم العرفان ، أن هذا العقل أول المخلوقات و أقرب المجعولات إلى الحقّ الأوّل و أعظمها ، و أتمّها و ثاني الموجودات في الموجوديّة ، و إن كان الأوّل تعالى لا ثاني له في حقيقته ، لأن وحدته ليست عدديّة من جنس الوحدات ، و هو المراد فيما ورد في الأحاديث عنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم من قوله في رواية : أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و في رواية أوّل ما خلق اللَّه نوري ، و في رواية أوّل ما خلق اللَّه روحي ، و في رواية أوّل ما خلق اللَّه القلم ، و في رواية أوّل ما خلق اللَّه ملك كروبيّ ، و هذه كلها أوصاف و نعوت لشي‏ء واحد باعتبارات مختلفة ، فبحسب كلّ صفة يسمى باسم آخر ، فقد كثرت الأسماء و المسمّى واحد ذاتا و وجودا ، إلى أن قال : و هذا الموجود حقيقته حقيقة الرّوح الأعظم المشار إليه بقوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبي و قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و إنّما سمّي بالقلم لأنّه واسطة الحقّ في تصوير العلوم و الحقائق على الألواح النّفسانية القضائية و القدريّة ، و لكونه وجودا خالصا عن ظلمة التّجسم و التحجّب ، و عن ظلمات النّقايص و الاعدام يسمّى نورا ، إذ النّور هو الوجود ، و الظلمة هي العدم ، و هو ظاهر لذاته مظهر لغيره . و لكونه أصل حياة النّفوس العلوية و السّفليّة يسمّى روحا و هو الحقيقة المحمدية عند أعاظم الصّوفيّة و محقّقيهم ، لكونه كمال وجوده الذي منه يبتدء و إليه يعود انتهى كلامه ملخصا . فقد تحقّق ممّا ذكره ، و ما ذكرناه أنّ الصّادر الأوّل هو نور النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و قد استفاض به الأخبار عن النّبي و أهل البيت عليهم السّلام . فمنها ما في البحار عن الكافي باسناده عن محمّد بن سنان ، قال كنت عند أبي جعفر الثّاني عليه السلام ، فاجريت اختلاف الشّيعة ، فقال يا محمّد إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم يزل متفرّدا بوحدانيّته ، ثم خلق محمّدا و عليا و فاطمة فمكثوا ألف دهر ، ثم خلق [ 384 ] جميع الأشياء و أشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم عليها و فوّض امورها إليهم ، فهم يحلّون ما يشآؤون ، و يحرّمون ما يشاؤون ، و لن يشاؤوا إلاّ أن يشاء اللَّه تبارك و تعالى ، ثمّ قال يا محمّد : هذه الدّيانة التي من تقدّمها مرق ، و من تخلّف عنها محق ، و من لزمها لحق ، خذها إليك يا محمّد . و منها ما في البحار أيضا عن مصباح الأنوار باسناده عن أنس عن النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ، قال : إنّ اللَّه خلقني و خلق عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم ، حين لاسماء مبنيّة و لا أرض مدحيّة و لا ظلمة و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا جنّة و لا نار ، فقال العبّاس : فكيف كان بدو خلقكم يا رسول اللَّه ؟ فقال يا عمّ : لمّا أراد اللَّه خلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نورا ، ثم تكلم بكلمة اخرى فخلق منها روحا ، ثم خلط النّور بالرّوح فخلقني و خلق عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين ، فكنّا نسبّحه حين لا تسبيح ، و نقدّسه حين لا تقديس . فلما أراد اللَّه أن ينشأ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش ، فالعرش من نوري ، و نوري من نور اللَّه ، و نوري أفضل من نور العرش . ثم فتق نور أخي عليّ فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علي ، و نور عليّ من نور اللَّه ، و علي أفضل من الملائكة . ثم فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السّماوات و الأرض ، فالسّماوات و الأرض من نور ابنتي فاطمة ، و نور ابنتي فاطمة من نور اللَّه ، و ابنتي فاطمة أفضل من السّماوات و الأرض . ثم فتق نور ولدي الحسن ، و خلق منه الشّمس و القمر ، فالشّمس و القمر من نور ولدي الحسن ، و نور الحسن من نور اللَّه ، و الحسن أفضل من الشّمس و القمر . ثم فتق نور ولدي الحسين ، فخلق منه الجنّة و الحور العين ، فالجنّة و الحور العين من نور ولدي الحسين ، و نور ولدي الحسين من نور اللَّه ، و ولدي الحسين [ 385 ] أفضل من الجنّة و الحور العين . و منها ما فيه أيضا عن أبي الحسن البكرى استاد الشّهيد الثّاني طاب ثراه في كتاب الأنوار عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : كان اللَّه و لا شي‏ء معه ، فأوّل ما خلق اللَّه نور حبيبه محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قبل خلق الماء و العرش و الكرسي و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنّة و النّار و الملائكة و آدم و حوّاء بأربعة و عشرين و أربعمأة ألف عام . فلمّا خلق اللَّه نور نبيّنا محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بقي ألف عام بين يدي اللَّه عزّ و جلّ واقفا يسبحه و يحمده و الحقّ تبارك و تعالى ينظر إليه و يقول : يا عبدي أنت المراد و المريد و أنت خيرتي من خلقي و عزّتي و جلالي لولاك ما خلقت الأفلاك ، من أحبك أحببته ، و من أبغضك أبغضته ، فتلأ لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق اللَّه منه اثنى عشر حجابا . اولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثم حجاب العزّة ثم حجاب الهيبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرّحمة ثم حجاب النّبوة ثم حجاب الكبرياء ( الكرامة خ ) ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرّفعة ثم حجاب السّعادة ثم حجاب الشّفاعة ، ثم إنّ الله أمر نور رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أن يدخل في حجاب القدرة ، فدخل و هو يقول : سبحان العليّ الأعلى ، و بقى ذلك اثنا عشر ألف عام . ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة ، فدخل و هو يقول : سبحان عالم السر و أخفى أحد عشر ألف عام . ثم دخل في حجاب العزّة و هو يقول : سبحان الملك المنّان عشرة آلاف عام . ثم دخل في حجاب الهيبة و هو يقول : سبحان من هو غني لا يفتقر تسعة آلاف عام . ثم دخل في حجاب الجبروت و هو يقول : سبحان الكريم الأكرم ثمانية آلاف عام . [ 386 ] ثم دخل في حجاب الرّحمة و هو يقول : سبحان ربّ العرش العظيم سبعة آلاف عام . ثم دخل في حجاب النّبوة و هو يقول : سبحان ربّك رب العزّة عمّا يصفون ستّة آلاف عام . ثم دخل في حجاب الكبرياء و هو يقول : سبحان العظيم الأعظم خمسة آلاف عام . ثم دخل في حجاب المنزلة و هو يقول : سبحان العليم الكريم أربعة آلاف عام . ثم دخل في حجاب الرّفعة و هو يقول : سبحان ذي الملك و الملكوت ثلاثة آلاف عام . ثم دخل في حجاب السّعادة و هو يقول : سبحان من يزيل الأشياء و لا يزال ألفي عام . ثم دخل في حجاب الشّفاعة و هو يقول : سبحان اللَّه و بحمده سبحان اللَّه العظيم ألف عام . قال الامام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ثم إنّ اللَّه خلق من نور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عشرين بحرا من نور ، في كلّ بحر علوم لا يعلمها إلاّ اللَّه ، ثم قال لنور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم : انزل في بحر العزّ ، ثم في بحر الخشوع ، ثم في بحر التواضع ، ثم في بحر الرّضا ، ثم في بحر الوفاء ، ثم في بحر الحلم ، ثم في بحر التّقى ، ثم في بحر الخشية ، ثم في بحر الانابة ، ثم في بحر العمل ، ثم في بحر المزيد ، ثم في بحر الهدى ، ثم في بحر الصّيام ، ثم في بحر الحياء ، حتّى تقلب في عشرين بحرا . فلمّا خرج من ذلك الأبحر قال اللَّه : يا حبيبي و يا سيّد رسلي و يا أول مخلوقاتي و يا آخر رسلي أنت الشّفيع يوم المحشر ، فخر النّور ساجدا ، فقطرت منه قطرات كان عددها مأة ألف و أربعة و عشرين ألف قطرة ، فخلق اللَّه من كلّ قطرة من نوره نبيّا من الأنبياء . فلمّا تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كما تطوف الحجاج [ 387 ] حول بيت اللَّه الحرام ، و هم يسبحون اللَّه و يحمدونه و يقولون : سبحان من هو عالم لا يجهل ، سبحان من هو حليم لا يعجل ، سبحان من هو غني لا يفتقر . فناداهم اللَّه تعرفون من أنا ؟ فسبق نور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قبل الأنوار ، و نادى أنت اللَّه الذي لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك ربّ الأرباب و ملك الملوك ، فاذا بالنّداء من قبل اللَّه الحق أنت صفيّي و أنت حبيبي و خير خلقي امّتك خير امة اخرجت للنّاس . ثم خلق من نور محمّد جوهرة و قسّمها قسمين ، فنظر إلى القسم الأوّل بعين الهيبة فصار ماء عذبا ، و نظر إلى القسم الثّاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء ، فخلق الكرسي من نور العرش ، و خلق من نور الكرسي اللّوح ، و خلق من نور اللّوح القلم ، و قال له اكتب توحيدي فبقى القلم ألف عام سكران من كلام اللَّه ، فلمّا أفاق قال : اكتب قال : يا رب و ما أكتب ؟ قال : اكتب لا إله الا اللَّه محمّد رسول اللَّه فلمّا سمع القلم اسم محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم خرسا جدا و قال : سبحان الواحد القهار سبحان العظيم الأعظم ، ثم رفع رأسه من السّجود و كتب لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ، ثم قال : يا ربّ و من محمّد الذي قرنت اسمه باسمك و ذكره بذكرك ؟ قال اللَّه تعالى : يا قلم فلولاه ما خلقتك و لا خلقت خلقي إلاّ لأجله فهو بشير و نذير و سراج منير و شفيع و حبيب ، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و قال القلم : السّلام عليك يا رسول اللَّه ، فقال اللَّه تعالى : و عليك السّلام منّي و رحمة اللَّه و بركاته ، فلأجل هذا صار السّلام سنّة و الرّد فريضة . ثم قال اللَّه تعالى : اكتب قضائي و قدري و ما أنا خالقه إلى يوم القيامة ، ثم خلق اللَّه ملائكة يصلّون على محمّد و آل محمّد و يستغفرون لامّته إلى يوم القيامة ، ثم خلق الله من نور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الجنّة و زيّنها بأربعة أشياء : التعظيم ، و الجلالة ، و السخاء ، و الامانة ، و جعلها لأوليائه و أهل طاعته . ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة ، فذابت فخلق من دخانها السّماوات ، [ 388 ] و من زبدها الأرضين ، فلمّا خلق اللَّه تعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسّفينة فخلق اللَّه الجبال فأرساها بها . ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوّة ، فدخل تحت الأرض ، ثم لم يكن لقدمي الملك قرار ، فخلق اللَّه تعالى صخرة عظيمة و جعلها تحت قدمي الملك ، ثم لم يكن للصّخرة قرار ، فخلق لها ثورا عظيما لم يقدر أحد أن ينظر إليه لعظم خلقته و بريق عيونه ، حتّى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلاّ كخردلة ملقاة في أرض فلاة ، فدخل الثور تحت الصّخرة و حملها على ظهره و قرونه و اسم ذلك الثور لهوتا ، ثم لم يكن لذلك الثور قرار ، فخلق اللَّه حوتا عظيما و اسم ذلك الحوت بهموت ، فدخل الحوت تحت قدمي الثّور فاستقرّ الثّور على ظهر الحوت . فالأرض كلّها على ظهر الملك ، و الملك على الصّخرة ، و الصّخرة على الثّور ، و الثّور على الحوت ، و الحوت على الماء ، و الماء على الهواء ، و الهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة . ثم خلق اللَّه تعالى العرش من ضيائين : أحدهما الفضل ، و الثّاني العدل ، ثم أمر الضّيائين فانتفسا بنفسين ، فخلق منهما أربعة أشياء : العقل ، و الحلم و العلم ، و السّخاء . ثم خلق من العقل الخوف ، و خلق من العلم الرّضا ، و من الحلم المودّة ، و من السّخاء المحبّة ، ثم عجن هذه الاشياء في طينة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم . ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ، ثم خلق الشّمس و القمر و النّجوم و اللّيل و النّهار و الضّياء و الظلام و ساير الملائكة من نور محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلم . فلمّا تكاملت الأنوار سكن نور محمّد تحت العرش ثلاثة و سبعين ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى الجنّة فبقى سبعين ألف عام ، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقى سبعين ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى السّماء السّابعة ، ثم إلى السّماء السادسة ، ثم إلى السّماء الخامسة ، ثم إلى السّماء الرّابعة ، ثم إلى السّماء الثّالثة ، ثم إلى السّماء الثّانية ، [ 389 ] ثم إلى السّماء الدّنيا ، فبقى نوره في السّماء الدّنيا إلى أن أراد اللَّه أن يخلق آدم الحديث . أقول : دلالة هذا الحديث على كون نور النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أوّل المخلوقات ظاهرة ، و أمّا الفقرات الباقية فأكثرها من قبيل المتشابهات ، و اللاّزم ردّ علم ذلك إلى الائمة عليهم السّلام . و منها ما رواه أيضا من رياض الجنان باسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قال لي يا جابر : كان اللَّه و لا شي‏ء غيره ، و لا معلوم و لا مجهول ، فأوّل ما ابتدء من خلق خلقه أن خلق محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ، و خلقنا أهل البيت معه من نور عظمته ، فأوقفنا أظلّة خضراء بين يديه حيث لا سماء و لا أرض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر ، يفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشّمس من الشّمس ، نسبّح اللَّه و نقدّسه و نحمده و نعبده حق عبادته . ثم بدء اللَّه أن يخلق المكان ، فخلقه و كتب على المكان : لا إله إلا اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علي أمير المؤمنين و وصيّه ، به أيّدته و نصرته ، ثم خلق اللَّه العرش ، فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه السماوات ، فكتب على أطرافها مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه الجنّة و النّار فكتب عليهما مثل ذلك . ثم خلق الملائكة و أسكنهم السّماء ، ثم خلق الهواء فكتب عليه مثل ذلك ثم خلق الجن و أسكنهم الهواء ، ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك ، فبذلك يا جابر قامت السّماوات بغير عمد ، و ثبتت الأرض . ثم خلق اللَّه آدم من أديم الأرض إلى أن قال عليه السلام : فنحن أول خلق اللَّه و أوّل خلق عبد اللَّه و سبّحه ، و نحن سبب الخلق و سبب تسبيحهم و عبادتهم من الملائكة و الادميين . و منها ما فيه عنه أيضا عن جابر بن عبد اللَّه ، قال : قلت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم : أوّل شي‏ء [ 390 ] خلق اللَّه ما هو ؟ فقال نور نبيّك يا جابر ، خلقه اللَّه ، ثم خلق منه كلّ خير الحديث . إلى غير ذلك من الأخبار ممّا يطلع عليها المتتبّع المجدّ و يأتي بعضها في تضاعيف الكتاب عند شرح بعض الخطب المناسبة لذلك ، و اللَّه الموفق . الثانى أنّه لم يذكر عليه السلام كيفية خلقة الأرض و لم يعلم أن خلقها هل هو قبل السّماء أو بعدها ، و لعلّ عدم ذكره عليه السلام له نظرا إلى أنّ مقصوده عليه السلام إظهار عظمته سبحانه و بيان رشحات قدرته و كماله . و لما كان أمر عالم الأمر و الملكوت أظهر في الدّلالة على ذلك المقصود و أو في بالنّسبة إلى عالم العناصر و النّاسوت ، خصّصها بالذّكر لذلك و إن كان في عالم العنصر و الشّهادة أيضا في نفسه من شواهد الرّبوبيّة و أدلة القدرة ما لا يحيط بها حدّ و لا يضبطها عدّ ، بل في جزئي من جزئيات ذلك العالم من الأسرار الالهيّة ما يعجز عنه إدراك القوى البشريّة قال سبحانه : إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ و الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ و النَّهارِ وَ الْفُلْكِ التي تَجْري في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ و ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحْيى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و بَثَّ فيها مِنْ كُلِّ دآبَّةٍ و تَصْريفِ الرِّياحِ و السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ و الأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلونَ و يأتي الاشارة إلى بعض آيات القدرة و آثار التّدبير في الحكمة في عالم العناصر من الأرض و غيرها في شرح خطبة الأشباح ، و هي الخطبة التّسعون . و كيف كان فيشهد بما ذكرنا من عظم ملكوت السّماوات و كونها من أعظم الآيات أنّ الأرض و البحار و الجبال و كلّ جسم من عالم الشّهادة بالاضافة إلى السّماوات كقطرة في بحر ، لا بحسب الكمية و المساحة فقط ، بل بحسب الكيفيّة أيضا أعني شرافة الوجود و قوّة الفعليّة كما بحسب الكميّة على النّسبة المذكورة . [ 391 ] و لذلك ذكر الامام عليه السلام أمر السّماوات في كثير من كلماته الآتية ، و عظم اللَّه أمرها و أمر النّجوم في الآيات القرآنية ، فكم من آية ذكرها اللَّه فيها ، بل قيل : ما من سورة من الطوال و أكثر القصار إلاّ و يشتمل على تفخيمها في مواضع ، و كم من قسم أقسم اللَّه بها في القرآن كقوله : وَ السَّمآء و الطّارِقِ ، و ما أَدْريكَ مَا الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ و قوله : وَ الشَّمْسِ وَ ضُحيها ، وَ الْقَمَرِ إِذا تليها و قوله : فَلا أُقسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ و إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيمٌ فكيف ظنك بما أقسم اللَّه به و أخال الأرزاق إليها ، فقال : وَ في السَّماءِ رِزْقُكُمْ و ما تُوعَدُونَ و أثنى على المتفكرين فيه فقال : و يَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و أمر بالنظر إليه و التفكر فيه في كثير من الآيات ، و ذمّ المعرضين عنه ، فقال : و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ فاىّ نسبة لجميع البحار و الأرض و الهوآء إلى السّمآء ، و هذه متغيّرات على القرب و هي صلاب شداد محفوظات إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، و لذلك سمّاها اللَّه تعالى محفوظا ، و قال : و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال : و حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجيمٍ و قال أيضا : وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً و قال : ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ [ 392 ] ثم إنّ اللَّه زيّنها بمصابيح : وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدنْيا بِمَصابيحَ و بالقمر و جَعَلَ الْقَمَرَ فيهِنَّ نُوراً و بالشّمس و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ و بالكرسي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ و باللّوح في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم ن وَ الْقَلَمِ و بالقضاء فَقَضيهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و بالقدر فَقَدَّرَهُ مَنازِلَ و بالوحي و الأمر وَ أوْحى‏ في كلِّ سَماءٍ أَمْرَها و بالحكمة حيث ذكر أنّ خلقها مشتمل على غايات صحيحة و أغراض عظيمة : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ، و ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذينَ كَفَرُوا و جعلها أيضا مصعد الأعمال ، و مهبط الأنوار ، و قبلة الدّعاء ، و محل الضّياء و السّناء ، و جعل ألوانها أحسن الألوان ، و هو المستنير ، و أشكالها أحسن الأشكال و هو المستدير ، و نجومها رجوما للشّياطين ، و علامات يهتدى في ظلمات البرّ و البحر . و بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ و قيّض للشّمس طلوعها ، فسهّل معه التّقلب بقضاء الأوطار في الأقطار ، و غروبا يصلح معه الهدوّ و القرار في الأكناف لتحصيل الرّاحة و انبعاث القوّة و تنفيذ الغذاء إلى الاعضاء . و أيضا لو لا طلوع الشّمس لانجمدت المياه ، و غلبت البرودة و الكثافة ، فاورثت جمود الحرارة الغريزية ، و لو لا الغروب لحميت الأرض حتّى تحترق كلّ من عليها من إنسان و حيوان ، فهي بمنزلة سراج واحد يوضع لأهل كلّ بيت بمقدار حاجتهم ، [ 393 ] ثم يرتفع عنهم ليستقرّوا و يستريحوا ، فصار النّور و الظلمة على تضادّهما متظاهرين ، على ما فيه صلاح قطان الأرض . و أمّا ارتفاع الشّمس و انحطاطها ، فقد جعله اللَّه سببا لاقامة الفصول الأربعة . و أمّا القمر فهو تلو الشّمس و خليفتها ، و به يعلم عدد السّنين و الحساب ، و يضبط المواقيت الشّرعية ، و منه يحصل النّماء و الرّواء ، و قد جعل اللَّه في طلوعه و غروبه مصلحة ، و كذا في تشكلاته المختلفة و ساير أحواله من الاستقامة و السّرعة و البطوء كما فصّل في محلّه . و كيف كان فالمقصود الأصلى في المقام بيان كيفيّة خلقة الأرض ، و أنّها ممّ خلقت ، و أنّ ايجادها هل هو قبل السّماء أو بعدها . اما الاول فالمستفاد من الأخبار أن أصلها زبد الماء الذي خلقه اللَّه في الهواء ، و هو الزّبد الذي أشار إليه الامام عليه السلام بقوله : فرمى بالزّبد ركامه ، و الاخبار في هذا المعنى كثيرة قريبة من التّواتر و يأتي جملة منها في ذيل المقام . و يشهد به أيضا ما عن تفسير الامام عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : قال : رسول الله صلى اللَّه عليه و آله و سلم في قوله عزّ و جل : الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرضَ فِراشاً إنّ اللَّه عزّ و جلّ لمّا خلق الماء فجعل عرشه عليه قبل أن يخلق السّماوات و الأرض و ذلك قول اللَّه عزّ و جل : هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ و كانَ عَرْشُهُ عَلىَ الْماء يعني و كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السّماوات و الأرض ، فارسل الرّياح على الماء فبخر ( فتبخرخ ل ) الماء من امواجه ، فارتفع عنه الدّخان و علا فوق الزّبد ، فخلق من دخانه السّماوات السّبع ، فخلق من زبده الأرضين السّبع ، فبسط الأرض على الماء ، و جعل الماء على الصّفاء ، و الصّفاء على الحوت ، و الحوت على الثور ، و الثور على [ 394 ] الصخرة التي ذكرها لقمان لابنه ، فقال : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ و الصّخرة على الثّرى ، و لا يعلم ما تحت الثّرى إلا اللَّه . فلمّا خلق اللَّه الأرض دحاها من تحت الكعبة ، ثم بسطها على الماء ، فأحاطت بكلّ شي‏ء . فخرت الأرض ، و قالت : أحطت بكلّ شي‏ء فمن يغلبني ؟ و كان في كلّ اذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطرف بالعرش ، فأمر اللَّه الحوت فتحركت ، فتكفأت الأرض بأهلها كما تكفى‏ء السّفينة على الماء قد اشتدّت أمواجه ، و لم تستطع الأرض الامتناع . ففخرت الحوت و قالت : غلبت الأرض التي أحاطت بكلّ شي‏ء فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال ، فأرساها و ثقل الأرض بها ، فلم تستطع الحوت أن تتحرك . ففخرت الجبال و قالت : غلبت الحوت التي غلبت الأرض فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الحديد ، فقطعت به الجبال و لم يكن عندها دفاع و لا امتناع . ففخر الحديد و قال : غلبت الجبال التي غلبت الحوت فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ النّار فألانت الحديد و فرّقت أجزائه و لم يكن عند الحديد دفاع و لا امتناع . ففخرت النّار و قالت : غلبت الحديد الذي غلبت الجبال فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الماء فأطفأ النّار و لم يكن عندها دفاع و لا امتناع . ففخر الماء و قال : غلبت النّار التي غلبت الحديد فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الرّيح ، و غلبت الماء فأيبست الماء . ففخرت الرّيح و قال : غلبت الماء الذي غلب النّار فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الانسان ، فصرف الرّيح عن مجاريها بالبنيان . [ 395 ] ففخر الانسان و قال : غلبت الرّيح التي غلبت الماء فمن يغلبني ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ ملك الموت فأمات الانسان . ففخر ملك الموت و قال : غلبت الانسان الذي غلب الرّيح فمن يغلبني ؟ فقال اللَّه عزّ و جلّ أنا القّهار الغلاّب الوهاب أغلبك و أغلب كلّ شي‏ء فذلك قوله : إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فان قيل : المذكور في هذه الرّواية و كذا الرّوايات الآتية من خلق الأرض من الزّبد ينافي ظاهرا رواية الكافي التي رواها عن محمّد بن مسلم ، قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : كان كلّ شي‏ء ماء ، و كان عرشه على الماء ، فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق اللَّه السّماوات من ذلك الدّخان و خلق الأرض من الرّماد ، ثم اختصم الماء و النّار و الرّيح فقال الماء : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قال الرّيح : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قالت النّار أنا جند اللَّه الأكبر ، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إلى الرّيح أنت جندي الأكبر . فانّ المذكور في هذه الرّواية خلقة الأرض من الرّماد . قلت : يمكن الجمع بينها بما قاله المجلسي و هو أن يكون الرّماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزّبد ، و وقي الزّبد بذلك المزج و تصلّب ، أو يكون المراد بالأرض المخلوق من الرّماد بقيّة الأرض التي حصلت بعد الدّحو ، و اللَّه العالم و اما الثاني فالأشهر الأظهر هو أنّ خلق الأرض قبل السّماء ، و قيل بالعكس و لا يعبأ به مع دلالة ظواهر الآيات و قيام الاخبار المستفيضة على خلافه . اما الايات فقد قال تعالى في سورة البقرة : هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَميعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ فسَوَّيهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَليمٌ و في سورة السّجدة : قُلْ أَ ئِنَّكُمْ [ 396 ] لَتَكْفُرونَ بِالَّذي خَلَقَ الْأَرضَ في يَوْمَينِ و تَجْعَلونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالمينَ ، وَ جَعَلَ فيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها و بارَكَ فيها و قَدَّرَ فيها أَقْواتَها في أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلينَ ، ثُمَّ اسْتَوى إلىَ السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طآئعينَ ، فَقَضيهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ الآية . قال الزّمخشري في تفسيره : قوله : ثم استوى إلى السّماء و المعنى دعاه داعي الحكمة إلى خلق السّماء بعد خلق الأرض و ما فيها من صارف يصرفه عن ذلك و هي دخان ، قيل : كان عرشه قبل خلق السّماوات و الأرض على الماء ، فاخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء و علا عليه ، فأيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها و جعلها أرضين ، ثم خلق السّماء من الدّخان المرتفع انتهى . و روى في مجمع البيان عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، عن النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم قال : إن اللَّه خلق الأرض في يوم الأحد و الاثنين ، و خلق الجبال يوم الثّلثاء ، و خلق الشّجر و الماء و العمران و الخراب يوم الأربعاء ، فتلك أربعة أيّام ، و خلق يوم الخميس السّماء ، و خلق يوم الجمعة الشّمس و القمر و النّجوم و الملائكة و آدم هذا . و أمّا قوله تعالى في سورة النّازعات : ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَنيها رَفَعَ سَمْكَها فَسَويها و أَغْطَشَ لَيْلَها و أَخْرَجَ ضُحيها و الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحيها فلا يدل على خلقة الأرض بعد السّماء كما توهّمه بعض الملاحدة و أورد عليها بأنّها منافية للآيات السّابقة ، إذ المستفاد منها كون دحو الأرض بعد خلق [ 397 ] السّماء ، و هو لا ينافي تقدّم خلق أصل الأرض على السماء . قال الطبرسي قال ابن عباس : إنّ اللَّه تعالى دحى الأرض بعد السّماء ، و إن كانت الأرض خلقت قبل السّماء ، و كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها و ربّما اجيب بأن كلمة بعد ليست للتأخّر الزّماني ، و إنّما هو على جهة تعداد النّعم و الاذكار لها ، كما يقول القائل : أ ليس قد أعطيتك و فعلت بك كذا و كذا ، و بعد ذلك وددتك ، و ربّما يكون بعض ما تقدّم في اللّفظ متأخرا بحسب الزّمان ، لأنّه لم يكن الغرض الاخبار عن الأوقات و الأمكنة ، بل المراد ذكر النّعم و التّنبيه عليها ، و ربّما اقتضت الحال ايراد الكلام على هذا الوجه . و اما الاخبار فهي كثيرة منها ما في البحار عن الكافي باسناده عن سلام بن المستنير ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ خلق الجنّة قبل أن يخلق النّار و خلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية ، و خلق الرّحمة قبل الغضب ، و خلق الخير قبل الشّر و خلق الأرض قبل السّماء ، و خلق الحياة قبل الموت ، و خلق الشّمس قبل القمر ، و خلق النّور قبل أن يخلق الظلمة ، قال المجلسي قده بعد ذكر الحديث : لعلّ المراد بخلق الطاعة تقديرها ، بل الظاهر في الأكثر ذلك الخلق بمعنى التّقدير و هو شايع و المراد بخلق الشّر خلق ما يترتّب عليه الشر ظاهرا و إن كان خيره غالبا و وجوده صلاحا . و منها ما فيه أيضا كالصّافي عن عليّ بن إبراهيم القميّ عن الصّادق عليه السلام في جواب الأبرش حيث سأله عن قول اللَّه عزّ و جلّ : أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قال : أخبرني فما كان رتقهما و ما كان فتقهما ؟ فاجاب عليه السلام بقوله : هو كما وصف نفسه ، كان عرشه على الماء و الماء على الهواء ، و الهواء لا يحد ، و لم يكن يومئذ خلق غيرهما ، و الماء يومئذ عذب فرات ، فلمّا أراد اللَّه أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجا ، ثم أزبد فصار زبدا واحدا ، فجمعه في [ 398 ] موضع البيت ، ثم جعله جبلا من زبد ، ثم دحى الأرض من تحته ، فقال اللَّه تبارك و تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثمّ مكث الرّب تبارك و تعالى ما شاء ، فلمّا أراد أن يخلق السّماء أمر الرّياح فضربت البحور حتّى أزبدتها ، فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار ، فخلق اللَّه منه السّماء ، و جعل فيها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر ، و أجراها في الفلك و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر ، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب ، و كانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب و هو النّبت و لم تمطر السّماء عليها فتنبت ، ففتق السّماء بالمطر ، و فتق الأرض بالنّبات ، و ذلك قوله : أ و لم ير الذين كفروا الآية ، و نسب الشّارح البحراني هذه الرّواية إلى الباقر عليه السلام ، و لعلّه اطلع على سند آخر عنه عليه السلام لم نقف عليه . و منها رواية الرّوضة الآتية . الثالث أنّ المستفاد من كلامه عليه السلام أنّ السّماء مخلوقه من الزّبد حيث قال : و رمى بالزّبد ركامه ، فسوى منه سبع سماوات اه ، لكن المستفاد من آية السّجدة السّالفة و من تفسير الامام عن أمير المؤمنين عن النّبي صلوات اللَّه عليهم في قوله : الذي جعل لكم الأرض فراشا إلى آخر ما مرّ سابقا ، و من رواية الكافي عن محمّد بن مسلم التي أسلفناها أيضا ، و من ساير الرّوايات الواردة في باب الخلقة : أنّ السّماء مخلوقة من الدّخان . و جمع بينهما الشّارح البحراني بقوله : فنقول : وجه الجمع بين كلامه عليه السلام و بين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السلام ، و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غير نار ، فخلق منه السّماء ، و لا شك أنّ القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدّخان حقيقته ، لأن ذلك إنّما يكون عن النّار ، و اتفق المفسّرون إلى أنّ هذا الدّخان لم يكن عن نار ، بل عن تنفّس الماء و تبخيره [ 399 ] بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصّاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول : إن كلامه عليه السلام مطابق للفظ القرآن ، و ذلك أنّ الزّبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته ، إلاّ أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل ، فانّه يخصّ باسم الزّبد ، و ما لطف و غلبت عليه الأجزاء الهوآئية فانفصل خصّ باسم البخار و إذا كان الزّبد بخارا و البخار هو المراد في القرآن الكريم كان مقصده و مقصد القرآن الكريم واحدا ، فكان البخار المنفصل هو الذي تكوّنت عنه السّماوات ، و الذي لم ينفصل هو الذي تكوّنت عنه الأرض . و أمّا وجه المشابهة بين الدّخان و البخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه فهو أمر ان احدهما حسّي و هو الصّورة المشاهده من الدّخان و البخار حتّى لا يكاد يفرق بينهما في الحسّ البصري و الثاني معنويّ و هو كون البخار اجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة ، كما أنّ الدّخان كذلك و لكن عن حرارة النار ، فانّ الدّخان أيضا أجزاء مائية إنفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار ، فكان الاختلاف بينهما ليس إلاّ بالسّبب ، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه قده . أقول : هذا التّوجيه وجيه جدا إلاّ أنّه ينافيه ما رواه الكليني في روضة الكافي باسناده عن محمّد بن عطية ، قال : جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام من أهل الشّام من علمائهم ، فقال : يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علىّ أن أجد أحد يفسّرها ، و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذّي قال الصّنف الآخر ، فقال له أبو جعفر عليه السلام : ما ذاك ؟ قال : فانّي أسألك عن أوّل ما خلق اللَّه من خلقه ، فانّ بعض من سألته قال : القدر ، و قال بعضهم : القلم و قال بعضهم : الرّوح ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ما قالوا شيئا اخبرك أنّ اللَّه تبارك و تعالى كان و لا شي‏ء غيره ، و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزّه ، و ذلك قوله : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة عَمّا يَصِفُونَ [ 400 ] و كان الخالق قبل المخلوق ، و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشّي‏ء من الشّي‏ء إذا لم يكن انقطاع أبدا ، و لم يزل اللَّه إذا و معه شي‏ء ليس هو يتقدّمه و لكنّه كان إذ لا شي‏ء غيره ، و خلق الشي‏ء الذي جميع الأشياء منه و هو الماء الذي خلق الاشياء منه ، فجعل نسب كلّ شي‏ء إلى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إلى شي‏ء ، و خلق الرّيح من الماء ثم سلط الرّيح على الماء فشققت الرّيح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور ، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ، ثم طواها فوضعها فوق الماء ، ثم خلق النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللَّه أن يثور فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقيّة ليس فيها صدع و لا ثقب ، و ذلك قوله : وَ السَّماءَ بَنيها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّيها ، وَ أَغْطَشَ 1 لَيْلَها ، و أَخْرَجَ ضُحيها . قال عليه السلام : و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ، ثم طويها فوضعها فوق الماء ثم نسب الخليقتين 2 فرفع السّماء قبل الأرض ، فذلك قوله عزّ ذكره : وَ الْأَرْض بَعْدَ ذلِكَ دَحيها يقول : بسطها قال : فقال له الشّامي : يا أبا جعفر قول اللَّه عزّ و جلّ : أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ----------- ( 1 ) اى اظلم منه ----------- ( 2 ) اى رتبهما في الوضع و جعل احداهما فوق الاخرى او بين نسبة خلقهما فى كتابه بقوله و الارض بعد ذلك دحيها فبين ان وجود الارض قبل وجود السماء مجلسى ( ره ) مكرر الخليقة بمعنى المخلوقة و في بعض النسخ الخلقتين اى خلقة الارض و السماء منه [ 401 ] فقال له أبو جعفر عليه السلام : فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت احداهما عن الاخرى ، فقال : نعم ، فقال أبو جعفر عليه السلام : استغفر ربّك ، فانّ قول اللَّه عزّ و جل كانتا رتقا يقول كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر ، و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ ، فلما خلق اللَّه تبارك و تعالى الخلق و بثّ فيها من كلّ دابة ، فتق السّماء بالمطر ، و الارض بنبات الحبّ ، فقال الشامي : أشهد أنّك من ولد الانبياء ، و أن علمك علمهم عليهم السلام . فان المستفاد من الرّواية هذه أنّ الدخان متكون من النّار ، و هو المستفاد أيضا من رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام التي سبقت ، حيث قال فيها : فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق السّماوات من ذلك الدّخان ، إلى آخر ما مرّ ، فدعوى الشّارح اتّفاق المفسّرين على عدم كون ذلك الدّخان من نار مع قيام الأخبار على خلافه مما لا يلتفت إليها . فان قلت : فما تقول في رواية القمي المتقدّمة عن الصّادق عليه السلام ؟ حيث قال فيها : فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غير نار . قلت : لا بد من تأوليها إمّا بأن يكون المراد بالنّار غير النّار المتعارفة المسبوقة إلى الأذهان ، أو بوجه آخر من وجوه التّأويل حتّى تلايم الرّوايتين ، و إلاّ فلا بدّ من طرحها ، لأنّ الروايتين مضافا إلى كونهما أكثر عددا معتضدتان بالاعتبار العقلي و ظواهر 1 آية السّجدة و الأخبار ، فلا تكافؤهما الرّواية المذكورة هذا . و المقام بعد ذلك محتاج إلى التأمّل لتوجيه الجمع بين كلامه عليه السلام الدّالّ على خلق السّماء من الزّبد ، و بين الآية و الأخبار الاخر ، و يمكن التوجيه بارجاع الضّمير في قوله عليه السلام فسوّى منه راجعا إلى الماء ، لأنّ النّار التي ----------- ( 1 ) حيث ان الموجود في الاية و الاخبار ان السماء مخلوقة من الدخان و الظاهر من الدخان هو ما يتكون من النار كما لا يخفى منه . [ 402 ] ثار منها الدّخان لمّا كانت مخلوقه من الماء حسبما دلت عليه الرّوايتان ، حسن استناد تسوية السّماوات إليه فكان من قبيل استناد الشّي‏ء إلى علّته البعيدة ، كما اسندت في غيره إلى الدّخان استنادا الى العلّة القريبة ، فتأمّل جيّدا . الرابع أنّ المستفاد من قوله عليه السلام : فسوّى منه سبع سماوات كون السماوات سبعا ، و هو ممّا لا ريب فيه و لا خلاف ، و يطابقه قوله تعالى في سورة البقرة ، فَسَوّيهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و في سورة السّجدة فَقَضيهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و في سورة النّبأ وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبعاً شِداداً . و إنّما خالف بعض من لا يعبأ به في الأرض و أنكر كونها سبعا ، و هو شاذّ ضعيف لا يلتفت إليه بعد دلالة ظاهر الآية على خلافه ، قال سبحانه في سورة الطلاق : اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبْعَ سَمواتٍ وَ مِنَ الْأرْضِ مِثْلَهُنَّ . و تأويلها بالأقاليم السّبعة لا حاجة إليه ، قال الطبرسي في تفسير الآية : أى و في الأرض خلق مثلهنّ في العدد لا في الكيفيّة ، لأنّ كيفيّة السّماء مخالفة لكيفيّة الأرض ، و ليس في القرآن آية تدلّ على أنّ الأرضين سبع مثل السّماوات إلاّ هذه الآية ، و لا خلاف في السّماوات و أنّها سماء فوق سماء ، و أمّا الأرضون فقال قوم : إنّها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسّماوات ، لأنّها لو كانت مصمتة لكان أرضا واحدة و في كلّ أرض خلق خلقهم اللَّه كما شاء ، و روى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض يفرق بينهنّ البحار ، و يظل جميعهن السّماء ، و اللَّه أعلم بصحّة ما استاثر بعلمه و خفي على خلقه انتهى ، هذا . و روي في الأخبار المستفيضة أن غلظ كلّ سماء مسيرة خمسمأة عام ، و من بين السّماء إلى السّماء كذلك ، و من هنا إلى السّماء الدّنيا مثلها ، و هذه الأخبار صريحة في بطلان قول الحكماء بنفي الخلاء و ذهابهم إلى أنّ الأفلاك ليس بينهما فرجة بل مقعّر كلّ فلك مماس لمحدّب الفلك الآخر ، لأنّه . إذا كان بين كلّ منهما مسيرة [ 403 ] خمسمأة عام فكيف يتصوّر الملاصقة و المماسة ، فلا يلتفت إلى براهينهم العقليّة التي أقاموها على ذلك . و قد مرّ في رواية الرّوضة قول أبي جعفر عليه السلام للشّامي : استغفر ربّك ، فانه لمّا كان معتقدا بمثل ما قاله الحكماء بالأخذ عن كتبهم أمره بالاستغفار ، فيدل على تحريم هذا الاعتقاد و أمثاله ، فابطل الملاصقة و الالتزاق بينهما . الخامس أن قوله عليه السلام : ثُمَّ زَيَّنَها بِزينَةٍ الكَواكِبِ . قد بيّنا سابقا أن الضّمير فيه محتمل الرّجوع إلى السّفلى و الرّجوع إلى السّماوات باعتبار أن تزيين البعض تزيين الجميع ، و اللاّزم في المقام تحقيق محلّ الكواكب و تعيينه . فأقول : الذي ذهب إليه أصحاب الهيئة بل ادّعي اتفاقهم عليه هو أنّ الثّوابت كلها في الفلك الثّامن ، و أمّا السّيارات فالمشهور أن القمر في الفلك الذي هو أقرب الينا ، ثم عطارد ، ثم زهرة ، ثم الشّمس ، ثم المرّيخ ، ثم المشتري ، ثم زحل ، و فوقها فلك الثّوابت المسمّى بلسان الشّرع بالكرسي ، ثم فلك الأطلس الذي هو غير مكوكب و يسمّى في لسان الشّرع بالعرش ، و اختار هذا المذهب في المقام الشّارح البحراني . و ذهب طائفة و منهم السّيد الجزايري و الشّارح المعتزلي إلى أنّها في السّماء الدّنيا ، و مال إليه شيخنا البهائي على ما عزي إليه ، و يظهر من كلام الفخر الرّازي ميله إليه أيضا ، و هو الأظهر . لنا ظاهر قوله سبحانه في سورة الصّافات : إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزينَةٍ الْكَواكِبِ ، و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ و في سورة السّجدة و زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بمَصابيحَ [ 404 ] وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْديرُ الْعَزيزِ الْعَليمِ و في سورة الملك و لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابيحَ و جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطينِ و أما الأوّلون فقد استدلوا على مذهبهم في الثّوابت و أنّها في الفلك الثّامن بما حكاه عنهم الرّازي في التفسير ، قال عند الكلام على تفسير الآية الثّالثة : و اعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أنّ هذه الثّوابت مركوزة في الفلك الثّامن الذي هو فوق اكر 1 السّيارات ، و احتجوا عليه بأنّ بعض هذه الثّوابت في الفلك الثامن فيجب أن تكون كلّها هناك ، و إنّما قلنا : إن بعضها في الفلك الثّامن ، و ذلك لأن الثّوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السّيارات ، فوجب أن تكون الثّوابت المنكسفة فوق السّيارات الكاسفة ، و إنّما قلنا : إن هذه الثوابت لمّا كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلّها هناك ، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مأة سنة درجة واحدة فلا بدّ و أن تكون مركوزة في كرة واحدة ، و على مذهبهم في السّيارات بأن زحل ينكسف بالمشتري فيكون فوقه ، و المشترى ينكسف بالمرّيخ فهو فوقه ، و أمّا كون الشّمس تحتها فلأن لها اختلاف منظر دون العلوية ، و أمّا الزّهرة و عطارد فلا جرم بكونهما تحت الشّمس أو فوقها ، إذ لا يكسفها غير القمر ، و لا يدرك كسفها لشي‏ء من الكواكب ، لاحتراقها عند مقارنتها ، و لا يعرف لهما اختلاف منظر أيضا لأنّهما لا يبعدان عن الشّمس كثيرا و لا يصلان إلى نصف النّهار ، و الآلة التي يعرف بها اختلاف المنظر إنّما تنصب في سطح دائرة نصف النّهار ، فحكموا بكونهما تحت الشّمس استحسانا ، لتكون متوسطة بين الستة بمنزلة شمسة القلادة . و روي عن الشّيخ و من تقدّمه أنّه رأى الزّهرة كشامة على وجه الشّمس و بعضهم ادّعى أنّه رآها و عطارد كشامتين عليها ، و سمّيتا سفليّين لذلك كما يسمّى ما فوق الشّمس علويّة ، و الزّهرة منها فوق عطارد لانكسافها به ، و القمر تحت الكلّ لانكساف الكلّ به . ----------- ( 1 ) جمع كرة منه [ 405 ] أقول : أمّا دليلهم في الثّوابت فمضافا إلى مخالفته لظواهر الآيات ضعيف في نفسه قال الرّازى في تفسير الآية الاولى بعد ذكر مذهب الحكماء : إنّا قد بيّنا في علم الهيئة أنّ الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أنّ هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثّامن ، و لعلّنا شرحنا هذا الكلام في تفسير قوله تعالى : و لقد زينا السّماء الدنيا بمصابيح ، و قال عند تفسيره بعد ذكر مذهبهم و دليلهم الذي حكيناه عنه آنفا : و اعلم أنّ هذا الاستدلال ضعيف ، فانّه لا يلزم من كون بعض الثّوابت فوق السّيارات كون كلّها هناك ، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر و تكون في البطؤ مساوية لكرة الثّوابت ، و تكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السّفليّة ، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصّغر و الكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة ، و على هذا التّقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السّماء الدّنيا ، فثبت أنّ مذهب الفلاسفة في هذا الباب ضعيف انتهى . و انت بعد ما عرفت ضعف دليلهم فيما ذهبوا إليه مع عدم قيام برهان عقلي أو نقلي آخر عليه ، تعرف أنّه لا وجه لتأويل الآيات الشّريفة على ما يطابق مذهبهم ، كما أوّلها الشّارح البحراني حيث إنه بعد اختياره مذهب الحكماء و ذكره الاشكال فيه بتنافيه لظاهر الآية ، أجاب بأنه لا تنافي بين ظاهر الآية و بين ما ذكرناه ، و ذلك أنّ السّماء الدنيا لمّا كانت لا تحجب ضوء الكواكب ، و كانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السّماء و مشاهدة الكواكب بكونها مزيّنة بها ، لا جرم صحّ قوله تعالى : إنّا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب ، لأنّ الزّينة بها إنّما هي بالنّسبة إلى أوهام الخلق للسّماء الدّنيا انتهى كلامه . و الحاصل أنّ ظواهر الأدلة حجة لو لم يقم دليل على خلافه ، و مع عدمه فالظاهر حجّة ، و لا وجه لرفع اليد عنه ، و لذلك قال الشّارح المعتزلي ، و الواجب التّصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز . و أمّا دليلهم في السّيارات فقد عرفت أنّه غير واف بتمام مدّعاهم ، لما ذكرنا من أنّ التّرتيب الذي ادّعوه في عطارد و زهرة و كونهما سفليين بالنسبة [ 406 ] إلى الشّمس و ما فوقها مستند إلى مجرّد الاستحسان ، إلاّ أنّه لا بأس به ، لعدم قيام دليل على خلافهم هنا ، و إن هو إلاّ كسائر أدلتهم المستندة إلى الحدس و الرّياضة في أبواب النّجوم و الهيئة ، لكن السّيد الجزائري ادّعى قيام الأخبار على خلاف ما ادّعوه من التّرتيب ، و لكنّا بعد لم نظفر على تلك الأخبار الدّالة على الخلاف صريحا ، بل قد مضى في شرح قوله : و ضياء الثّواقب ، عن الصّادق عليه السلام ما يفيد كون زحل في السّماء السّابعة ، نعم في بعضها تلويح إلى ذلك ، و لعله يأتي شطر منها في مقامها المناسب . فان قيل : على تقدير كون كلّ من السّيارات في كلّ من السّماوات يكون كلّ واحد منها مزيّنة بكوكبها المركوزة فيها ، فما وجه التّخصيص للزّينة بالسّماء الدّنيا في الآية ؟ قلت : لمّا كان الموجود على هذا التّقدير في كلّ واحد منها واحد من الكواكب ، و هو نادر في جنب ساير الكواكب الكثيرة الثّابتة في السّماء الدّنيا التي لا يعلم عددها إلاّ اللَّه سبحانه ، لا جرم حسن تخصيصها بالذكر . و يمكن الجواب بنحو آخر أولى ، و هو أنّ المقصود في الآيات بيان كون الكواكب زينة و سببا للحفظ من الشياطين معا ، و الحفظ لمّا كان بهذه الكواكب الثّابتة في هذه السّماء ، حسن التخصيص ، و القول بتأتّي الحفظ بالسّيارات أيضا ممّا يأبى عنه العقول المستقيمة ، إذ مع وجود هذه الكواكب على قربها و كثرتها في هذه السّماء و حصول حفظها بها لا يحكم العقل السّليم بأن ينقض كوكب من الفلك السّابع مثلا مع بعده و وحدته ، فيوجب الحفظ كما هو ظاهر . فان قيل : المستفاد ممّا ذكرت أنّ الشّهب التي جعلت رجوما للشّياطين هي تلك الكواكب المزيّنة بها السّماء ، و هذا مشكل جدّا لأنّ هذه الشّهب تبطل و تضمحلّ ، فلو كانت هذه الشّهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السّماء ، و معلوم أنّ هذا المعنى لم يوجد ألبتّة [ 407 ] فانّ أعداد كواكب السّماء باقية على حالة واحدة من غير تغير البتّة ، و أيضا جعلها رجوما ممّا يوجب وقوع النّقصان في زينة السّماء ، و الجمع بين هذين المقصودين كالجمع بين المتنافيين . قلنا : ليس معنى رجم الشّياطين بالكواكب هو أنّهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشّياطين بها ، و تلك الشّعل هي الشّهب ، و ما ذاك إلاّ كقبس يؤخذ من نار ، و النّار باقية بحالها . و العجب أنّ الشّارح البحراني أجاب عن الاشكال المذكور باختيار أنّ الشّهب غير تلك الثّوابت الباقية ، ثم قال : فأمّا قوله : و زيّنا السّماء الدّنيا بمصابيح و جعلناها رجوما للشّياطين ، فنقول : كلّ مضي‏ء حصل في الجوّ العالى أو في السّماء فهو مصباح لأهل الارض ، إلاّ أن تلك المصابيح منها باقية على طول الزّمان و هو الثّوابت ، و منها متغيّرة و هي هذه الشّهب التي يحدثها اللَّه و يجعلها رجوما للشّياطين ، و يصدق عليها أنّها زينة للسّماء أيضا بالنّسبة إلى أوهامنا انتهى ، و بمثل هذا أجاب الفخر الرّازي أيضا عند تفسير الآية الاولى . و لكنّك خبير بمنافاته لظواهر الآيات خصوصا الآية الثّالثة ، حيث إنّ الضّمير في قوله : و جعلناها رجوما ، راجع إلى المصابيح ، و الظاهر من المصابيح هي الكواكب بشهادة الآيتين الاوليين ، و لا داعي إلى التّاويل و رفع اليد عن الظاهر مع اندفاع الاشكال بما ذكرناه . هذا ما أدّى إليه الفهم القاصر في المقام ، و تكلمنا على ما يقتضيه عقولنا القاصرة ، و اللَّه العالم بحقايق ملكوت سمائه . السادس في الاشارة إلى بعض ما يتعلّق بالنيرين أعني الشّمس و القمر اللّتين أشار عليه السلام إليهما بقوله : فأجرى فيها سراجا مستطيرا ، و قمرا منيرا ، فانّ لهما أحوالا كثيرة من حيث القطر و الحركة ، و سرعتها و بطؤها ، و الخسوف و الكسوف العارضين لهما ، و الكلف الحاصل في وجه القمر ، و زيادة نور الشّمس عليه ، و الحرارة الموجودة لها دون القمر ، إلى غير هذه من الحالات التي بحث عنها علماء الهيئة [ 408 ] بحسب ما وصل إليها أوهامهم القاصرة ، و مقصودنا في المقام بيان بعض الأحوال الطارية عليهما حسب ما يستفاد من الآيات و الأخبار الماثورة عن أهل العصمة و الطهارة سلام اللَّه عليهم . فنقول : إنّهما من أجل كونهما من أعظم الآيات و لعظم ما يترتّب عليهما من الثّمرات من اصلاح الأثمار و النّباتات و مدخليّتهما في ضبط السّنين و الحساب و الأوقات و غير ذلك من المنافع الحاصلة منهما للعنصريات ، كرّر اللَّه سبحانه ذكرهما في كثير من السّور و الآيات ، و ببالي أنّه ينيف على عشرين قال سبحانه في سورة البقرة : يَسْئَلوُنَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقيتُ لِلنّاسِ و الْحَجَّ إشارة إلى بعض منافع القمر الحاصلة فيه من حيث الزّيادة و النّقصان و الطلوع و الافول ، و هو أنّ الحكمة في ذلك أن يعرف النّاس معالم امورهم ، و أوقات عباداتهم الموظفة في حقّهم ، و قال في سورة يونس : هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً و الْقَمَرَ نُوراً و قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنينَ و الْحِسابَ ، ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ ، يَفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أى قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل ، و الضّمير راجع إلى خصوص القمر ، و تخصيصه بالذّكر لسرعة سيره و معاينة منازله و إناطة أحكام الشّرع به ، و لذلك علّله بقوله : لتعلموا عدد السّنين و الحساب ، أى حساب الأوقات من الأشهر و السّاعات في التّصرفات و المعاملات . قيل : إنّ الحساب يبنى على أربع مراتب : السّاعات ، و الأيام ، و الشهور ، و السّنون ، فالعدد 1 للسّنين ، و الحساب لما دون و هي الشّهور ، و الأيام ، ----------- ( 1 ) اى العدد الموجود في الاية منه [ 409 ] و السّاعات ، و بعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار ، كما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد ، و العشرات ، و المات ، و الالوف ، و ليس بعدها إلاّ التكرار و معنى قوله : ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ إلاّ متلبّسا بالحقّ مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة : يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فانّهم المنتفعون بذلك ، و قريب منه قوله في سورة الاسرى : و جَعَلْنَا الليْلَ و النَّهارَ آيَتَينِ فَمَحوْنا آيَةَ اللَّيْلِ و جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَة لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ و لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنينَ و الْحِسابَ و كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصيلاً أى جعلنا اللّيل و النّهار دلالتين يدلاّن على القادر الحكيم ، فمحونا آية اللّيل أى الآية التي هي اللّيل و جعلناها مظلمة ، و الاضافة بيانيّة ، و جعلنا آية النّهار مبصرة ، أى مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر ، لتبتغوا فضلا من ربكم ، أى لتطلبوا في بياض النّهار أسباب معاشكم و تتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم . و قيل : إن المراد بالآيتين الشّمس و القمر ، و تقدير الكلام و جعلنا نيّري اللّيل و النّهار آيتين ، و المراد بمحو آية الليل التي هي القمر نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق ، أو المراد بمحوها كونها مظلمة في نفسها مطموسة النّور بما جعل فيها من السّواد . أقول : و هذا هو الأظهر و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة . فمنها ما في البحار عن العيون في خبر يزيد بن سلام ، أنّه سأل النّبى صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، ما بال الشّمس و القمر لا يستويان في الضوء و النّور ؟ قال : لمّا خلقهما اللَّه أطاعا [ 410 ] و لم يعصيا شيئا ، فأمر اللَّه عزّ و جلّ جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه ، فأثّر المحو في القمر خطوطا سودا ، و لو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشّمس لم يمح ، لما عرف اللّيل من النّهار ، و لا النّهار من الليل ، و لا علم الصّائم كم يصوم ، و لا عرف النّاس عدد السّنين ، و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ : و جعلنا الليل و النّهار الآية ، قال : صدقت يا محمّد ، فأخبرني لم سمّي الليل ليلا ؟ قال : لأنّه يلايل 1 الرّجال من النّساء ، جعله اللَّه عزّ و جلّ الفة و لباسا ، و ذلك قول اللَّه عزّ و جل : و جعلنا الليل لباسا ، و جعلنا النّهار معاشا ، قال : صدقت يا محمّد . و روى في الصافي عن العلل مثله إلى قوله و ذلك قول اللَّه و جعلنا الليل اه . و منها ما فيه أيضا عن كتاب النّجوم لابن طاووس نقلا من كتاب ابن أبي جمهور باسناده أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا صعد المنبر و قال سلوني قبل أن تفقدوني قال : فقام إليه رجل فسأله عن السّواد الذي في وجه القمر ، فقال عليه السلام أعمى 2 سأل عن عمياء 3 ، أما سمعت اللَّه عزّ و جل يقول : فمحونا آية الليل و جعلنا آية النّهار مبصرة ، و السّواد الذي تراه في القمر أنّ اللَّه عزّ و جل خلق من نور عرشه شمسين ، فأمر جبرئيل ، فأمر جناحه الذي سبق من علم اللَّه جلت عظمته لما أراد أن يكون من اختلاف الليل و النّهار و الشّمس و القمر ، و عدد السّاعات و الأيّام و الشّهور ، و السّنين و الدّهور ، و الارتحال و النّزول ، و الاقبال و الادبار ، و الحج و العمرة ، و محلّ الدّين و أجر الأجير ، و عدد أيّام الحبل و المطلقة ، و المتوفى عنها زوجها ، و ما أشبه ذلك . قال المجلسي قده بعد نقل الحديث « بيان » الذي أى على الذي سبق في علم اللَّه أن يكون قمرا ، و الظاهر أنه كان هكذا على أحدهما للذي سبق انتهى . و منها ما رواه أيضا عن العياشي عن أبي بصير ، عن الصّادق عليه السلام في قوله ----------- ( 1 ) يظهر من الخبر ان الليل مشتق من الملايلة و هو بمعنى المؤالفة و الموافقة و المشهور عند اللغويين عكس ذلك ، قال الفيروز آبادى لا يلته استجرته لليلة و عاملته ملايلة كميادمة « بحار الانوار » ----------- ( 2 ) اى رجل أعمى منه ----------- ( 3 ) اى عن مسئلة عمياء منه [ 411 ] تعالى : فمحونا آية الليل ، قال : هو السّواد الذي في جوف القمر ، إلى غير ذلك ممّا يقف عليها المتتبع هذا . و بما ذكرنا عرفت سبب السّواد في القمر و أنّه من فعل جبرئيل و أمر اللَّه سبحانه ، و ليس سببه ما توهمه الفلاسفة ، و أرباب الهيئة و اختلفوا فيه على أقوال تبلغ إلى سبعة : الأول أنّه خيال لا حقيقة له ، و ردّ بأنّه لو كان كذلك لاختلف فيه النّاظرون ، لاستحالة موافقة الكلّ على خيال واحد . الثّاني أنّه شبه ما ينطبع فيه من السّفليّات من الجبال و البحار و غيرها ، و ردّ بأنّه يلزم حينئذ أن يختلف القمر في قربه و بعده و انحرافه عمّا ينطبع فيه الثالث أنّه السّواد الكاين في الوجه الآخر ، و ردّ بأنّه يجب على ذلك أن لا يرى هذا متفرقا . الرّابع أنّ سببه التّأذّي من كرة النّار ، لقرب ما بينهما ، و ردّه الشّيخ الرّئيس بأنّ هذا لا يلايم الاصول الحكميّة ، فانّ الأجسام الفلكيّة لا ينفعل عن الأجسام العنصريّة ، و أيضا أنّ الفلك غير قابل للتسخن عندهم . الخامس أنّ جزء منه لا يقبل النّور كما يقبله غيره ، و ردّ بأنّه يلزم على هذا عدم اطراد القول ببساطة الفلكيّات ، و في هذا هدم لقواعدهم المبنيّة على بساطتها . السّادس أنّ وجه القمر مصوّرة بصورة وجه الانسان ، فله عينان و حاجبان و أنف و فم ، و ردّ بأنّه يلزم أن يبطل فعل الطبيعة عندهم ، و ذلك لأنّ لكلّ عضو طلب نفع و دفع ضرر ، فانّ الفم لدخول الغذاء ، و الأنف للاستشمام ، و الحاجبين لدفع العرق عن العينين ، و ليس القمر قابلا لشي‏ء من ذلك ، فيلزم التّعطيل الدّائم فيما زعمتم أنه على أحسن النظام و أبلغه . السابع أنّ هذا السواد أجسام سماوية مختلفة معه في تدويره غير قابلة للانارة بالتساوي حافظة لوضعها معه دائما . هذه أقوالهم التي حكيت عنهم في المقام ، و قد عرفت فساد الجميع في أنفسها ، مضافا إلى قيام الأخبار على خلافها ، [ 412 ] و ظهر لك أنّ السبب فيه أمر القادر المختار المسخر تحت قدرته الشمس و القمر و الليل و النهار هذا . و أما ما رواه في الصافي عن الصادق عليه السلام : لما خلق اللَّه القمر كتب عليه لا إله الا اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و هو السواد الذي ترونه في القمر ، فلا ينافي الأخبار السالفة ، لجواز أن يكون المحو الواقع في الأحاديث السابقة بهذه الكتابة الواقعة في هذا الحديث ، و تمام هذا الحديث ما رواه الطبرسي في الاحتجاج و المحدّث الجزايري ( ره ) في الأنوار عن قاسم بن معاوية قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : هؤلاء يروون حديثا في معراجهم أنه لما اسرى برسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله سلم رأى على العرش لا إله الاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، أبو بكر الصديق ، فقال : سبحان اللَّه غيّر و اكلّ شي‏ء حتى هذا ؟ قلت : نعم ، قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ لما خلق العرش كتب عليه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لما خلق الماء كتب في مجراه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ الكرسي كتب على قوائمه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ اللوح كتب فيه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لما خلق اللَّه إسرافيل كتب على جبهته : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علي أمير المؤمنين ، و لما خلق اللَّه السماوات كتب في أكنافها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لمّا خلق اللَّه الأرضين كتب في أطباقها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال كتب على رؤسها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه عليّ أمير المؤمنين ، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الشّمس كتب اللَّه عزّ و جلّ عليها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ القمر كتب عليه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، عليّ أمير المؤمنين ، و هو السّواد الذي ترونه في القمر ، فاذا قال أحدكم : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، فليقل عليّ أمير المؤمنين . [ 413 ] فان قيل : إنّ الكتابة المكتوبة على وجه القمر ، الموجبة للكلف و السّواد فيه على ما دلت عليه الرّواية ، مكتوبة بعينها على الشّمس أيضا ، فلم لم توجب السّواد فيها ؟ حيث إنّه لو كان فيها سواد لشاهدناه ؟ قلت : أجاب عنه الجزايري بأنّ عدم المشاهدة لشدّة النّور و زيادة الضّياء المانع عنها . و لكنّك خبير بما فيه لما قد عرفت في الاخبار السّالفة أنّ نوريهما كانا على حدّ سواء ، و كان سبب قلّة نور القمر هو المحو الحاصل بالكتابة ، فلم تكن الشّمس في الأصل أشد نورا حتّى لا يظهر فيها أثر الكتابة ، و الأولى أن يجاب بأنّ المقصود لمّا كان تمايز اللّيل و النّهار ، و معرفة السّنين و الحساب ، كانت الكتابة على وجه القمر بخط جليّ لحصول ذلك الغرض ، بخلاف الشّمس ، و العلم عند اللَّه هذا و قد تحقق ممّا ذكرنا سبب اختلاف نوري الشّمس و القمر ، بما لا مزيد عليه . و أما سبب اختلافهما في الحرارة ، فهو ما بيّنه الامام عليه السلام في رواية الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبيجعفر عليه السلام : جعلت فداك لأيّ شي‏ء صارت الشّمس أشدّ حرارة من القمر ؟ فقال : إنّ اللَّه خلق الشّمس من نور النّار و من صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار ، فمن ثمّ صارت أشدّ حرارة من القمر ، قلت جعلت فداك ، و القمر ، قال : إنّ اللَّه تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النّار و صفو المآء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار فمن ثم صار القمر أبرد من الشّمس . و رواه في البحار عن العلل و الخصال أيضا و قال بعد ذكر الحديث توضيح قوله : حتّى إذا كانت سبعة أطباق ، يحتمل أن يكون المعنى أنّ الطبقة السّابعة فيها من نار ، فيكون حرارتها لجهتين ، لكون طبقات النّار أكثر بواحدة ، و كون الطبقة العليا من النّار ، و يحتمل أن يكون لباس النّار طبقة ثامنة ، فتكون الحرارة [ 414 ] للجهة الثّانية فقط ، و كذا في القمر يحتمل الوجهين ، ثم إنّه يحتمل أن يكون خلقهما من النّار و المآء الحقيقتين من صفوهما و ألطفهما ، و أن يكون المراد جوهرين لطيفين مشابهين لهما في الكيفيّة ، و لم يثبت امتناع كون العنصريات في الفلكيّات ، و قد دلّ الشّرع على وقوعه في مواضع شتّى هذا . و بقي الكلام في حركتي الشّمس و القمر . فأقول : لم نظفر في الأخبار بما يفيد التّعيين ، نعم في بعضها ما يدل على سرعة الحركة ، مثل ما روى عن سؤال النّبي صلى اللَّه عليه و آله سلم عن الرّوح الأمين ، من زوال الشّمس و جوابه بقوله : لا ، نعم ، فقال صلى اللَّه عليه و آله سلم له : كيف تقول : لا ، نعم ، فقال من حيث قلت : لا ، إلى قلت : نعم ، سارت الشّمس مسيرة خمسمأة عام و ما رواه المجلسي قده عن قصص الرّاوندي باسناده عن الصّدوق ، باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبيجعفر عليه السلام قال : إنّ موسى عليه السلام سأل ربه أن يعلمه زوال الشّمس ، فوكل اللَّه بها ملكا ، فقال يا موسى : قد زالت الشّمس ، فقال موسى : متى ؟ فقال : حين أخبرتك ، و قد سارت خمسمأة عام و عن الكافى عن عليّ بن إبراهيم باسناده عن أبي الصّباح الكناني ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ للشّمس ثلاثمأة و ستين برجا ، كلّ برج منها مثل جزيرة من جزاير العرب ، فتنزل كل يوم على برج منها ، فاذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش ، فلم تزل ساجدة إلى الغد ، ثم ترد إلى موضع مطلعها و معها ملكان يهتفان معها ، و انّ وجهها لأهل السّمآء ، و قفاها لأهل الأرض ، و لو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض و من عليها من شدة حرّها ، و معنى سجودها : ما قال سبحانه و تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمواتِ و مَنْ في الْأَرْضِ و الشَّمْسُ و الْقَمَرُ و النُّجُومُ و الْجِبالُ و الشَّجَرُ و الدَّوآبُّ و كَثيرٌ مِنَ النّاسِ قال المجلسي « ره » بعد رواية الحديث توضيح ثلاثمأة و ستّين برجا لعل المراد [ 415 ] بالبرج الدرجات التي تنتقل إليها بحركتها الخاصّة ، أو المدارات التي تنتقل إلى واحد منها كلّ يوم ، فيكون هذا العدد مبنيّا على ما هو الشّايع بين النّاس من تقدير السّنة به ، و إن لم يكن مطابقا لشي‏ء من حركتي الشّمس و القمر مثل جزيرة من جزاير العرب أى نسبتها إلى الفلك مثل نسبة جزيرة من الجزائر إلى الأرض ، أو الغرض التّشبيه في أصل العظمة لا خصوص المقدار ، و المقصود بيان سرعة حركتها و إن كانت بطيئة بالنّسبة إلى الحركة اليوميّة ، قال الفيروز آبادي : جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند و بحر الشّام ثم دجلة و الفرات و ما بين عدن ابين الى اطراف الشّام طولا و من جدّة إلى ريف العراق عرضا فاذا غابت أى بالحركة اليوميّة إلى حدّ بطنان العرش أى وسطه و لعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النّهار من تحت الأرض ، فانّها بحذاء أوساط العرش بالنّسبة إلى أكثر المعمورة ، إذ ورد في الأخبار أنّ العرش محاذ للكعبة فلم تزل ساجدة أى مطيعة خاضعة منقادة جارية بأمره تعالى حتى تردّ إلى مطلعها و المراد بمطلعها ما قدّر أن تطلع منه في هذا اليوم ، أو ما طلعت فيه في السّنة السّابقة في مثله و قوله : و معنى سجودها يحتمل أن يكون من تتمة الخبر لبيان أنّه ليس المراد بالسّجود ما هو المصطلح ، و لعل الأظهر أنّه من كلام الكليني أو غيره انتهى . هذا في حركة الشّمس . و أمّا القمر فهو أسرع حركة من الشّمس ، كما قال سبحانه : لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أي في سرعة سيره ، لأنّ الشّمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمأة و خمسة و ستّين يوما و شي‏ء ، و القمر في ثمانية و عشرين يوما . و في الصّحيفة السّجادية على صاحبها أفضل الصلاة و التحية في دعائه إذا نظر إلى الهلال : ( الخلق المطيع الدّآئب السّريع المتردّد في منازل التّقدير [ 416 ] المتصرّف في فلك التّدبير ) قال بعض شرّاح 1 الصّحيفة : وصفه عليه السلام القمر بالسّرعة إشارة إلى سرعة حركته العرضيّة التي تكون بتوسط فلك تدويره ، فانّه أسرع عن ساير الكواكب بهذا الاعتبار ، أمّا الثّوابت فظاهر ، لكون حركتها من أبطأ الحركات حتّى أن القدماء لم يدركوها ، فقيل : إنّها تتمّ الدّورة في ثلاثين ألف سنة ، و قيل : في ستة و ثلاثين ألف سنة ، و أمّا السّيارات فلأنّ زحل يتمّ الدّورة في ثلاثين سنة ، و المشتري في اثنتى عشرة سنة ، و المرّيخ في سنة و عشرة أشهر و نصف شهر ، و كلاّ من الشّمس و الزّهرة و عطارد في قريب سنة ، و أمّا القمر فيتمّ الدّورة في نحو من ثمانية و عشرين يوما ، فكان أسرعها حركة ، و أمّا حركته الذاتية و إن قال بهاجم غفير من أساطين الحكمآء ، حيث أثبتوا لجميع الكواكب حركة ذاتية و تدور بها على أنفسها ، فهي على تقدير ثبوتها غير محسوسة و لا معروفة ، فحمل وصف القمر بالسرعة على هذه الحركة بعيد ، نعم لا يبعد حمله على حركته المحسوسة على أنّها ذاتيّة له ، كما ذهب إليه بعضهم من جواز كون بعض حركات السّيارات في أفلاكها من قبيل حركة السابح في المآء ، و يؤيده ظاهر قوله تعالى : وَ الشَّمْسَ و الْقَمَر كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ انتهى و اورد صاحب شرح الاشارات على القول بالحركة الذّاتيّة ، بأنّ هذه تقتضي أن يكون المحو المرئى في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه و إلاّ لتبدّل وضعه . هذا مجمل الكلام فيما يتعلق بالأجسام العلويّة و عالم الملكوت ، و قد تكلمنا فيه بحسب ما ساعدنا الوقت و المجال ، و أما تفصيل حالاتها على ما تعرضوا له بحسب الوسع و الطاقة البشرية فليطلب من مظانه و مواقعه ، و العلم عند اللَّه و النبيّ ----------- ( 1 ) و هو الصدر الدين على الحسينى منه [ 417 ] و أوصيائه الكرام عليهم السلام . الترجمة يعنى پس از آن انشاء كرد خداوند سبحانه و تعالى گشادن فضاها و شكافتن طرفها و گشادگيهاى هوا را ، پس جارى نمود در آن گشادگيها آبى كه تلاطم داشت و زننده يكديگر بود موجهاى او ، و تراكم داشت و بالاى همديگر بود انبوهى او ، بار نمود آن آب را بر پشت بادى كه تند بود وزيدن او ، و سخت جنباننده كه شديد بود صداى او ، پس امر نمود آن باد را به برگردانيدن آن آب بطرف بالا ، و مسلط گردانيد آنرا بمحكم بستن آن آب و مقرون و نزديك نمود آن باد را بنهايت و حدّ آن آب كه فاصله نبود ميان آنها ، هوا از زير آن گشاده شده ، و آب از بالاى آن ريخته گرديده ، پس بعد از اين بيافريد حق سبحانه و تعالى بادى كه عقيم نمود وزيدن او را يا اينكه عقيم بود وزيدن او يا اينكه تنك بود جاى وزيدن او ، و دايم نمود ملازمت آن باد را بحركت دادن آب ، و شديد و محكم نمود جريان آنرا و دور نمود مهب و منشأ آنرا بحيثيتى كه هيچكس را اطلاع نيست بر اينكه از كجا ناشى ميشود ، پس مأمور نمود آنرا بر تحويل و بر هم زدن آب انبوه و بر هم خورده و حركت دادن و بر انگيختن موج درياها ، پس حركت داد و بجنبانيد آن باد آن آب را مثل جنبانيدن خيك دوغ بجهت گرفتن روغن ، و سخت روان شد بآن آب مثل روان شدن آن در جاهاى خالى در حالتى كه بر مى‏گردانيد اوّل آن آب را به آخر آن ، و ساكن آنرا بمتحرّك آن ، حتى اينكه بلند شد معظم آن ، و انداخت كف را تراكم آن ، پس بلند نمود آن كف را در هواى مفتوح و فضاى واسع ، پس خلق كرد و مستقيم نمود از آن كف يا از آن آب هفت آسمان را در حالتى كه گردانيد زيرين آن آسمانها را مثل موج در صفا يا از خود موج كه ممنوع بود از سيلان ، و گردانيد بالاتر آنها را سقفى كه محفوظ بود از سقوط و انهدام ، و بنائي كه بلند بود و مرتفع بى ستونيكه نكاه بدارد آنرا و بدون مسمار و ريسمانى كه منتظم و ملتئم نمايد آنرا ، پس از آن زينت بخشيد آن [ 418 ] آسمانها را با زينت ستاره‏هاى درخشنده ، و با روشنى كوكبها يا شهبهاى جهنده كه بنور خود هوا را سوراخ كننده‏اند ، و روان گردانيد در آن آسمانها چراغى كه منتشر بود روشنى او باطراف عالم كه عبارتست از آفتاب ، و جارى نمود ماهى را كه نور دهنده بود و تابان در فلك گردنده و سقف سير كننده و لوح حركت كننده و جنبنده . الى هنا تم الجزء الاول من هذه الطبعة النفيسة القيمة ، و قد تصدى لتصحيحه و ترتيبه و تهذيبه العبد : ( السيد ابراهيم الميانجى ) عفى عنه ، و ذلك بعد التطبيق و المقابلة على النسخة الاصل التى هى بخط المؤلف اعلى الله مقامه ، و وقع الفراغ فى اليوم الرابع من الربيع الاول سنة 1378 ، و يليه الجزء الثانى و اوله : « الفصل التاسع » و الحمد لله أولا و آخرا . [ 2 ] ج 2 تتمة الخطبة الأولى بسم اللّه الرّحمن الرّحيم « الفصل التاسع » « ثمّ فتق سبحانه ما بين السّموات العلى ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، فمنهم سجود لا يركعون ، و ركوع لا ينتصبون ، و صافّون لا يتزايلون ، و مسبّحون لا يسأمون ، لا يغشيهم نوم العيون ، و لا سهو العقول ، و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النّسيان ، و منهم أمناء على وحيه ، و ألسنة إلى رسله ، و مختلفون بقضائه و أمره ، و منهم الحفظة لعباده ، و السّدنة لأبواب جنانه ، و منهم الثّابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، و المارقة من السّماء العليا أعناقهم ، و الخارجة من الأقطار أركانهم ، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ، متلفّعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزّة [ 3 ] و أستار القدرة ، لا يتوهّمون ربّهم بالتّصوير ، و لا يجرون عليه صفات المصنوعين ، و لا يحدّونه بالأماكن ، و لا يشيرون إليه بالنّظاير . » اللغة ( أطوار ) جمع طور كثوب و أثواب ، و هو في الأصل التّارة يقال : أتيته طورا بعد طور ، أى تارة بعد تارة ، و يجي‏ء بمعنى الحالة ، و المراد به هنا الأصناف المختلفة كما فسّر به قوله تعالى : « و قد خلقكم أطوارا » . أى مختلفين في الصّفات ، أغنياء و فقراء ، و زمناء و أصحاء ، ( و الملائكة ) مأخوذة من الالوك و هو الرّسالة ، يقال : ألك بين القوم ألكا من باب ضرب ، و الألوك الرّسول ، و واحدها ملك ، و أصله على ما قاله الفيومي ملأك ، و وزنه معفل ، فنقلت حركة الهمزة إلى اللاّم و سقطت لكثرة الاستعمال فوزنه معفل فانّ الفاء هى الهمزة و قد سقطت ، و قيل : مأخوذ من لاك إذا ارسل ، فملاءك مفعل فنقل الحركة و سقطت الهمزة و هى عين ، فوزنه مفل و على كل تقدير فملك إمّا اسم مكان بمعنى محلّ الرّسالة ، أو مصدر ميميّ بمعنى المفعول ( و السّجود ) و ( الرّكوع ) هنا جمع ساجد و راكع ، و فاعل الصّفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضا ( و الانتصاب ) القيام ( و الصّف ) من صففت الشي‏ء من باب نصر إذا نظمته طولا مستويا و منه صفّ الجماعة ( و التزايل ) التّفارق ( و السّامة ) الملالة و الضّجر ( و يغشيهم ) مضارع غشيته أى أتيته ( و الفترة ) الانكسار و الضّعف ( و السّدنة ) جمع سادن كخدمة و خادم لفظا و معنى ( و المارقة ) أى الخارجة يقال : مرق السّهم من الرّمية إذا خرج من الجانب الآخر ( و الاقطار ) الأطراف ( و الأركان ) جمع الرّكن كأقفال و قفل و هو جانب الشّي ، و المراد هنا الأجزآء و الجوارح ( و النّاكس ) المتاطي‏ء رأسه ( و تلفّع ) بالثّوب تلحف و اشتمل به ( و النظاير ) جمع نظيرة و هي [ 4 ] المثل و الشّبه في الأشكال و الأفعال و الأخلاق ، و النّظير المثل في كلّ شي‏ء قيل 1 : و في بعض النّسخ بالنّواظر ، أى بالابصار ، و في بعضها بالمواطن أى بالأمكنة . الاعراب كلمة ثمّ هنا للتّرتيب الحقيقي فيكون فتق السّماوات بعد خلق الشّمس و القمر بل بعد جعلها سبعا و خلق الكواكب فيها ، و يحتمل أن يكون للتّرتيب الذكري ، و ناكسة و تالياها مرفوعات على أنّها أوصاف للمناسبة المرفوعة بالابتداء أو معطوفات عليها أو على الثّابتة بحذف العاطف ، و مسوغ الابتداء في المعطوفات مع نكارتها إمّا عطفها على ما يصح الابتداء ، أو كون الخبر مجرورا ، مثل و لكلّ أجل كتاب ، أو كون الصفة عاملة عمل الرّفع ، و هذه قواعد ثلاث من القواعد المصحّحة للابتداء بالنكرات ، صرّح به ابن هشام في المغني ، أو لقيام الصّفة مقام الموصوف و هو رابع القواعد المسوّغة للابتداء بالنكرة كما قرّر في الأدبيّة ، مثل مؤمن خير من مشرك ، أى رجل مؤمن خير ، و يحتمل أن يكون ناكسة و المرفوعان بعدها خبرا لمبتداء محذوف ، و الجملة استينافا بيانيّا كأنّه سئل عن حال الملائكة المتّصفة بالأوصاف السّالفة و عن شأنهم ، فقال عليه السّلام : هم ناكسة الأبصار دون العرش هذا و عن بعض النّسخ ناكسة و متلفعين و مضروبة بالنّصب على الحالية ، و مثلها محلّ الجملات بعدها ، أعني قوله لا يتوهّمون اه . المعنى لما ذكر عليه السّلام كيفيّة خلق السّماوات السّبع و تزيينها بزينة الشّمس و القمر و الكواكب ، أشار بعد ذلك إلى سكّانها و حالات السّاكنين فيها و صفاتهم و أصنافهم المختلفة باختلاف الصّفات ، و أقسامهم الكثيرة بكثرة الشّئون و الحالات فقال عليه السّلام : ( ثم فتق ما بين السّماوات العلى ) المستفاد من كلام الشّارح البحراني أن كلمة ثمّ هنا للتّرتيب الذّكري حيث قال : فان قلت : لم أخر ذكر فتق السّماوات و إسكان ----------- ( 1 ) المجلسى ره منه . [ 5 ] الملائكة لها عن ذكر إجراء الشّمس و القمر و تزيينها بالكواكب و معلوم أنّ فتقها متقدّم على اختصاص بعضها ببعض الكواكب ؟ قلت : إنّ إشارته إلى تسوية السماوات إشارة جمليّة ، فكأنّه قدّر أوّلا أن خلق السّماوات كرة واحدة كما عليه بعض المفسرين ، ثم ذكر علياهنّ و سفلاهن لجريانهما مجرى السّطحين الدّاخل و الخارج لتلك الكرة ، ثم أشار إلى بعض كمالاتها و هي الكواكب و الشّمس و القمر جملة ، ثم بعد ذلك أراد التّفصيل فأشار إلى تفصيلها و تمييز بعضها عن بعض بالفتق و إسكان كلّ واحدة منهنّ ملاء معيّنا من الملائكة ، ثم عقب ذلك بتفصيل الملائكة ، و لا شك أن تقديم الاجمال و تعقيبه بالتفصيل أولى في الفصاحة انتهى . أقول : ظاهر كلمة ثمّ و ظاهر سياق كلامه عليه السّلام أنّها هنا للتّرتيب الحقيقي فيستفاد منهما أن خلق السّماوات بعد خلق الشّمس و القمر و الكواكب ، و بعد جعلها سببا ، و دعوى معلوميّة تقدّم الفتق على اختصاص بعضها ببعض الكواكب ممنوعة إذ لم يقم دليل على التقدّم ، بل يمكن أن يكون السّماوات السّبع مرتتقة مطبقة مخلوقة فيها الكواكب ، ثم فصّل بينها بالهواء و نحوه ، كما روي نظيره في مجمع البيان عن ابن عبّاس في تفسير الآية الشّريفة : « أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما » . حيث قال : المعنى كما كانتا ملتزقتين منسدّتين ففصّلنا بينهما بالهواء ، عن ابن عبّاس و غيره انتهى . فان قيل : قد مضى في ثالث تنبيهات الفصل السّابق في حديث أبي جعفر عليه السّلام ما يدل على بطلان هذا التّفسير ، حيث أمر الشامي بالاستغفار عن زعم كون المراد بالرّتق و الفتق الالتصاق و الانفصال إلى آخر ما مضى . قلت : ما ذكرناه هنا من مجمع البيان إنّما هو على سبيل التّنظير ، ضرورة أنّ كلامنا في فتق السّماوات ، و تفسير ابن عبّاس كالحديث السّابق ناظران إلى [ 6 ] فتق السّماء و الأرض ، و أحدهما غير الآخر ، و بطلان احتمال الالتصاق بين السّماء و الأرض بدليل خاص لا يوجب بطلان احتمال الالتصاق في السّماوات السّبع . و الحاصل أنّه لا دليل على كون ثمّ في كلامه عليه السّلام للترتيب الذكري بخصوصه بل يحتمل ذلك و كونها للترتيب المعنوي ، و على أى تقدير ففي كلامه عليه السّلام دلالة على بطلان مذهب الفلاسفة من تماس الأفلاك و عدم الفصل بينهما بهواء و نحوه . و كيف كان فلما خلق اللّه سبحانه السّماوات و فصّل بعضها عن بعض ( ملأهنّ أطوارا من ملائكته ) و أسكنهم فيها على وفق ما يقتضيه تدبيره و حكمته ، و للنّاس في ماهية الملائكة آراء متشتّة و أهواء مختلفة . فمنهم من قال : إنّها أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في العلم و القدرة على الأفعال الشّاقة ، مسكنها السّماوات ، رسل اللّه إلى أنبيائه و امناءه على وحيه يسبّحون اللّيل و النّهار لا يفترون ، و لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون ، نسبه في شرح المقاصد إلى أكثر الامة و الفخر الرّازي إلى أكثر المسلمين . و منهم من قال : إنّها هي هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد و الانحاس ، المسعدات ملائكة الرّحمة ، و المنحسات ملائكة العذاب ، و هو مذهب عبدة الأوثان . و منهم من قال : إنّهم متولّدون من جوهر النّور لا على سبيل التناكح ، بل على سبيل تولد الضوء من المضي‏ء ، و الحكمة من الحكيم ، كما أنّ الشّياطين متولدون من جوهر الظلمة حسب تولد السّفه من السّفيه ، و هو رأى معظم المجوس و الثّنويّة المثبتين للأصلين حسب ما مر تفصيله في شرح الفصل السّابع من فصول الخطبة ، و هذه الأقوال متّفقة في كون الملائكة أشياء متحيزة جسمانية . و منهم من قال : إنّهم في الحقيقة هي الأنفس النّاطقة بذاتها المفارقة للأبدان [ 7 ] على نعت الصّفا و الخيريّة ، كما أنّ الشّياطين هي الأنفس النّاطقة على وصف الخباثة و الكدرة ، و هو قول طائفة من النّصارى . و منهم من ذهب إلى أنّها جواهر قائمة بأنفسها و مخالفة بنوع النّفوس النّاطقة البشريّة من حيث الماهيّة و أكمل منها قوة ، و أكثر علما ، و إنّما النفوس البشريّة جارية منها مجرى الأضواء بالنسبة إلى الشّمس ، ثمّ إنّ هذه الجواهر على قسمين منها ما هي بالنّسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا النّاطقة بالنسبة إلى أبداننا و منها ما هي أعلى شأنا من تدبير أجرام الأفلاك ، بل هي مستغرقة في معرفة اللّه و محبّته ، و مشتغلة بطاعته ، و هذا القسم هم الملائكة المقرّبون ، و نسبتهم إلى الملائكة الذين يدبّرون السّماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة ، و هذان القسمان اتّفقت الفلاسفة على إثباتهما . و منهم من أثبت نوعا آخر و هي الملائكة المدبّرة لأحوال هذا العالم السفلي ثم قالوا : إنّ المدبرات إن كانت خيرات فهم الملائكة ، و إن كانت شريرة فهم الشّياطين ، و هذه الأقوال الأخيرة متّفقة في نفي التّحيز و الجسمية عنها هذا . و قال المحدّث المجلسي طاب ثراه في البحار : اعلم أنه اجتمعت الاماميّة بل جميع المسلمين إلاّ من شذّ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب اصولهم و تضييع عقايدهم : على وجود الملائكة ، و أنّهم أجسام لطيفة نورانية اولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع و أكثر قادرون على التّشكل بالاشكال المختلفة ، و أنّه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما شاء من الأشكال و الصّور على حسب الحكم و المصالح ، و لهم حركات صعودا و هبوطا ، و كانوا يراهم الأنبياء و الاوصياء عليهم السّلام ، و القول بتجرّدهم و تأويلهم بالعقول و النّفوس الفلكية و القوى و الطبايع و تأويل الآيات المتظافرة و الأخبار المتواترة تعويلا على شبهات واهية و استبعادات وهميّة ، زيغ عن سبيل الهدى ، و اتّباع لأهل الهوى و العمى انتهى . ثمّ إنّ للملائكة أقساما لا تحصى حاصلة من اختلافهم في النّعوت و الصّفات ، و تفاوتهم في المراتب و الدّرجات ، فمنهم الكرّوبيون و منهم الرّوحانيون و منهم [ 8 ] المدبّرون و منهم الحافظون و منهم المسبحون و منهم الصّافون و منهم أمناء الوحى و سفراء الرسل و منهم الخزنة للجنان و منهم الزّبانية للنيران إلى غير ذلك ، و قد أشار إلى جملة منها الامام سيّد السّاجدين و زين العابدين عليه السّلام في دعاء الصّحيفة في الصلاة على حملة العرش و كل ملك مقرّب ، و أمّا الامام عليه السّلام فقد قسمهم هنا إلى أقسام أربعة و فصّلهم بكلمة من ، و الظاهر أنّ القسمة ليست حقيقية ، بأن يكون بين الأقسام تباينا و انفصالا حقيقيا ، ضرورة جواز اتّصاف بعض هذا الأقسام بالأوصاف الثّابتة لغيره ، و جواز اجتماع اثنين منها ، أو ثلاثة أو جميع الأربعة في نوع واحد أو فرد واحد كما قال عليه السّلام في الصّحيفة السّجادية : « أللّهم و حملة عرشك الّذين لا يفترون من تسبيحك ، و لا يسأمون من تقديسك » . حيث أثبت لحملة العرش كونهم مسبحين و قد فصل 1 هنا حيث قال عليه السّلام : و مسبّحون لا يسأمون ، و منهم الثّابتة اه و قد علم ممّا ذكرنا أنّ هذه القسمة ليست أيضا بعنوان منع الجمع ، فبقي كونها بعنوان منع الخلوّ ، أو جميع أصناف الملائكة من المذكورين هنا و غيرهم يمكن دخوله في قوله عليه السّلام : و مسبّحون لا يسأمون ، إذ ما من ملك إلاّ و هو مسبّح له سبحانه كما قال سبحانه حكاية عنهم : و نحن نسبح بحمدك ، غاية الأمر أنّ بعضا منهم متّصف مع ذلك بصفة اخرى أوجبت جعله قسما برأسه فافهم . و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام القطب الرّاوندي على ما حكى عنه الشّارح المعتزلي من جعله حفظة العباد و السّدنة لأبواب الجنان مع امناء الوحى قسما واحدا و ارجاعه الأقسام الأربعة إلى الثلاثة ، كما يظهر منه أيضا ما في كلام الشّارح البحراني من جعله امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفين بالقضاء و الأمر ، داخلين في الأقسام السّابقة على هذا القسم في كلامه عليه السّلام ، لما عرفت من أنّ ----------- ( 1 ) اى بين المسبحين و بين حملة العرش منه [ 9 ] تفصيله في الأقسام باعتبار اختلاف الصّفات ، لا باعتبار القسمة الحقيقية ، و معه لا داعى إلى تقليل الأقسام و إرجاع بعضها إلى بعض و إدخالها فيه ، و إن كان المقصود بيان أن حفظة العباد و السدنة للأبواب كما أنّ فيهم وصف الحافظة و السدانة كذلك فيهم وصف الامانة . فنقول : إنّ فيهم وصف المسبحية أيضا فما الدّاعى إلى جعلهم مع الامناء بخصوصهم قسما واحدا ، و كذلك نقول : إنّ اتّصاف امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفين بالقضاء و الأمر ، بكونهم مع ذلك أيضا سجودا لا يركعون مثلا لا يوجب إدخالهم في هذا القسم ، لانّا نقول : إنّهم متّصفون مع ذلك بكونهم حفظة العباد أيضا فانّ جبرئيل مثلا مع كونه أمين الوحى كان حافظا لابراهيم عليه السّلام مثلا عند إلقاء النّار ، و ليوسف عليه السّلام في غيابة الجبّ و نحو ذلك . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح الكلام و توضيح الأقسام التي أشار إليها بقوله : ( فمنهم ) أى القسم الأوّل منهم ( سجود لا يركعون ، و ركوع لا ينتصبون ، و صافّون لا يتزايلون ، و مسبحون لا يسأمون ) يعني أنّ بعضا منهم ساجد لا يرفع رأسه من السجود ليركع ، و منهم من هو راكع لا يقوم من ركوعه ، و منهم صافّون للعبادة لا يتفارقون من مكانهم ، و منهم مسبحون لا يملّون من تسبيحهم ، كما قال سبحانه حكاية عنهم : « وَ ما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الصّآفُّونَ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » . إشارة إلى تفاوت مراتبهم و درجاتهم في العبادة ، أى ما منّا أحد الاّ له مقام معلوم في العبادة و المعرفة و الانتهاء إلى أمر اللّه في تدبير العالم ، و إنّا لنحن الصافّون في اداء الطاعة و منازل الخدمة ، و إنّا لنحن المسبحون المنزّهون اللّه عمّا لا يليق به . و قيل : إنّ المراد بالصّافين القائمون صفوفا في الصلاة ، و عن الكلبي صفوف [ 10 ] الملائكة في السماء كصفوف أهل الدّنيا في الأرض ، و عن الجبائي المعنى صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة و التّسبيح ، و المراد بالمسبحين القائلون سبحان اللّه على وجه التعظيم للّه هذا . و ينبغي أن يعلم أنّ المراد بالسجود و الرّكوع و الصّف و التسبيح في كلامه عليه السّلام ما هو المتبادر منها ، أعني وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه في الأوّل ، و الانحناء في الثّاني ، و القيام في خط مستطيل في الثّالث ، و قول سبحان اللّه و نحوه في الرابع ، و أنكر الشّارح البحراني ذلك و لا بأس بنقل عبارته لتوضيح مارامه . قال : ثمّ إنّ السّجود و الرّكوع و الصّف و التسبيح عبادات متعارفة من الحقّ و متفاوتة في استلزام كمال الخشوع و الخضوع ، و لا يمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها ، لأنّ وضع الجبهة على الأرض و انحناء الظهر و الوقوف في خط واحد و حركة اللّسان بالتسبيح امور مبنيّة على وجود هذه الآلات التي هي خاصة ببعض الحيوانات ، و بالحري أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في الخضوع و الخشوع لكبرياء اللّه و عظمته ، إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود في اللّغة هو الانقياد و الخضوع كما مر . إذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يكون قوله منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربين ، لأن درجتهم أكمل درجات الملائكة ، فكانت نسبة عبادتهم و خضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الرّكوع . فان قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقرّبين مبرؤون عن تدبير الأجسام و التعلّق بها ، فكيف يستقيم أن يكونوا من سكّان السّماوات و من الأطوار الذين ملئت بهم . قلت : إنّ علاقة الشّي‏ء بالشّي‏ء و إضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ، و المناسبة هنا حاصلة بين الأجرام السّماويّة و بين هذا الطور من الملائكة ، و هي مناسبة العلّة للمعلول ، و الشّرط للمشروط انتهى ، و أشار بقوله : فان قلت : إنه قد تقدّم [ 11 ] اه ، إلى ما ذكره سابقا من أن المقرّبين هم الذّوات المقدّسة عن الجسمية و الجهة ، و عن حاجتها إلى القيام بها و عن تدبيرها اه . أقول : و أنت خبير بما فيه . أما اولا فلأنّ صرف الألفاظ المذكورة عن معانيها الظاهرة فيها حسب ما اعترف به 1 لا وجه له ، بل قد قام الأخبار المتواترة على المعنى الظاهر ، مثل ما رواه في البحار عن أبي ذر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّي أرى ما لا ترون ، و أسمع ما لا تسمعون إنّ السّماء أطت 2 و حقّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ و ملك واضع جبهته ساجد اللّه . و عن ابن جبير أنّ عمر سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله عن صلاة الملائكة فلم يرد عليه شي‏ء فأتاه جبرئيل فقال إنّ أهل سماء الدّنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك و الملكوت ، و أهل السّماء الثّانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة و الجبروت ، و أهل السّماء الثّالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحيّ الذى لا يموت . و في الأنوار عن الصّادق عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مررنا ليلة المعراج بملائكة من ملائكة اللّه عزّ و جل ، خلقهم اللّه كيف شاء ، و وضع وجوههم كيف شاء ليس شي‏ء من أطباق وجوههم إلاّ و هو يسبح اللّه و يحمده من كلّ ناحية بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتّسبيح و البكاء من خشية اللّه ، فسألت جبرئيل عنهم ، فقال : كما ترى خلقوا إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قط : و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقهم ، و لا خفضوا رؤوسهم إلى ما تحتهم ، خوفا من اللّه و خشوعا ، فسلّمت عليهم فردّوا علىّ ايماء برؤوسهم ، و لا ينظرون إلىّ من الخشوع ، فقال لهم جبرئيل : هذا محمّد نبيّ الرحمة أرسله اللّه إلى العباد رسولا و نبيّا ، و هو خاتم الأنبياء و سيّدهم ، قال : ----------- ( 1 ) اى بالظهور منه ----------- ( 2 ) ناله كرد منه [ 12 ] فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا علىّ بالسّلام ، و بشّروني و أكرموني بالخير لي و لامّتي . قال الشّارح : إنّه جاء في الخبر أنّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتّهليل و التكبير ، و من ورائهم مأة ألف صفّ قد وضعوا الايمان على الشّمائل ما منهم أحد إلاّ و هو يسبّح إلى غير ذلك ، ممّا يقف عليه المتتبّع ، فانّ نصّ الرّواية الأولى أنّ سجود الملائكة إنّما هو بوضع الجبهة ، و المستفاد من تخصيص السّاجدين بالسّماء الدّنيا و الرّاكعين بالثّانية ، و القائمين بالثّالثة ، في الرّواية الثّانية أنّ المراد من كلّ من الألفاظ المذكورة معانيها المتعارفة ، إذ لو اريد المعنى الذي ذكره الشّارح لزم أن يكون السّاجدون الذين هم أكمل خشوعا ، أدنى درجة و أسفل مكانا من الرّاكعين الذين هم أدنى خشوعا منهم ، و هكذا و هو كما ترى . و منه يظهر أيضا فساد ما ذكره الشّارح في شرحه من جعل السّاجدين عبارة عن المقرّبين ، و الراكعين عبارة عن حملة العرش ، و الصّافين عبارة عن الحافّين حول العرش ، بملاحظة أنّ زيادة الخشوع يوجب ارتفاع الدّرجة ، و السّاجد أعلى خشية من الرّاكع فيكون أعلى درجة منه ، و الرّاكع أكمل خشوعا من الصّافين فيكون أعلى مقاما منهم . وجه ظهور الفساد أنّ ما ذكره من قبيل الاستدلال بالعقل ، و لا عبرة به في مقابل النصّ الدّال على الخلاف ، و أمّا الرّواية الثّالثة فقد استفيد منها أنّ تسبيح الملائكة إنّما هو برفع الأصوات و تكلّمهم بحركة اللّسان ، حيث إنّهم ردّوا السّلام أوّلا على النّبي بالايماء ، ثم تعرض عليهم جبرئيل بالتكلّم فسلّموا عليه صلّى اللّه عليه و آله و بشروه ، و أمّا الرّواية الرّابعة فقد دلت على أنّ صفّ الملائكة إنّما هو بالقيام ، كما دلّت على تسبيحهم برفع الأصوات هذا . و ممّا ذكرناه عرفت أيضا ما في تخصيص الجوارح و الآلات ببعض الحيوات ، [ 13 ] و إنكار ثبوتها في حقّ الملائكة على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه ، فانّ هذا عجب غاية العجب ، ضرورة أنّ الملائكة لهم أيد و أرجل و عواتق و أبصار و وجوه و أجنحة إلى غير ذلك من الجوارح المثبتة لهم في الآيات و الأخبار و الآثار ، بل كان أن يكون ضروريا ، غاية الأمر أنّ جوارحهم ليس من قبيل جوارحنا كثيفة ، بل نورانية لطيفة ، و الظاهر أنّ ما ذكره من فروعات مذهب الفلاسفة المستندة إلى الأوهام السخيفة و العقول النّاقصة و الاستبعادات الوهميّة حسبما عرفت سابقا ، و لا يعباء بها قبال الأدلّة القاطعة و البراهين السّاطعة . و أما ثانيا فلأنّه لقائل أن يقول : إنّه إذا لم يكن خضوع الملائكة و خشوعهم بعنوان السّجدة و الرّكوع و القيام و التّسبيح و نحو ذلك من العناوين المتصوّرة في عبادات البشر ففي ضمن أىّ عنوان يخضعون و يخشعون ؟ و إن كان المراد بالخضوع التكويني ، ففيه أنّ الخضوع التكويني عامّ لجميع الموجودات ، و لا اختصاص له بالملائكة ، إذ كلّ شي‏ء خاضع له و مقهور تحت قدرته ، قال : « و إن من شي‏ء إلاّ يسبّح بحمده » و إن اريد الخضوع التكليفي كما هو الظاهر فلا بدّ و أن يكون التكليف في ضمن عنوان من العناوين ، و الثّابت في الأخبار أنّ عبادتهم إنّما هو في ضمن واحد من العناوين المذكورة ، و لم يثبت عنوان آخر وراء تلك العناوين من الأدلّة النّقلية و العقل لا مسرح له فيها . هذا كلّه مضافا إلى قوله سبحانه : « فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْليسَ » . فانّ ذلك مقيد للعموم من جهات عديدة ، فيدلّ على سجود جميع أصناف الملائكة [ 14 ] و آحادهم و حينئذ نقول : إنّ سجدتهم لآدم إمّا أن يكون بالعنوان المتعارف الذي هو وضع الجبهة كما هو الظاهر ، ففيه دلالة على هدم جميع ما قاله الشّارح ، و إمّا أن يكون عبارة عن مجرّد إظهار التّواضع فهو خلاف الظاهر أولا من حيث إنّهم أظهروا التّواضع لآدم ، و اعترفوا بفضيلته حين أنبأهم بالأسماء و ثانيا من حيث إن حكاية حال قوم لقوم بألفاظ مخصوصة يوجب إرادة المعاني المتعارفة عند المحكيّ لهم من هذه الألفاظ ، و لا ريب أنّ المتبادر من السّجدة هو المعنى الشرعي ، هذا كلّه مضافا إلى إفادة بعض الأخبار 1 كون سجودهم بالعنوان المتعارف ، و بعد التّنزل نقول : إنّ أكثر المفسرين احتملوا إرادة كلّ من المعنيين ، فلو لم يتصوّر في حقهم وضع الجبهة لما احتملوا ذلك بل جعلوا الآية نصّا في المعنى الآخر . و أما ثالثا فانّ احتماله كون المراد بالسّجود الملائكة المقرّبون نظرا إلى كون درجتهم أكمل الدّرجات كما أنّ خضوع السّجودي أفضل الخضوعات ممنوع ، لما قد مرّ في الرّواية السّابقة من أنّ أهل السّماء الدّنيا هم السّاجدون ، و أنّه ليس في السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فيها ملك ساجد ، مع أنّ المقرّبين عنده أرفع درجة من حملة العرش الذين هم أعلى درجة من أهل السّماء الدّنيا بمراتب ، و من أهل ساير السّماوات أيضا . و أما رابعا فانّ المستفاد من الايراد الذي أورده على نفسه من كون المقرّبين منزّهين عن تدبير الأجسام اه ، و تقريره في الجواب ذلك حيث لم يتعرّض لردّه مضافا إلى تصريحه سابقا بما ذكره في الايراد حسب ما حكيناه عنه : انّ المقربين عنده منزّهون عن الجهة و الجسميّة و تدبير الأجسام و التعلّق بها كما هو رأى الفلاسفة الذي بيّناه سابقا ، و على ذلك فنقول إنّ جبرئيل هل هو ملك مقرّب أم لا ؟ فان قال : لا ، و لا أظنّه قائلا به ، فقد ردّ قوله سبحانه في وصفه : ----------- ( 1 ) هو رواية الصادق عليه السّلام منه [ 15 ] « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَريمٍ ، ذي قوَّةٍ عِنْدَ ذي الْعَرْشِ مَكينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ » . فانّ المكانة هو القرب كما صرّح به المفسّرون ، و قوله عليه السّلام في الصحيفة السجادية : و جبرئيل الأمين على وحيك ، المطاع في أهل سمواتك ، المكين لديك المقرّب عندك » . و الأخبار الكثيرة الدالة على ذلك ، مثل ما راه عليّ بن ابراهيم في حديث المعراج قال جبرئيل : أقرب الخلق إلى اللّه أنا و إسرافيل إلى غير ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكره . و إن قال نعم و هو الظاهر من كلامه بل صريحه في ذيل قوله : و منهم امناء على وحيه ، فنقول : إنّه كيف لا يكون في جهة و مكان و لقد قال سبحانه : « وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ » . و قال : « وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْاُفُقِ الْمُبينِ » . و كيف يمكن انكار جسميّته و قد ملاء ما بين الخافقين بأجنحته ، و كيف ينكر تدبيره الأجسام مع أنّه كان ناصرا للنبي صلّى اللّه عليه و آله في غزواته ، و مصاحبا معه في خلواته ، و قالعا لبلاد قوم لوط ، و مهلكا بصيحته لثمود ، و قد وصفه اللّه بكونه مطاعا في السّماوات و معناه أن يطاع له في الأمر و النّهى ، و معلوم أن الأمر و النّهي إنّما يكونان لتدبير الامور . و أما خامسا فانّ ما ذكره من كفاية أدنى الملابسة في صحّة الاضافة مسلّم ، إلاّ أنّ هذا الجواب يدفعه ما مرّ في الرواية ، من أنّه ليس في السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فيها ملك ساجد ، و مثله ، الرّواية الاخرى ، فانّهما صريحتان في سكون الملائكة السّاجدين في السّماء بعنوان الحقيقة لا بعنوان المجاز . و أما سادسا فانّ قوله : و المناسبة حاصلة بين الأجرام السّماوية و بين هذا [ 16 ] الطور من الملائكة ، و هي مناسبة العلّة للمعلول ، و الشرط للمشروط ، ممّا لا يفهم معناه . إذ العلّة الفاعلي للسّماوات هو اللّه سبحانه ، و العلة المادّي هو الماء أو الدّخان أو الزّبد أو نور محمّد صلّى اللّه عليه و آله على ما مرّ ، و لا عليّة للملائكة في شي‏ء منها ، و القول بأنّه سبحانه علّة العلل و إنّ العلّة للسّماوات العقول المجرّدة ، هو مذهب الفلاسفة الباطل عند الاماميّة . و كيف كان فقد وضح و ظهر أنّ الملائكة المشغولين بطاعة اللّه على أصناف أربعة : منهم سجود ، و منهم ركوع ، و منهم صفوف لا يتفارقون عن صفّهم و منهم مسبحون لا يملّون من تسبيحهم بل يتقوّون به ، كما قال سبحانه : « فَالَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ باللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ » . ( لا يغشيهم نوم العيون ) الظاهر رجوع الضمير إلى الصّنف السّابق ، و الظاهر اطراد الأوصاف في الجميع . ثمّ مفاد كلامه عليه السّلام عدم غشيان النّوم للملائكة و علّله الشّارح البحراني ( ره ) بأنّ غشيان النّوم لهم مستلزم لصحة النّوم عليهم ، و اللازم باطل في حقهم ، فالملزوم مثله ، أمّا الملازمة فظاهرة ، و أمّا بطلان اللازم فلأنّ النّوم عبارة عن تعطيل الحواسّ الظاهرة عن أفعالها ، لعدم انصباب الرّوح النّفساني اليها ، أو رجوعها بعد الكلال و الضعف ، و الملائكة السّماويّة منزّهون عن هذه الأسباب و الآلات ، فوجب أن يكون النّوم غير صحيح في حقهم فوجب أن لا يغشيهم . و عن القطب الرّاوندي أنّ معنى قولهم لا يغشيهم نوم العيون يقتضي أنّ لهم نوما قليلا لا يغفلهم عن ذكر اللّه ، فامّا الباري سبحانه فانّه لا تأخذه سنة و لا نوم أصلا مع أنّه حيّ ، و هذه هي المدحة العظمى . و أورد عليه الشّارح المعتزلي بقوله : و لقائل أن يقول : لو ناموا قليلا لكانوا زمان النّوم و إن قلّ غافلين عن ذكر اللّه ، لأنّ الجمع بين النّوم و بين الذّكر « ج 1 » [ 17 ] يستحيل ، ثمّ قال ، و الصّحيح أنّ الملك لا يجوز عليه النّوم كما لا يجوز عليه الأكل و الشّرب ، لأنّ النّوم من توابع المزاج و الملك لا مزاج له ، و أمّا مدح الباري بأنّه لا تأخذه سنة و لا نوم فخارج عن هذا الباب ، لأنّه يستحيل عليه النّوم استحالة ذاتية لا يجوز تبدّلها ، و الملك يجوز أن يخرج عن كونه ملكا بأن يخلق في أجزاء جسميّة رطوبة و يبوسة و حرارة و برودة يحصل من اجتماعها مزاج و يتبع ذلك المزاج النّوم ، فاستحالة النّوم عليه إنّما هي ما دام ملكا ، فهو كقولك : الماء بارد ، أى ما دام ماء لأنّه يمكن أن يستحيل هواء ثم نارا فلا يكون باردا لأنّه ليس حينئذ ماء ، و الباري جلّت عظمته يستحيل على ذاته أن يتغير ، فاستحال عليه النّوم استحالة مطلقة مع أنّه حيّ ، و من هذا نشأ التمدّح انتهى . و ظاهره كما ترى إنكار صحة النّوم عليه مطلقا و استحالته في حقّه ، لأنّ تجويزه له مع الخروج عن حقيقته الملكية ممّا لا يقابل بالانكار و خارج عن محلّ الكلام ، و أمّا المستفاد من الكلام المحكي عن الرّاوندي فهو أنّه يعرضهم حالة السنة و هو أوّل النّعاس و لا يعرضهم النوم الموجب للغفلة . و يمكن الاستشهاد عليه بما رواه الصدوق باسناده عن داود العطار ، قال : قال لي بعض أصحابي : أخبرني عن الملائكة أينامون ؟ فقلت : لا أدري ، فقال : يقول اللّه عزّ و جلّ : « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » . ثم قال : ألا اطرقك عن أبي عبد اللّه عليه السّلام فيه بشي‏ء ؟ قلت : بلى ، فقال : سئل عن ذلك فقال : ما من حيّ إلاّ و هو ينام ما خلا اللّه وحده عزّ و جلّ : فقلت : يقول اللّه عزّ و جل يسبّحون اللّيل و النّهار لا يفترون ، فقال : أنفاسهم تسبيح هذا . و به ظهر الجواب عمّا أورده الشّارح المعتزلي بأنّهم لو ناموا قليلا لكانوا زمان النّوم غافلين ، كما ظهر به وجه الجمع بين قوله عليه السّلام : لا يغشيهم نوم العيون ، و بين الرّواية المرويّة في العلل لمحمد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، قال : سئل [ 18 ] أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الملائكة يأكلون و يشربون و ينكحون ، فقال : لا ، إنهم يعيشون بنسيم العرش ، فقيل له : ما العلّة في نومهم ؟ فقال : فرقا بينهم و بين اللّه عزّ و جلّ ، لأنّ الذي لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّه . و حاصل الجمع أن يحمل النوم في هذه الرّواية و ما شابهها من الأخبار المثبتة له ، على النوم القليل المعبر عنه بالسنة الغير المانعة عن الذكر و التسبيح . و في قوله لا يغشيهم نوم العيون على النوم الغالب الموجب للغفلة ، و لا يبعد استفادة هذا المعنى من قوله : لا يغشيهم ، كما ذكره الرّاوندي بأخذه من الغشي الموجب لتعطيل القوى المحركة ، إلاّ أنه خلاف الظاهر ، و الظاهر أنه مأخوذ من غشيته إذا أتيته ، فلا دلالة فيه من حيث الوضع ، و إنما الدّلالة باقتضاء الجمع الذي ذكرناه ، و عليه فالمعنى أنه لا يأتيهم نوم العيون الموجب للغفلة ، كما يأتي غيرهم . و هذا نظير ما روي في خواص النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، من أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه انتظار اللوحى الالهي ، فالنوم و إن اعتراه ، لكنه لا يعطله عن مراقبة ربه سبحانه كما يعطل غيره و اللّه العالم ( و لا سهو العقول ، و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النسيان ) الفرق بين السهو و النسيان و الغفلة : أن السهو هو عزوب الشي‏ء و انمحاؤه عن القوّة الذاكرة مع ثبوته في الحافظة بحيث يلحظ الذّهن عند الالتفات إليه ، و النسيان هو ذهابه عنهما معا بحيث يحتاج في تحصيله إلى كسب جديد ، و الغفلة أعمّ منهما ، و لما كان هذه الامور الثلاثة من عوارض القوى الانسانية صحّ سلبها عن الملائكة ، لعدم وجود تلك المعروضات فيهم كما في الانسان ، و سلب الأعمّ و إن كان مستلزما لسلب الأخص إلاّ أنّه عليه السّلام جمع فيهما لزيادة التّوكيد . و أمّا سلب فتور الأبدان فلأنّ الفتور هو وقوف الأعضاء البدنية عن العمل بسبب تحلّل الأرواح البدنية و ضعفها و رجوعها للاستراحة ، و كلّ ذلك من توابع المزاج الحيواني ، فلا جرم صحّ سلبه عنهم ، وفاقا لقوله سبحانه : يسبّحون الليل و النّهار لا يفترون . ( و ) القسم الثّاني ( منهم امناء على وحيه ) الحافظون له مؤدّين إيّاه إلى رسله [ 19 ] جمع الأمين و هو الحافظ لما كلّف بحفظه على ما هو عليه ليؤدّيه إلى مستحقّه ، قال سبحانه : « ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمينٍ » روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لجبرئيل : ما أحسن ما أثنى عليك ربّك : ذي قوّة عند ذي العرش اه فما كانت قوّتك ؟ و ما كانت أمانتك ؟ فقال : و أمّا قوّتي فانّي بعثت إلى مداين لوط و هي أربع مداين في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذّراري ، فحملتهم من الأرض السّفلى حتّى سمع أهل السّماوات أصوات الدّجاج و نباح الكلاب ، ثمّ هويت بهنّ . و أمّا أمانتي فانّي لم اومر بشي‏ء فعدلت إلى غيره ، و في رواية اخرى فعدوته إلى غيره . و امّا امناء الوحى فقد اشير إليهم في جملة من الأخبار . مثل ما رواه في الاختصاص باسناده عن ابن عبّاس ، قال عبد اللّه بن سلام للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيما سأله : من أخبرك ؟ قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : جبرئيل ، قال : عمّن ؟ قال : عن ميكائيل ، قال : عمّن ؟ قال عن إسرافيل ، قال : عمّن ؟ قال : عن اللّوح المحفوظ ، قال : عمّن ؟ قال : عن القلم ، قال : عمّن ؟ قال : عن ربّ العالمين ، قال : صدقت . و نظيره ما رواه الصّدوق في العيون باسناده عن علي بن هلال ، عن عليّ بن موسى الرّضا ، عن موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن عليّ ، عن عليّ بن الحسين ، عن الحسين بن عليّ ، عن عليّ بن أبي طالب ، عن النّبي عليهم السّلام ، عن جبرئيل ، عن ميكائيل ، عن إسرافيل ، عن اللّوح ، عن القلم ، قال اللّه عزّ و جلّ : ولاية عليّ بن أبي طالب حصني ، و من دخل حصني أمن من عذابي . و في بعض الأخبار أنّ جبرئيل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وصف إسرافيل : هذا حاجب الرّبّ ، و أقرب خلق اللّه منه ، و اللّوح بين عينيه من ياقوتة حمراء ، فاذا تكلّم الرّبّ بالوحى ضرب اللّوح جبينه ، فنظر فيه ثمّ ألقى إلينا نسعى به في السّماوات و الأرض . [ 20 ] و لعلّ الاختلاف فيها محمول على اختلاف الكيفيات ، أو بحسب اختلاف المقامات ، و المستفاد من الرّواية الأخيرة كظاهر الاولى كون اللوح ورقا ، كما أنّ مفاد الثّانية كونه ملكا ، و كلاهما ممّا ورد في الأخبار كالقلم ، و قد ظهر من هذه الأخبار كيفيّة تلقّي الوحي . و في رواية اخرى بنحو آخر ، و هو ما روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لجبرئيل : من أين تأخذ الوحى ؟ قال : آخذه من اسرافيل ، قال : من أين يأخذه إسرافيل ؟ قال : يأخذه من ملك فوقه من الرّوحانيّين ، قال : ممّن يأخذه ذلك الملك ؟ قال : يقذف في قلبه قذفا هذا . و قال الشّارح البحراني : يشبه أن يكون هذا القسم 1 داخلا في الأقسام السّابقة من الملائكة ، و إنّما ذكره ثانيا باعتبار وصف الامانة على الوحى و الرسالة ثم أورد على نفسه بقوله فان قلت : كيف يصحّ أن يكون هذا القسم داخلا في السّجود ، لأنّ من كان أبدا ساجدا كيف يتصوّر أن يكون مع ذلك متردّدا في الرّسالة و النّزول و الصّعود ، مختلفا بالأوامر و النّواهي إلى الرّسل ، و أجاب بقوله قلت : انّا بيّنا أنّه ليس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكيفيّة التي نحن عليها ، و إنّما هو عبارة عن كمال عبوديتهم للّه و خضوعهم تحت قدر قدرته ، و الامكان و الحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، و معلوم أنّه ليس بين السّجود بهذا المعنى و بين تردّدهم بأوامر اللّه و اختلافهم بقضائه على وفق مشيّته و أمره منافاة ، بل كلّ ذلك من كمال عبوديتهم و خضوعهم لعزّته و اعترافهم بكمال عظمته انتهى . أقول : و فيه بعد الغضّ عمّا أوردنا عليه سابقا في إدخال هذا القسم في القسم السّابق ، مضافا إلى ما ذكرناه أيضا من منع كون السّجود بمعنى الخضوع المطلق حسبما مرّ تفصيلا بما لا مزيد عليه ، أنّه جعل السّاجدين عبارة عن المقرّبين الذين ----------- ( 1 ) اى امناء الوحى منه [ 21 ] حكم فيهم بكونهم منزّهين عن الجسميّة و الجهة و سكون السّماوات و تدبير الأجسام و على ذلك فنقول له : هب أنّ السّجود بالمعنى الذي ذكرت لا ينافي الرّسالة و التردّد صعودا و هبوطا ، و الوساطة بين الحقّ و الرّسل و الاختلاف بالقضاء و الامور ، إلاّ أنّ تنزّههم عن الأصاف المذكورة ينافي هذه الأمور قطعا كما هو ظاهر لا يخفى . ( و ) لما كان الملائكة وسايط بين الحقّ سبحانه و بين رسله في تأدية خطاباته إليهم مفصحين لهم عن مكنون علمه حسن التّعبير عنهم بأنّهم ( ألسنة إلى رسله ) تشبيها لهم باللّسان المفصح عمّا في الضّمير و إنّما احتيج الى الواسطة في تبليغ الخطابات و تأديتها ، لأنّ التّخاطب يقتضي التّناسب بين المتخاطبين ، فاقتضت الحكمة توسط الملك ليتلقّف الوحى بوجهه الذي في عالم الملكوت تلقّفا روحانيّا ، و يبلغه بوجهه الذي في عالم الملك و الحكمة إلى النبي ، لأن من خواص الملك أن يتمثل للبشر فيراه جسما ، فربّما ينزل الملك إلى الصورة البشرية ، و ربّما يترقى النّبيّ إلى رتبة الملكيّة و يتعرّى عن كثرة البشريّة فيأخذ عنه الوحى ( و مختلفون لقضائه و أمره ) من الاختلاف بمعنى التردّد ، و في وصف الأئمة في بعض الخطب الآتية و في الزّيارة الجامعة : و مختلف الملائكة ، اى محل تردّدهم و يأتي توضيح ذلك في الفصل الآخر من فصول الخطبة المأة و الثامنة إن شاء اللّه . و المراد بالقضاء إمّا الحكم و هو أحد معانيه العشرة ، فيكون عطف الأمر عليه من قبيل عطف الخاصّ على العامّ و إمّا بمعنى الأمر كما فسّر به قوله : « وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » و على ذلك فالعطف للتّفسير و التّبيين ، و على التّقديرين فالمراد بالأمر الأمر التكليفي هذا . و لكن الأظهر أنّ المراد بالقضاء هو ما يساوق القدر ، و بالأمر الامورات [ 22 ] المقدّرة الحادثة في العالم السّفلي ، فيكون المعنى و مختلفون بمقتضياته و مقدراته ، و إنّما جعلنا المصدر بمعنى المفعول ، لأنّ القضاء بمعنى المصدري عبارة عن إبداع الحقّ سبحانه صور الموجودات و جميع الأشياء معقولة مفصّلة محفوظة عن التّغير في اللّوح المحفوظ ، و هو امّ الكتاب و يسمّى بالعلم الملزم ، و معلوم أنّ هذا المعنى ممّا قد فرغ عنه ، و لا يتصوّر تردّد الملائكة و تدبيرهم فيه ، و إنّما تدبيرهم في المقتضيات الموجودة على طبق ما في اللّوح المحفوظ . توضيحه أنّ القضاء كما عرفت عبارة عن إبداعه سبحانه لصور الموجودات الكلّية و الجزئية التي لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقلي و هو امّ الكتاب ثمّ لمّا كان ايجاد ما يتعلّق منها بموادّ الأجسام في موادها و إخراج المادّة من القوة إلى الفعل غير ممكن إلاّ على سبيل التّعاقب و التدرّج ، لامتناع قبولها لتلك الكثرة دفعة ، و كان الجود الالهي مقتضيا لايجادها و لتكميل المادّة بابداعها فيها و إخراج ما فيها من قبول تلك الصّور من القوّة إلى الفعل ، قدّر بلطيف حكمته وجوده زمانا لا ينقطع ليخرج فيه تلك الامور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد ، فيصير في جميع ذلك موجودة في موادّها و المادّة كاملة بها ، فالمقتضيات عبارة عن وجود هذه الأشياء مفصلة واحدا بعد واحد في موادها السّفلية الخارجية بعد أن كانت ثابتة في صحايفها العلوية بأيدي 1 المدبّرات ، و إلى هذا أشار سبحانه في قوله : « وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » و إلى هذا القسم من الملائكة أشار في قوله سبحانه : « فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » روى في مجمع البيان عن عبد الرحمان بن سابط أنّ المراد بالمدبّرات جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت و إسرافيل يدبرون أمور الدّنيا فأما جبرئيل فموكل ----------- ( 1 ) متعلق بالوجود ، منه . [ 23 ] بالرّياح و الجنود و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النّبات و أما ملك الموت بقبض الأنفس و أما اسرافيل فهو يتنزّل بالأمر عليهم ، و التدبير ليس منحصر في الأربعة حسبما تعرفه في الأخبار الآتية ، و إنّما ذكرناه لتوضيح معنى الآية ، كما أنّ الامور الواقعة فيها التّدبير لا تنحصر فيما ذكر و ستعرفه أيضا و قد ظهر بما ذكرنا معنى القضاء و المقتضيات و الملائكة المختلفون بالقضاء . و أما القدر فهو دون مرتبة القضاء ، إذ هو عبارة عن صور جميع الموجودات في لوح المحو و الاثبات على الوجه القابل للتّغيير ، و إلى ذلك الاشارة في قوله سبحانه : « يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال الصّادق عليه السّلام بعد ما سئل عنه عن هذه الآية : إن ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه فيه ما يشاء و يثبت فمن ذلك 1 الذي يردّ الدّعاء القضاء ، و ذلك الدّعاء مكتوب عليه الذي يردّ به القضاء حتّى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدّعاء فيه شيئا . و حاصل ما ذكرنا كله يرجع إلى جعل المراد بالقضاء في كلامه عليه السّلام الامور المحتومة ، و بالأمر الأمور الموقوفة و نظيره ما روى عن الصادق عليه السّلام ، قال : هما أمر ان موقوف و محتوم ، فما كان من محتوم أمضاه ، و ما كان من موقوف فله فيه المشيّة يقضي فيه ما يشاء هذا . و يحتمل أن يكون المقصود من قوله عليه السّلام : بقضائه و أمره ، أنّهم مختلفون باظهار قضائه و أمره إلى النّبي و الائمة عليهم السّلام ، و إلى ذلك وقع الاشارة في وصف الأئمة عليه السّلام بأنّهم مختلف الملائكة ، أى محلّ اختلافهم كما في الأخبار المتظافرة ، و قد عقد في الكافي بابا في ذلك ، و هو باب أن الأئمة معدن العلم و شجرة النّبوة و مختلف الملائكة ، و إليه الاشارة في قوله سبحانه : « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ » ----------- ( 1 ) يعنى من قبيل المحو و الاثبات الحديث الذى ورد يرد الدعاء القضاء ، فيض . [ 24 ] قال الصّادق عليه السّلام : إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة و الرّوح و الكتبة إلى السّماء الدّنيا فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه في تلك السّنة فاذا أراد اللّه أن يقدّم شيئا أو يؤخّره أمر الملك أن يمحو ما يشاء ، ثمّ أثبت الذي أراد . قال القمي تنزّل الملائكة و روح القدس على إمام الزّمان و يدفعون اليه ما قد كتبوه . و يشهد به ما رواه في الكافي عن الباقر عليه السّلام قال : قال اللّه عزّ و جلّ في ليلة القدر : « فيها يُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ » يقول : ينزل فيها كلّ أمر حكيم ، و المحكم ليس بشيئين إنّما هو شي‏ء واحد ، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ و جلّ ، و من حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت إنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الامور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا ، و في أمر النّاس بكذا و كذا ، و أنّه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم اللّه عز ذكره الخاصّ و المكنون و العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك اللّيلة من الأمر ثم قرء . « وَ لَوْ أَنَّ ما في الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِه‏ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزيز حَكيمٌ » و فيه أيضا عن حمران ، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال : يقدّر في ليلة القدر كلّ شي‏ء يكون في تلك السّنة إلى مثلها من قابل من خير و شرّ و طاعة و معصية و مولود و أجل و رزق ، فما قدر في تلك السّنة و قضي فهو المحتوم ، و للّه عزّ و جلّ فيه المشيّة . و المراد حسبما ذكرنا إظهار تلك المقادير للملائكة ، و إظهارهم لها إلى [ 25 ] النّبي و الأئمة عليهم السلام في تلك الليلة ، و إلاّ فالمقادير كما عرفت من الأزل إلى الأبد ثابتة في أم الكتاب هذا و بقي الكلام في أنّ المختلفين بالقضاء و الأمرهم بعض الملائكة أو جميعهم ، قال النّيسابوري : قوله تعالى : تنزّل الملائكة ، يقتضي نزول كلّ الملائكة إما إلى السّماء الدّنيا و إمّا إلى الأرض ، و هو قول الأكثرين ، و على التّقديرين فانّ المكان لا يسعهم إلاّ على سبيل التّفاوت و النّزول فوجا فوجا كأهل الحجّ ، فانّهم على كثرتهم يدخلون الكعبة أفواجا انتهى كلامه على ما حكي عنه . و لكن الظاهر من كلمة منهم في كلام الامام عليه السّلام هو أنّ المتّصفين بهذا الوصف بعض الملائكة ، و هو الظاهر ممّا روي عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل قال : إذا أتت ليلة القدر فيهبط من الملائكة إلى وليّ الأمراه ، و المستفاد من الأخبار الكثيرة أنّ جبرئيل من هذه الجملة ، و نصّ الآية الشريفة كون روح القدس منها أيضا ، و قد يفسّر بالرّوح الأمين و هو جبرئيل ، و لكن الظاهر أنّه غيره كما يدلّ عليه ما روي عن الصّادق عليه السّلام ، قال : إنّ الرّوح أعظم من جبرئيل إنّ جبرئيل من الملائكة و الرّوح هو خلق أعظم من الملائكة ، أليس يقول اللّه تبارك و تعالى : تنزّل الملائكة و الروح . و في شرح الصّحيفة قال : أتى رجل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يسأله عن الرّوح أليس هو جبرئيل ؟ فقال له : جبرئيل من الملائكة و الرّوح غير جبرئيل ، فقال له : لقد قلت عظيما من القول ، ما أحد يزعم أن الرّوح غير جبرئيل ، فقال له علي عليه السّلام : إنك ضال تروي عن أهل الضّلال ، يقول اللّه تبارك و تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله : « أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ » و الرّوح غير جبرئيل . و عنه عليه السّلام أيضا انّ له سبعين ألف وجه ، و لكلّ وجه سبعون ألف لسان ، لكلّ لسان سبعون لغة يسبّح اللّه تعالى بتلك اللغات كلّها ، و يخلق اللّه تعالى من [ 26 ] تسبيحه ملكا يطير مع الملائكة ، و لم يخلق اللّه أعظم من الرّوح غير العرش ، و لو شاء أن يبلغ السّماوات السّبع و الأرضين السّبع بلقمة واحدة لفعل ، فسبحان من هو على كلّ شي‏ء قدير ، و مثلهما في البحار . ( و ) القسم الثّالث ( منهم الحفظة لعباده ) ظاهر العبارة أنّ المراد بهم حفظة العباد من المعاطب و المهالك لا الحفظة عليهم يحفظون على العبد عمله ، فهم من اشير اليهم في قوله : « لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِه‏ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » روى في المجمع عن علي عليه السّلام أنّهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتّى ينتهوا به إلى المقادير . و في الصّافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن الصّادق عليه السّلام إنّ هذه الآية قرئت عنده ، فقال لقاريها : ألستم عربا ؟ فكيف يكون المعقّبات من بين يديه و إنّما المعقّب من خلفه ، فقال الرّجل جعلت فداك : كيف هذا ؟ فقال : إنّما نزلت له : معقّبات من خلفه ، و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر اللّه ، و من ذا الذي يقدر أن يحفظ لشي‏ء من أمر اللّه و هم الملائكة الموكلون بالنّاس ، و مثله عن العيّاشي . و عنه أيضا عن الباقر عليه السّلام من أمر اللّه يقول بأمر اللّه من أن يقع في ركي 1 ، أو يقع عليه حايط ، أو يصيبه شي‏ء حتّى إذا نزل القدر خلوا بينه و بينه يدفعونه إلى المقادير و هما ملكان يحفظانه بالليل ، و ملكان يحفظانه بالنّهار يتعاقبانه ( و السّدنة لأبواب جنانه ) أى المتولون لأبواب الجنان بفتحها و إغلاقها و إدخال من اذن لهم بالدّخول . أقول : أمّا الجنان فعلى ما اشير إليه في القرآن ثمان : جنة النّعيم و جنة الفردوس و جنة الخلد و جنة الماوى و جنة عدن و دار السّلام و دار القرار و جنة عرضها السّماوات و الأرض ، و في بعض كتب الأخبار تسمية الأخيرة بالوسيلة . ----------- ( 1 ) الركى هو البئر منه [ 27 ] و أمّا أبوابها فثمانية أيضا على ما في بعض كتب الأخبار : الباب الاول اسمه التّوبة و الثانى الزكاة و الثالث الصّلاة و الرابع الأمر و النهى و الخامس الحجّ و السادس الورع و السابع الجهاد و الثامن الصّبر . و في الصّافي عن الخصال ، عن الصّادق عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ عليهم السّلام قال : إنّ للجنّة ثمانية أبواب : باب يدخل منه النّبيّون و الصّديقون ، و باب يدخل منه الشّهداء و الصّالحون ، و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبّونا ، فلا أزال واقفا على الصّراط أدعو و أقول ربّ سلّم شيعتي و محبّي و أنصاري و أوليائي و من تولاّني في دار الدّنيا ، فاذا النداء من بطنان 1 العرش قد اجيبت دعوتك ، و شفعت في شيعتك و يشفع كلّ رجل من شيعتي و من تولاني و نصرني و حارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه و أقربائه ، و باب يدخل منه ساير المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلاّ اللّه و لم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت . و عن الباقر عليه السّلام أحسنوا الظنّ باللّه و اعلموا أنّ للجنّة ثمانية أبواب عرض كلّ باب منها مسيرة أربعمائة سنة . و أمّا سدنتها و خزّانها فقد اشير إليه في سورة الزّمر ، قال سبحانه : « وَ سيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى‏ إذا جآؤُها وَ فُتِحَت أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدينَ » و في الأنوار في حديث المحشر فاذا أتوا إلى رضوان اللّه و هو جالس على باب الجنّة و معه سبعون ألف ملك ، مع كلّ ملك سبعون ألف ملك فينظر إليهم و هم في أقبح صورة من سواد البدن و طول الشّعر و كونهم عزلا 1 بلا ختان ، فقال لهم : كيف تدخلون الجنّة و تعانقون ----------- ( 1 ) اى وسطه منه ----------- ( 2 ) و عزل عزلا من باب تعب اذا لم يختن ، مجمع البحرين [ 28 ] الحور العين على هذه الهيئة ؟ فيأمر جماعة من الملائكة الواقفين أمامه فيذهبون بالمؤمنين إلى عين ماء عند جدار الجنّة ، و هي عين الحياة فاذا اغتسلوا فيها صار وجه كلّ واحد منهم كالبدر في تمامه و تسقط شعورهم و غلفهم 1 و تبيضّ قلوبهم من النّفاق و الحسد و الكذب و الرّذائل و الأوصاف الذّميمة حتّى لا يتحاسدوا في الجنّة بعلوّ الدّرجات و التّفاوت في المراتب ، فيصير كلّ واحد منهم بصورة ابن أربعة عشر سنة ، و يعطى حسن يوسف ، و صوت داود ، و صبر أيوب ، فاذا أتوا إلى باب الجنّة وجدوا على بابها حلقة تطنّ 2 عند كلّ من يدخلها و يقول في طنينها : يا علي ، لكنها تطنّ عند كلّ داخل بطنين خاصّ ليس كالطنين الآخر ، فيعرف بذلك الطنين أهل المؤمن في منازله و خدمه و حور العين إن هذا فلان فيأتون لاستقباله هذا . و قد اشير إلى طايفة من السّدنة و الأبواب في حديث الجنان و النوق من روضة الكافي ، و هو ما رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب عن محمّد بن اسحاق المدني عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سئل عن قول اللّه : « يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً » فقال : يا عليّ إنّ الوفد لا يكونون إلاّ ركبانا ، اولئك رجال اتّقوا اللّه فأحبّهم اللّه عزّ ذكره و اختصهم و رضي أعمالهم فسمّاهم المتّقين . ثم قال له : يا علي أما و الذي فلق الحبّة و برى‏ء النّسمة إنّهم ليخرجون من قبورهم ، و إنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ عليها رحائل الذّهب مكلّلة بالدّر ----------- ( 1 ) و غلف غلفا من باب تعب اذا لم يختن فهو اغلف و الانثى غلفاء و الجمع غلف من باب احمر ، مصباح اللغة ----------- ( 2 ) طن الذباب و غيره يطن من باب ضرب طنينا صوت ، مصباح . [ 29 ] و الياقوت و جلائلها 1 الاستبرق و السّندس و خطمها 2 جندل الأرجوان ، تطير بهم إلى المحشر مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدامه و عن يمينه و عن شماله يزفونهم 3 زفّا حتّى ينتهوا بهم الى باب الجنّة الأعظم و على باب الجنّة شجرة إنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من النّاس ، و عن يمين الشّجرة عين مطهرة مزكية ، قال : فيسقون منها فيطهر اللّه بها قلوبهم من الحسد ، و يسقط عن أبشارهم الشّعر و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : « وَ سَقيهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » من تلك العين المطهرة . قال : ثم يصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشّجرة فيغتسلون فيها و هى عين الحياة فلا يموتون أبدا . قال : ثمّ يوقف بهم قدام العرش و قد سلموا من الآفات و الأسقام و الحرّ و البرد أبدا ، قال : فيقول الجبار جلّ ذكره للملائكة الذين معهم : احشروا أوليائي إلى الجنّة و لا توقفوهم مع الخلايق ، فقد سبق رضائي عنهم و وجبت رحمتي لهم و كيف اريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات و السيّئات . قال ، فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة ، فاذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة ضربة تصرّ صريرا يبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها اللّه عزّ و جلّ لأوليائه في الجنان ، فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة ، فيقول بعضهم لبعض : قد جائنا أولياء اللّه ، فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنّة ، و تشرف عليهم أزواجهم من ----------- ( 1 ) جمع جلال بكسر الجيم و هو جمع جل بالضم منه ----------- ( 2 ) جمع خطام چو بهائى كه در بينى شتران ميگذارند بجهت فرمانبردارى ملا خليل . ----------- ( 3 ) الزف بردن جمعى كسى را بسوى كسى از روى مثل بردن عروس سوى داماد ملا خليل . [ 30 ] الحور العين و الآدميّين ، فيقلن : مرحبا بكم ، فما كان أشدّ شوقنا إليكم و يقول لهنّ أولياء اللّه : مثل ذلك . فقال علي عليه السّلام : يا رسول اللّه أخبرنا عن قول اللّه عزّ و جلّ : ( غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ) بماذا بنيت يا رسول اللّه ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله : يا علي تلك غرف بناها اللّه عزّ و جلّ لاوليائه بالدّر و الياقوت و الزّبرجد ، سقوفها الذّهب ، محبوكة بالفضة ، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب ، على كلّ باب منها ملك موكل به ، فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير و الدّيباج بألوان مختلفة ، و حشوها المسك و الكافور و العنبر ، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ . ( وَ فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ) إذا دخل المؤمن إلى منازله في الجنّة و وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة البس حلل الذّهب و الفضة و الياقوت و الدّر المنظومة في الاكليل 1 تحت التاج . قال : و البس سبعين حلّة حريرا بألوان مختلفة و ضرب مختلفة منسوجة بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر ، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ : ( يُحَلَّوْنَ فيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤٍ وَ لِباسُهُمْ فيها حَريرٌ ) فاذا جلس المؤمن على سريره اهتزّ سريره فرحا ، فاذا استقر لوليّ اللّه عزّ و جلّ منازل له في الجنان استاذن عليه الملك الموكل بجناته ليهنّيه بكرامة اللّه عزّ و جلّ اياه ، فيقول له خدّام المؤمن من الوصفاء و الوصايف : مكانك 2 ، فانّ وليّ اللّه قد اتّكأ على أريكته 3 و زوجته الحوراء تهيّأ له فاصبر لولي اللّه . قال : فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشى مقبلة و حولها و صايفها و عليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت و اللؤلؤ و الزّبرجد هي من مسك و عنبر ----------- ( 1 ) هو العصابة منه ----------- ( 2 ) اى الزم مكانك ----------- ( 3 ) هو المتكاء منه [ 31 ] و على رأسها تاج الكرامة ، و عليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت و اللؤلؤ ، شراكهما ياقوت أحمر ، فاذا دنت من وليّ اللّه فهمّ أن يقوم إليها شوقا ، فتقول له : يا وليّ اللّه ليس هذا يوم تعب و لا نصب و أنت لي . قال : فيعتنقان مقدار خمسمأة عام من أعوام الدّنيا لا يملّها و لا تملّه . قال : فاذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها ، فاذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر ، وسطها لوح صفحته درّة مكتوب بها : أنت يا وليّ اللّه حبيبى و أنا الحوراء حبيبتك إليك تناهت نفسي و إلىّ تناهت نفسك ، ثمّ يبعث اللّه إليه الف ملك يهنّونه بالجنّة و يزوّجونه بالحوراء . قال : فينتهون إلى أوّل باب من جنانه « جناته خ‏ل » ، فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه : استاذن لنا على وليّ اللّه فان اللّه بعثنا إليه تهنية ، فيقول لهم الملك : حتّى أقول للحاجب فيعلّمه مكانكم . قال : فيدخل الملك إلى الحاجب و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان حتّى ينتهي إلى أوّل باب ، فيقول للحاجب : إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين ليهنّئوا وليّ اللّه ، و قد سألوني أن آذن لهم ، فيقول الحاجب : إنّه ليعظم علىّ أن أستأذن لأحد على ولي اللّه و هو مع زوجته الحوراء . قال : و بين الحاجب و بين وليّ اللّه جنّتان . قال : فيدخل الحاجب إلى القيم ، فيقول : له إنّ على باب العرصة ألف ملك ، أرسلهم ربّ العزّة يهنّون وليّ اللّه فاستأذن لهم فيقدم القيم إلى الخدّام ، فيقول لهم : إنّ رسل الجبار على باب العرصة ، و هم ألف ملك ، أرسلهم يهنّون وليّ اللّه فأعلموه بمكانهم ، فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي اللّه ، و هو في الغرفة و لها ألف باب ، و على كلّ باب من أبوابها ملك موكل به ، فاذا أذن للملائكة بالدخول على ولي اللّه فتح كلّ ملك بابه الموكل به . قال : فيدخل القيم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة ، فيبلّغون رسالة الجبار [ 32 ] جلّ و عزّ ، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : ( وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) من أبواب الغرفة ، ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ ) قال : و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : ( وَ إذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعيماً وَ مُلْكاً كَبيراً ) يعني بذلك ولي اللّه و ما هو فيه من الكرامة و النّعيم و الملك العظيم الكبير ، إنّ الملائكة من رسل اللّه عزّ ذكره يستأذنون عليه فلا يدخلون إلاّ باذنه فذلك الملك العظيم الكبير الحديث . ( و ) القسم الرّابع ( منهم الثابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم ) و عن بعض النّسخ في الارض السّفلى اقدامهم قال في البحار : و هو أظهر ، و الجمع على الأوّل إمّا باعتبار القطعات و البقاع ، أو لأن كلاّ من الأرضين السّبع موضع قدم بعضهم و الوصف على الأوّل بالقياس إلى ساير الطبقات ، و على الثّاني بالقياس إلى السّماء ( و المارقة ) أى الخارجة ( من السّماء العليا ) و هي السّابعة ( أعناقهم و الخارجة من الأقطار ) اى من جوانب الأرض أو جوانب السّماء ( أركانهم ) و هذا إشارة إلى ضخامتهم و عرضهم ( و المناسبة لقوايم العرش أكتافهم ) و المراد بالتّناسب إمّا القرب أو الشّباهة في العظم ، فان العرش على عظمه حسبما تعرفه في الأخبار الآتية و كفى بذلك كونه محيطا بجميع المخلوقات و كون الأرضين و السّماوات جميعا و ما فيها عنده كحلقة في فلاة ، له أربع قوائم . كما رواه في البحار ، عن الدّرّ المنثور ، عن حماد قال : خلق اللّه العرش من زمرّدة خضراء ، و له أربع قوائم من ياقوتة حمراء ، و خلق له ألف لسان ، و خلق في الأرض ألف أمة يسبّح اللّه بلسان العرش . « ج 2 » [ 33 ] و فيه أيضا من روضة الواعظين ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جده عليهم السّلام أنّه قال : في العرش تمثال ما خلق اللّه من البرّ و البحر ، و هذا تأويل قوله : ( وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) و إنّ بين القائمة من قوائم العرش و القائمة الثّانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام ، و العرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النّور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق اللّه ، و الأشياء كلّها في العرش كحلقة في فلاة ، و إنّ للّه تعالى ملكا يقال له : خرقائيل له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمأة عام ، فخطر له خاطر هل فوق العرش شى‏ء ، فزاده اللّه تعالى مثلها أجنحة اخرى ، فكان له ستّ و ثلاثون ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح خمسمأة عام ، ثمّ أوحى اللّه اليه أيّها الملك طر ، فطار مقدار عشرين ألف عام لم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش ، ثم ضاعف اللّه له في الجناح و القوة و أمره أن يطير ، فطار مقدار ثلاثين ألف عام لم ينل أيضا فاوحى اللّه إليه أيّها الملك لو طرت إلى نفخ الصّور مع أجنحتك و قوّتك لم تبلغ إلى ساق عرشي فقال الملك : سبحان ربّي الأعلى و بحمده ، فأنزل اللّه عزّ و جلّ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلى‏ ) فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله : اجعلوها في سجودكم . و من إكمال الدين باسناده عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، قال : قال ابن عبّاس : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : إنّ للّه تبارك و تعالى ملكا يقال له : دردائيل ، كان له ستّة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء ، و الهواء كما بين السّماء و الأرض ، فجعل يوما يقول في نفسه 1 : أ فوق ربّنا جلّ جلاله شي‏ء ؟ فعلم اللّه تبارك و تعالى ما قال ، فزاده أجنحة مثلها ، فصار له اثنان و ثلاثون الف جناح ، ثم أوحى اللّه عزّ و جل ----------- ( 1 ) لعله كان ذلك محض خطور البال بغير شك لئلا ينافى العصمة ، مجلسى طاب ثراه [ 34 ] إليه ، فطار مقدار خمسمأة عام فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش ، فلما علم اللّه عزّ و جلّ اتعابه أوحى إليه أيّها الملك عد إلى مكانك ، فأنا عظيم فوق كل عظيم ، و ليس فوقي شي‏ء و لا أوصف بمكان ، فسلبه اللّه عزّ و جلّ أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة ، فلمّا ولد الحسين عليه السّلام هبط جبرئيل في ألف قبيل من الملائكة لتهنية النبي صلّى اللّه عليه و آله فمرّ بدردائيل ، فقال له : سل النبيّ بحق مولوده أن يشفع لي عند ربّي ، فدعا له النّبي صلّى اللّه عليه و آله بحق الحسين عليه السّلام فاستجاب اللّه دعائه و ردّ عليه أجنحته و رده إلى مكانه هذا . و يحتمل أن يكون المراد بالمناسبة في كلامه عليه السّلام التّماسّ ، فالمراد بهم حملة العرش ، بل هذا هو الظاهر بملاحظة أنّ الأوصاف المذكورة في كلامه عليه السّلام قد اثبتت في الأخبار الكثيرة على هؤلاء الطائفة . مثل ما روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى : ( وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) قال : يقال : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدّتهم إلاّ اللّه ، و يقال ثمانية أملاك رؤسهم تحت العرش في السّماء السّابعة ، و أقدامهم في الأرض السّفلى ، و لهم قرون كقرون الوعلة ، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمأة عام . و عن الخصال باسناده عن حفص بن غياث ، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّ حملة العرش ثمانية ، لكل واحد منهم ثمانية أعين ، كلّ عين طباق الدّنيا . و عن تفسير الامام عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : انّ اللّه لمّا خلق العرش خلق له ثلاثمأة و ستين ألف ركن ، و خلق عند كلّ ركن ثلاثمأة الف و ستين الف ملك لو أذن اللّه لأصغرهم فالتقم السّماوات السبع و الأرضين السّبع ما كان بين لهواته إلاّ كالرملة في المفازة الفصفاصة 1 ، فقال لهم اللّه : يا عبادي احملوا عرشي هذا فتعاطوه فلم يطيقوا حمله و لا تحريكه ، فخلق اللّه عزّ و جلّ مع كلّ واحد منهم واحدا فلم يقدروا أن يزعزعوه ، فخلق اللّه مع كلّ واحد منهم عشرة فلم يقدروا أن يحرّكوه ، فخلق اللّه بعدد كلّ واحد منهم مثل جماعتهم فلم يقدروا أن يحرّكوه ، فقال اللّه عزّ و جل ----------- ( 1 ) الواسعة جوهرى . [ 35 ] لجميعهم : خلوه علىّ امسكه بقدرتي ، فخلوه فأمسكه اللّه عزّ و جلّ بقدرته ، ثم قال لثمانية منهم احملوه أنتم ، فقالوا : يا ربّنا لم نطقه نحن و هذا الخلق الكثير و الجمّ الغفير فكيف نطيقه الآن دونهم ؟ فقال عزّ و جل : لانّي أنا اللّه المقرب للبعيد و المذلل للعبيد و المخفف للشّديد و المسهّل للعسير أفعل ما أشاء و أحكم ما أريد أعلمكم كلمات تقولونها يخف بها عليكم ، قالوا و ما هي ؟ قال : تقولون : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم و صلى اللّه على محمّد و آله الطيبين فقالوها ، فحملوه ، فخفّ على كواهلهم كشعرة نابتة على كاهل رجل جلد قوي فقال اللّه عزّ و جلّ لساير تلك الأملاك : خلوا على هؤلاء الثمانية و طوفوا أنتم حوله و سبّحوني و مجدوني و قد سوني ، فأنا اللّه القادر على ما رأيتم و على كلّ شي‏ء قدير و عن وهب قال حملة العرش اليوم أربعة فاذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في ارزاقهم و ملك في صورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم و ملك في صورة ثور يشفع للبهايم في أرزاقها 1 و ملك في صورة الأسد يشفع للسّباع في أرزاقها ، فلمّا حملوا العرش وقعوا على ركبهم 2 من عظمة اللّه ، فلقّنوا لا حول و لا قوة إلاّ باللّه ، فاستووا قياما على أرجلهم . و عن ابن زيد قال لم يسمّ من حملة العرش إلاّ إسرافيل . و عن هارون بن رئاب ، قال : حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت ضخيم ، يقول أربعة منهم : سبحانك و بحمدك على حلمك بعد علمك ، و أربعة منهم يقولون : سبحانك و بحمدك على عفوك بعد قدرتك . هذا و لا ينافي هذه الأخبار ما وردت في الأخبار الأخر من أنّ حملة العرش ثمانية أربعة من الأولين ، و هم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى عليهم السّلام ، و أربعة ----------- ( 1 ) و فى الخصال عن الصادق عليه السّلام و نكس الثور راسه منذ عبد بنو اسرائيل العجل : منه ----------- ( 2 ) جمع ركبة كغرف و غرفة ، منه [ 36 ] من الآخرين ، و هم محمّد و عليّ و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم . لأنّ العرش في الأخبار الأولة الجسم المحيط بالمخلوقات ، و في هذه الأخبار هو العلم لانّه أحد معانيه كما عرفته في شرح الفصل الخامس من فصول هذه الخطبة و صرّح بما ذكرناه الصّدوق في اعتقاداته حيث قال : و إنّما صارت هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم ، لأنّ الانبياء الذين كانوا قبل نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله على شرايع الاربعة من الاولين : نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ، و من قبل هؤلاء الأربعة صارت العلوم إليهم ، و كذلك صار العلم بعد محمّد و عليّ و الحسن و الحسين إلى من بعد الحسين من الأئمة عليهم السّلام . ( ناكسة دونه ) أى دون العرش ( أبصارهم ) إما لكثرة نور العرش كما يدلّ عليه ما روي عن ميسرة ، قال : ثمانية أرجلهم في التخوم 1 و رؤوسهم عند العرش لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النّور ، و إما لزيادة الخوف كما روي عنه أيضا قال : حملة العرش أرجلهم في الأرض السّفلى و رؤوسهم قد خرقت العرش و هم خشوع لا يرفعون طرفهم و هم أشدّ خوفا من أهل السّماء السّابعة و أهل السّماء السّابعة أشدّ خوفا من السّماء التي تليها و السّماء التي تليها أشدّ خوفا من التي تليها ، و في دعاء الصحيفة السّجادية على داعيه أفضل السّلام و التحيّة في وصف الملائكة : « الخشّع الأبصار فلا يرومون النّظر إليك ، النّواكس الأذقان الّذين قد طالت رغبتهم فيما لديك » . و في التّوحيد باسناده عن وهب عن ابن عباس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : إنّ للّه تبارك و تعالى ملائكة ليس شي‏ء من أطباق أجسادهم إلاّ و هو يسبّح اللّه عزّ و جلّ و يحمده بأصوات مختلفة لا يرفعون رؤوسهم إلى السّماء و لا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشية ( متلفعون تحته ) أى تحت العرش ( بأجنحتهم ) روى الشّارح البحراني عن وهب قال : إنّ لكلّ ملك من حملة العرش و من ----------- ( 1 ) تخوم الارض حدودها ، منه [ 37 ] حوله أربعة أجنحة امّا جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر الى العرش فيصعق و امّا جناحان فيلفون ( فيهفون خ‏ل ) 1 بهما ليس لهم كلام إلاّ التسبيح و التّحميد . و في الأنوار روى أنّ صنفا من الملائكة لهم ستّة أجنحة فجناحان يلفّون بهما أجسادهم و جناحان يطيرون بهما في أمر من أمور اللّه و جناحان مرخيان على وجوههم حياء من اللّه و حينئذ فكلّ جناحين لغرض مخصوص ، و به يظهر فائدة الجناح الثّالث المشار اليه في قوله سبحانه : « أُولي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ » . ثمّ إن هذا في جانب القلّة ، و أمّا في جانب الكثرة فيزيد اللّه سبحانه فيهم ما يشاء و هو على كلّ شي‏ء قدير ( مضروبة بينهم و بين من دونهم ) من الملائكة أو البشر أو الجنّ أو الأعمّ ( حجب العزّة و أستار القدرة ) المانعة عن إدراك ذواتهم و الاطلاع على شئوناتهم . و توضيحه بالتّمثيل انّ ملوك الدّنيا إذا بلغوا في العزّ و العظمة مرتبة الغاية القصوى لا يصل إلى حضور خواصّه فضلا عن ذاته إلاّ الأوحدي من النّاس ، و لا يراهم إلاّ من كان له معهم علقة شديدة و وسيلة قوية ، و الحاجب عن ذلك ليس الا هيبة السّلطنة و قدرة الملك و عظمته و إذا كان هذا حال خواص السّلطنة العارية و الملوك الذين هم في الحقيقة مملوك ، فشأن خواص الحضرة الرّبوبيّة و ملك الملوك أعلى و استناد الحايل عن إدراك مقاماتهم و درجاتهم إلى حجب العزّة و أستار القدرة أحرى ( و لا يتوهمون ربّهم بالتّصوير ) لكونهم منزّهين عن الادراكات الوهميّة و الخيالية فى حق مبدئهم و خالقهم جلّت عظمته ، لأنّ عقولهم صافية غير مشوبة بالتّوهمات و التخيّلات ( و لا يجرون عليه صفات المصنوعين ، و لا يحدّونه بالاماكن ، و لا يشيرون اليه بالنظاير ) لأنّ إجراء الصّفات و التّحديد بالأماكن و الاشارة بالنّظاير إنما هو من مخترعات الواهمة و المتخيّلة المختصّتين بذوات الأمزجة العنصرية الغير ----------- ( 1 ) هف الطاير اذا اخفق ، منه [ 38 ] الجائزتين في حقّ الملائكة السّماوية و مقرّبي الحضرة الرّبوبيّة ، هذا تمام الكلام في شرح حال الملائكة حسبما اقتضاه المقام و يأتي شطر منه عند شرح بعض الخطب الآتية المقتضية لذلك كخطبة الأشباح و غيرها ، و اللّه الموفّق و المعين . الترجمة پس منشق كرد و گشود خداوند سبحانه و تعالى ميان آسمانهائى كه بلند هستند ، پس پر كرد آن طبقات را با أصناف مختلفة از ملائكه و فرشتگان خود ، پس بعضى از ايشان ساجدانند كه ركوع نمى‏كنند ، و بعضى راكعانند كه راست نمى‏ايستند ، و بعضى ديگر صف زدگانند كه از صفوف و مكانهاى خود زايل نمى‏شوند ، و طائفه تسبيح كنندگانند كه ملال و پريشانى نمى‏آورند ، عارض نميشود بايشان خواب چشمها و نه سهو عقلها و نه سستى بدنها و نه غفلت فراموشى ، و بعضى ديگر أمينانند بر وحى او و زبان‏هاى صدقند در رسانيدن فرمايشات او به پيغمبران و تردّد كنندگانند بقضاء و امر او ، و بعضى ديگر از ايشان حافظانند بندگان خدا را از مكاره و مهالك ، و طايفه ديگر دربانان و خازنانند از براى درهاى بهشت‏هاى او ، و بعضى ديگر از ايشان آنانند كه ثابت است در زمين‏هاى زيرين قدم‏هاى ايشان و بيرون رفته از آسمان بلند گردنهاى ايشان و خارج است از أطراف زمين و آسمان أعضا و جوارح ايشان ، و مناسبست با قائمه‏هاى عرش دوشهاى ايشان و پائين افتاده در زير عرش چشمان ايشان ، پيچيده شده‏اند در زير عرش ببالهاى خودشان ، زده شده ميان آنها و ميان فروتر از آنها پرده‏هاى عزت و سترهاى قدرت و عظمت در حالتى كه توّهم نمى‏كنند پروردكار خودشان را بصورت در آوردن ، و اجراء نمى‏كنند بر او صفات مخلوقات را و تحديد نمى‏كنند او را بمكان‏ها و اشاره نمى‏كنند بسوى او بنظاير و أمثال و نعم ما قيل : برتر است از مدركات عقل و وهم لا جرم گم گشت در وى فكر و فهم چون بكلى روى گفت و گوى نيست هيچكس را جز خموشى روى نيست [ 39 ] الفصل العاشر منها فى صفة آدم عليه السّلام ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، و لاطها بالبلّة حتّى لزبت ، فجبل ( فجعل خ ) منها صورة ذات أحناء و وصول ، و أعضاء و فصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، و أصلدها حتّى صلصلت ، لوقت معدود ، و أجل معلوم ، و نفخ فيها من روحه فتمثّلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، و فكر يتصرّف بها ، و جوارح يختدمها ، و أدوات يقلّبها ، و معرفة يفرّق بها بين الحقّ و الباطل ، و الأذواق و المشامّ ، و الألوان و الأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، و الأشباه المؤتلفة ، و الأضداد المتعادية ، و الأخلاط المتباينة ، من الحرّ و البرد ، و البلّة و الجمود ، و المسائة و السّرور . اللغة ( الحزن ) من الأرض ما غلظ منها و هو على وزن فلس ( و السّهل ) خلافه ( و العذب ) من الأرض ما طاب منها و استعد للنّبات ( و السّبخ ) كفلس أيضا المالحة منها يعلوها الملوحة الغير الصّالحة للنّبات و لا تكاد تنبت إلاّ بعض الأشجار و مثله السّبخة بفتح الموحدة و سكونها أيضا تخفيفا واحدة السّباخ مثل كلبة و كلاب بالكسر أيضا يجمع على سبخات مثل كلمة و كلمات ( و التّربة ) التّراب و الجمع ترب كغرفة و غرف ( سنها بالماء ) من سننت الماء على الأرض صببتها ( و لاطها ) أى مزجها من لاط الشّي‏ء بالشي‏ء لوطا لصق ( و البلة ) بالكسر الرّطوبة من البلل [ 40 ] ( و اللّزوب ) الاشتداد يقال لزب الشّي‏ء لزوبا من باب قعد اشتدّ ، و طين لازب يلزق باليد لاشتداده ( فجبل ) و فى بعض النّسخ ( فجعل ) و كلاهما بمعنى خلق ( و احناء ) جمع حنو و هو الجانب و ( وصول ) جمع الوصل كما أنّ ( فصول ) جمع الفصل و هما كلّ ملتقى عظمين في الجسد يطلق عليه باعتبار اتّصال أحد العظمين بالآخر وصولا و أوصالا ، و باعتبار انفصال أحدهما عن الآخر فصولا و مفاصل . و تفسير الشّارح البحراني الوصول بالمفاصل غير مناسب لما عرفت من ترادف المفاصل للفصول و إن كان محل الوصل عين محلّ الفصل إلاّ أنّ التّغاير بحسب الاعتبار موجود و ملحوظ نعم مصداقهما متّحد ( و أصلدها ) من الصّلد و هو الصلب المتين و ( صلصل ) الشي‏ء صلصلة إذا صوّت يقال صلصل الحديد و صلصل الرّعد و الصّلصال الطين اليابس الغير المطبوخ الذي يسمع له عند النّقر صوت كما يصوت الفخار و هو المطبوخ من الطين ، و قيل : إنّ الصّلصال هو الطين المنتن مأخوذ من صلّ اللحم و أصلّ إذا صار منتنا ، و هو ضعيف لما سنذكره ( فتمثّلت ) أى تصورت و في بعض النّسخ فمثلت من مثل بين يديه مثولا من باب قعد انتصب قائما ( و الأذهان ) جمع الذّهن و هو الفطنة و في الاصطلاح القوى الباطنة المدركة ( و الاختدام ) الاستخدام ( و الأدوات ) الآلات ( و المشام ) جمع المشموم لما يشم كالمأكول لما يؤكل ( معجونا ) من عجنه عجنا أى خمره و العجين الخمير ( و الطينة ) الخلقة و الجبلة ( و الاشباه ) جمع الشبه المثل و النظير . الاعراب كلمة حتّى في قوله حتّى خلصت و حتّى لزبت حرف ابتداء يبتدء بها الجمل المستأنفة مثل قوله : « ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى‏ عَفَوْا » . و ذهب ابن مالك إلى أنّها جارة و أنّ بعدها ان مضمرة قال ابن هشام : و لا أعرف له في ذلك سلفا و فيه تكلّف اضماران من غير ضرورة ، و لفظة ذات منصوبة على [ 41 ] الوصفية مؤنثة ذو ، و جملة أجمدها لا محلّ لها من الاعراب لأنّها مستأنفة بيانيّة فكأنّه قيل : ثم فعل بها ماذا ؟ فقال : أجمدها و تحتمل الانتصاب على الحالية ، و الضمير فيه و في أصلدها راجع إلى الصّورة ، و اللاّم في قوله عليه السّلام لوقت معدود للتّعليل أو بمعنى إلى ، و الضمير في قوله عليه السّلام : نفخ فيها راجع إلى الصّورة أيضا ، و كلمة من في قوله من روحه زائدة أو تبعّضية أو نشوية بناء على الاختلاف في معنى الرّوح حسبما تعرفه ، و معجونا منتصب على الحاليّة من انسانا و يحتمل الوصفية له ، و كلمة من في قوله : من الحرّ و البرد بيانية . المعنى ( منها في صفة آدم عليه السّلام ) يعنى بعض هذه الخطبة في صفته عليه السّلام فانّه عليه السّلام لمّا فرغ من اظهار قدرة اللّه سبحانه في عجائب خلقة الملكوت و السّماوات و بدايع صنعته في ايجاد الفضاء و الهواء و المجرّدات أشار إلى لطائف صنعه في العنصريات من ايجاد الانسان و اختياره على الأشباه و الأقران لكونه نسخة جامعة لما في عالم الملك و الملكوت ، و نخبة مصطفاة من رشحات القدرة و الجبروت ، أ تزعم أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الاكبر فقال عليه السّلام : ( ثمّ جمع سبحانه ) اسناد الجمع إليه تعالى من التّوسع في الاسناد من باب بنى الأمير المدينة إذ الجمع حقيقة فعل ملك الموت بأمر اللّه سبحانه بعد أن اقتضت الحكمة خلقة آدم و جعله خليفة في الأرض . قال سيد بن طاووس في كتاب سعد السّعود على ما حكى عنه في البحار : وجدت في صحف إدريس من نسخة عتيقة أنّ الأرض عرّفها اللّه جلّ جلاله أنّه يخلق منها خلقا فمنهم من يطيعه و منهم من يعصيه ، فاقشعرت الأرض و استعفت إليه و سألته أن لا يأخذ منها من يعصيه و يدخله النّار و أنّ جبرئيل أتاها ليأخذ عنها طينة آدم عليه السّلام فسألته بعزّة اللّه أن لا يأخذ منها شيئا حتّى يتضرّع إلى اللّه و تضرّعت فأمره اللّه بالانصراف عنها ، فأمر اللّه ميكائيل فاقشعرّت و تضرّعت و سألت فأمره اللّه الانصراف عنها ، فأمر اللّه تعالى اسرافيل بذلك فاقشعرّت و سألت و تضرّعت فأمره [ 42 ] اللّه بالانصراف عنها ، فأمر عزرائيل فاقشعرّت و تضرّعت فقال : قد أمرني ربّي بأمر أنا ماض سرّك ذاك أم سائك فقبض منها كما أمره اللّه ثمّ صعد بها إلى موقفه فقال اللّه له : كما وليت قبضها من الأرض و هو كاره كذلك تلي قبض أرواح كلّ من عليها و كلّما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة و مضمون هذه الرّواية مطابق لأخبار أهل البيت عليهم السّلام ، فانّ الموجود فيها أيضا أنّ القابض هو عزرائيل و أنّه قبض ( من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ) أى من غليظها و ليّنها و طيبها و مالحها ، و هذه إشارة إلى أنّ القبضة المأخوذة من غير محلّ واحد من وجه الأرض و يوافقه ساير الأخبار ، و لعلّ ذلك هو السّر في تفاوت أنواع الخلق لاستناده إلى اختلاف المواد و في بعض الأخبار أنّها اخذت من أديم الأرض أى من وجهها و منه سمّي آدم و المراد أنّه جمع سبحانه من أجزاء الأرض المختلفة ( تربة سنّها بالماء ) أى مزجها به ( حتى خلصت ) أى صارت خالصة ( و لاطها ) أى ألصقها ( بالبلة ) أى بالرّطوبة ( حتى لزبت ) و اشتدت . قيل : هاتان الفقرتان إشارتان إلى أصل امتزاج العناصر و إنّما خصّ الأرض و الماء لأنهما الأصل في تكون الأعضاء المشاهدة التي تدور عليها صورة الانسان المحسوسة ( فجبل ) ( فجعل خ ) منها ( صورة ذات أحناء و وصول ) أى صاحبة جوانب و أوصال ( و اعضاء و فصول ) أى جوارح و مفاصل . و هاتان إشارتان إلى خلق الصورة الانسانية و إفاضتها بكمال أعضائها و جوارحها و مفاصلها و ما يقوم به صورتها ( أجمدها حتى استمسكت ، و أصلدها حتى صلصلت ) أى جعلها جامدة بعد ما كانت رطبة ليّنة حتّى صار لها استمساك و قوام ، و جعلها صلبة متينة حتى صارت صلصالا يابسا يسمع له عند النّقر صوت كصلصلة الحديد . و قال بعضهم : إنّ الصّلصال هو المنتن و كلام الامام عليه السّلام شاهد على فساده [ 43 ] حيث إنّه عليه السّلام نبّه بحصول الاستمساك بعد الجمود و حصول الصّلصالية بعد الصلود و من الواضح أنّ النّتن يرتفع مع حصول الجمود و اليبوسة فهو على تقدير وجوده انّما كان قبل تلك الحالة و هي حالة المسنونية المشار اليها في قوله تعالى : « وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » . قال الفخر الرّازي كونه حماء مسنونا يدلّ على النّتن و التغير و ظاهر الآية يدلّ على أنّ هذا الصّلصال إنّما تولد من الحمإ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالا مغاير الكونه حمأ مسنونا ، و لو كان كونه صلصالا عبارة عن النّتن و التغير لم يبق بين كونه صلصالا و بين كونه حمأ مسنونا تفاوت ، انتهى هذا . و يحتمل أن تكون هاتان الفقرتان إشارة إلى قوام مادّة الانسان ، فالاجماد لغاية الاستمساك راجع إلى بعض أجزاء الصّورة المجعولة كاللّحم و العروق و الأعصاب و نحوها ، و الاصلاد راجع إلى البعض الاخر كالأسنان و العظام و بعد أن أكمل اللّه سبحانه للصّورة أعضائها و جوارحها و هيّئها لقبول الرّوح أبقاها ( لوقت معدود و أجل معلوم ) أى لأجل وقت أو الى وقت معيّن اقتضت الحكمة و المصلحة نفخ الرّوح فيها ، و إلى هذا الوقت اشير في قوله تعالى : « هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذكوراً » . قال في مجمع البيان : و قد كان شيئا إلا انه لم يكن شيئا مذكورا ، لأنّه كان ترابا و طينا إلى أن نفخ فيه الرّوح ، و قيل إنّه أتى على آدم أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء و لا في الأرض ، لأنّه كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الرّوح . و روى عطا عن ابن عبّاس أنّه تمّ خلقه بعد عشرين و مأة سنة انتهى . و عن بعض الصّحف السّماويّة أنّ طينة آدم عليه السّلام عجنت أربعين سنة ثم جعلت لازبا ، ثم جعلت حمأ مسنونا أربعين سنة ثمّ جعلت صلصالا كالفخار أربعين [ 44 ] سنة ، ثمّ جعلت جسدا ملقى على طريق الملائكة أربعين سنة و نفخ فيها من روحه بعد تلك المدّة . و في العلل باسناده عن عبد العظيم الحسني قال : كتبت إلى أبيجعفر عليه السّلام أسأله عن علّة الغائط و نتنه ، قال : إنّ اللّه خلق آدم و كان جسده طيّبا فبقى أربعين سنة ملقى تمرّ به الملائكة فتقول لأمر ما خلقت ، و كان ابليس يدخل في فيه و يخرج من دبره فلذلك صار ما في جوف آدم منتنا خبيثا غير طيّب و في البحار عن الخصال و تفسير الفرات باسناده عن الحسن عليه السّلام فيما سأله كعب الأحبار أمير المؤمنين عليه السّلام قال : لما أراد اللّه خلق آدم بعث جبرئيل فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب و المالح و ركب فيه الطبايع قبل أن ينفخ فيه الرّوح فخلقه من أديم الأرض فطرحه كالجبل العظيم ، و كان إبليس يومئذ خازنا على السّماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره ثم يضرب بيده على بطنه فيقول لأي امر خلقت ؟ لئن جعلت فوقي لا اطعتك ، و لئن جعلت أسفل منّي لأعينك فمكث في الجنّة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الرّوح الحديث . و وجه الجمع بين هذه الرّواية و ما سبق من حيث اختلافهما في مقدار مدّة تأخير النّفخ غير خفي على العارف الفطن . فان قيل : لماذا أخّر نفخ الرّوح في تلك المدّة الطويلة . قلنا : لعلّه من باب اللّطف في حقّ الملائكة لتذهب ظنونهم في ذلك كلّ مذهب فصار كانزال المتشابهات الذي تحصل به رياضة الأذهان في تخريجها و في ضمن ذلك يكون اللّطف ، و يجوز أن يكون في اخبار ذريّة آدم بذلك لطف لهم و لا يجوز اخبارهم بذلك إلاّ إذا كان المخبر عنه حقّا . أقول : هكذا أجاب الشّارح المعتزلي ، و يشير إلى جوابه الأوّل الرّواية السّابقة فيما حكاه عليه السّلام من قول ابليس لأيّ أمر خلقت اه . و الأولى أن يقال : إنّ السرّ فيه لعلّة اعتبار الملائكة ، إذ الاعتبار في التدريج [ 45 ] أكثر أو ليعلم النّاس التّأني في الأمور و عدم الاستعجال ، و مثله خلق السّماوات و الارض في ستّة أيام على ما نطق به القرآن الحكيم مع أنّه سبحانه كان قادرا على خلقها في طرفة عين ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام : و لو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر لخلق ، و لكنّه جعل الانائة و المداراة مثالا لأمنائه و ايجابا للحجّة على خلقه . ( و ) كيف كان فلما حلّ الأجل الذي اقتضت الحكمة فيه النّفخ ( نفخ فيها ) أى في الصّورة المستعدة لقبول النّفخ ( من روحه ) الذي اصطفاه على ساير الأرواح و المراد بنفخ الرّوح فيها إفاضته عليها ، استعير به عنها لأنّ نفخ الرّيح في الوعاء لما كان عبارة عن إدخال الرّيح في جوفه و كان الاحياء عبارة عن إفاضة النّفس على الجسد و يستلزم ذلك حلول القوى و الأرواح في الجثّة باطنا و ظاهرا حسن الاستعارة . قال بعض المتألهين : إنّ النّفخ لمّا كان عبارة عن تحريك هواء يشتعل به الحطب و نحوه كالفحم فالبدن كالفحم و هذا الرّوح كالهواء الذي في منافذ الفحم و أجوافه ، و النّفخ سبب لاشتعال الرّوح البخاري بنار النّفس و تنورها بنور الروح الامري فللنّفخ صورة و حقيقة و نتيجة ، فصورته إخراج الهواء من آلة النّفخ إلى جوف المنفوخ فيه حتّى تشتعل نارا و هذه الصّورة في حق اللّه محال ، و لكن النتيجة و المسبب غير محال ، و قد يكنّى بالسّبب عن النتيجة و الأثر المترتب عليه كقوله تعالى : « غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » « وَ انْتَقَمْنا مِنْهُمْ » . و صورة الغضب عبارة عن نوع تغير في نفس الغضبان يتأذى به و نتيجته إهلاك المغضوب عليه أو جرحه و ايلامه فعبر في حقّ اللّه عن نتيجة الغضب بالغضب و عن نتيجة الانتقام بالانتقام ، فكذلك يمكن أن يقال هيهنا : إنه عبّر عمّا ينتج نتيجة النّفخ بالنفخ و إن لم يكن على صورة النّفخ و لكن نحن لا نكتفي في الأسماء التي هي مبادي [ 46 ] أفعال اللّه بهذا القدر ، و هو مجرّد ترتّب الأثر من غير حقيقة تكون بازاء الصورة ، بل نقول : حقيقة النّفخ الذي في عالم الصّورة عبارة عن إخراج شي‏ء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه كالزّقّ و نحوه هي إفاضة نور سر الرّوح العلوي الالهي على القالب اللّطيف المعتدل المستوي أعني به الرّوح الحيواني القابل لفيضان النّور العقلي و الروح الالهي كقبول البلور لفيضان النّور الحسي من الشّمس النافذ في أجزائه و أقطاره و هكذا يكون أنوار الحسّ و الحياة نافذة في كل جزء من أجزاء القالب و البدن ، فعبر عن إضافة الروح على البدن بالنّفخ فيه انتهى . بقى الكلام في إضافة الروح إليه سبحانه ، فنقول : إنّ الافاضة من باب التشريف و الاكرام ، روى في الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ و نفخت فيه من روحى كيف هذا النفخ ؟ فقال : إنّ الرّوح متحرّك كالرّيح و إنّما سمّي روحا لأنّه اشتق اسمه من الرّيح ، و إنّما إخراجه على لفظة الرّيح لأنّ الأرواح مجانسة 1 للرّيح ، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على ساير الأرواح كما قال لبيت من البيوت ، بيتي ، و لرسول من الرّسل خليلي و أشباه ذلك و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر . و مثل إضافة الروح إليه تعالى إضافة الصّورة إليه سبحانه في بعض الأخبار كما رواه في الكافي عن محمّد بن مسلم أيضا قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عمّا يروون أنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته فقال : هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه تعالى و اختارها على ساير الصّور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه فقال : بيتي و نفخت فيه من روحى هذا . و لكن الصّدوق روى في العيون باسناده عن الحسين بن خالد قال : قلت للرّضا عليه السّلام : يابن رسول اللّه إنّ النّاس يروون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال : إنّ اللّه خلق آدم على صورته فقال : قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مرّ برجلين يتسابّان فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبّح اللّه وجهك و وجه من يشبهك ، فقال رسول اللّه : ----------- ( 1 ) بحسب المعنى و التحرك و التصرف و اصلاح ما يمر عليه ، ملا صالح . [ 47 ] يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك فان اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته . فانّ المستفاد من هذه الرّواية رجوع الضّمير في صورته إلى الرّجل المسبوب ، و إنّما لم يتعرّض الباقر عليه السّلام في الرّواية الاولى لردّه و لم يشر إلى تحريف الرّواية إمّا للتّقية أو إشارة إلى أنّ الرّواية على تقدير صحّتها أيضا لا دلالة فيها على ما هو مطلوب العامة من اعتقاد التّجسيم و إثبات الصّورة له ، سبحانه عمّا يقول الظالمون و تعالى علوّا كبيرا . و ربّما يجاب بأنّ المراد أنّه على صورته لأنّه مظهر الصّفات الكماليّة الالهيّة ، أو يقال : إنّ الضّمير راجع إلى آدم أى صورته اللاّيقة به المناسبة له هذا . و قد تحقّق بما ذكرناه كلّه معنى نفخ الرّوح و وجه المناسبة في إضافته إلى الضّمير الرّاجع إليه تعالى . و أمّا نفس الرّوح فاعلم أنّه قد يطلق على النّفس النّاطقة التي تزعم الحكماء أنّها مجردة ، و هي محلّ للعلوم و الكمالات و مدبّرة للبدن ، و قد يطلق على الروح الحيواني و هو البخار اللّطيف المنبعث من القلب السّاري في جميع أجزاء البدن ، و يمكن إرادة المعنيين كليهما من الرّوح المنفوخ في آدم ، و قد استفيد من قول الباقر عليه السّلام في الرّواية السّابقة : إنّ الرّوح متحرّك كالرّيح كون الرّوح متحرّكا سريعا في جميع أجزاء البدن و أنّه يجري آثاره في تجاويف أعضائه فيصلح البدن و يحيى ما دام فيه ، كما أنّ الرّيح متحرّك سريعا في أقطار العالم و يجري آثاره فيها فيصلح العالم بجريانه و يفسد بفقدانه . و في الاحتجاج في جملة مسائل الزّنديق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : فهل يوصف الرّوح بخفّة و ثقل و وزن ؟ قال عليه السّلام : الرّوح بمنزلة الرّيح في الزّقّ إذا نفخت فيه امتلاء الزّقّ منها فلا يزيد في وزن الزّقّ و لوجها فيه و لا ينقصها خروجها منه كذلك الرّوح ليس لها ثقل و لا وزن ، قال : أخبرني ما جوهر الرّيح قال عليه السّلام : [ 48 ] الرّيح هواء إذا تحرك سمّي ريحا و إذا سكن سمّي هواء و به قوام الدنيا و لو كفت الرّيح ثلاثة أيام لفسد كلّ شي‏ء على وجه الأرض و نتن . و ذلك إنّ الرّيح بمنزلة مروحة تذب و تدفع الفساد عن كلّ شي‏ء و تطيّبه فهي بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغيّر تبارك اللّه أحسن الخالقين ( فتمثّلت ) الصّورة المجبولة بعد نفخ الرّوح ( إنسانا ) . روى في العلل مرفوعا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : قال : سمّي الانسان إنسانا لأنّه ينسي و قال اللّه عزّ و جلّ : و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي . و عن الدرّ المنثور عن ابن عبّاس قال : خلق اللّه آدم من أديم الأرض يوم الجمعة بعد العصر فسمّاه آدم ثمّ عهد اللّه فنسي فسمّاه الانسان ، قال ابن عبّاس : فباللّه ما غابت الشّمس من ذلك اليوم حتّى اهبط من الجنّة . و قال الرّاغب الانسان قيل سمّي بذلك لأنّه خلق خلقة لا قوام له إلاّ بأنس بعضهم ببعض ، و لهذا قيل الانسان مدنيّ بالطبع من حيث إنّه لا قوام لبعضهم إلاّ ببعض و لا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه و محاوجه . و قيل سمّي بذلك لأنّه يأنس بكلّ ما يألفه ، و قيل هو افعلان و أصله انسيان سمّي بذلك لأنّه عهد إليه فنسي . أقول : الانسان لو كان من الانس فوزنه فعلان و هو مذهب البصريّين ، و لو كان من النّسي فوزنه إفعان أصله إنسيان على وزن إفعلان فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم و عند التّصغير يردّ إلى الأصل يقال انيسيان ، و هو مذهب الكوفيّين و الرّواية السّابقة مؤيّدة لمذهبهم ، و قوله عليه السّلام ( ذا أذهان يجيلها ) قال الشّارح البحراني : إشارة إلى ما للانسان من القوى الباطنة المدركة و المتصرّفة 1 ----------- ( 1 ) قال المحدث البحرانى و اما الباطنة من القوى فهى أيضا خمس و هى اما مدركة فقط اما للصور الجزئية و هو القوة المسماة حسا مشتركا المرتبة في التجويف الاول من الدماغ عندها تجتمع صور المحسوسات ثم القوة المرسومة خيالا و هى خزانة الحس المشترك مودوعة فى آخر « ج 3 » [ 49 ] و معنى اجالتها تحريكها و بعثها في انتزاع الصّور الجزئية كما للحسّ المشترك ، و المعاني الجزئية كما للوهم ( و فكر يتصرف بها ) أى صاحب حركات فكرية يتصرّف بها في امور معاشه و معاده ، و إلاّ فالقوّة المتفكّرة في الانسان واحدة و هي القوّة المودعة في مقدم البطن الأوسط من الدّماغ من شأنها تركيب الصّور بالصّور و المعاني بالمعاني و المعاني بالصّور و الصّور بالمعاني ( و جوارح يختدمها ، و أدوات يقلبها ) . المراد بالجوارح و الادوات إمّا معنى واحد و هي الأعضاء و الآلات البدنيّة جميعا فانها خادمة للنّفس النّاطقة و واسطة التقليب ، و إمّا أن المراد بالاولى الأعمّ و بالثّانية خصوص بعض الأعضاء ممّا يصحّ نسبة التّقليب و التّقلب اليه كاليد و الرّجل و البصر و القلب ( و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل ) و المراد بالمعرفة هي القوّة العاقلة إذ الحقّ و الباطل من الأمور الكليّة و التميّز بينها حظّ العقل ( و ) هي المفرّقة أيضا بين ( الأذواق و المشام و الألوان و الأجناس ) . و المراد بالأذواق المذوقات المدركة بالذّوق و هي قوّة منبثّة في العصب المفروش على سطح اللّسان التي يدرك بها الطعوم من الحلاوة و المرارة و الحموضة و الملوحة و غيرها . و بالمشام المشمومات المدركة بالشمّ و هي قوّة مودعة في زايدتي مقدّم الدّماغ الشّبيهتين بحلمتي الثدى بها تدرك الروايح من الطيبة و المنتنة و غيرهما . و بالألوان المبصرات المدركة بحس البصر و هي قوّة مرتبة في العصبتين المجوفتين اللّتين تتلاقيان فتفترقان إلى العينين التي بها يدرك الألوان من السّواد و البياض و الحمرة و الصّفرة و الأشكال 1 و المقادير و الحركات و نحوها . التجويف المقدم من الدماغ يجتمع فيها مثل المحسوسات و تبقى فيها بعد الغيبة عن الحواس و اما مدركة للمعانى الجزئية و هى اما الوهم و هى قوة مرتبة في التجويف الاوسط من الدماغ تدرك المعانى الجزئية الغير الموجودة فى المحسوسات كادراك الشاة معنى فى الذئب يوجب لها الهرب و اما الحافظة و هى قوة مرتبة فى التجويف الاخير من الدماغ تحفظ الاحكام الجزئية المدركة للوهم و هى خزانة له و اما مدركة و متصرفة و هى القوة المسماة متخيلة باعتبار استعمال الوهم فيها و مفكرة باستعمال العقل لها و محلها مقدم البطن الاوسط من الدماغ من شانها التركيب و التفصيل لبعض الصور ببعض و عن بعض و كذا المعانى و المعانى بالصورة و هى الحاكيه للمدركات انتهى كلامه رفع مقامه ، منه . ----------- ( 1 ) عطف على الالوان ، منه [ 50 ] و بالأجناس الأمور الكلّية المنتزعة من تصفّح الجزئيّات و إدراكها و لذلك أخّر عليه السّلام ذكر الأجناس عنها إشارة إلى ما ذكر ، و ذلك لأنّ النّفس بعد ما أدرك الجزئيّات بالمدركات و المشاعر السّالفة تتنبّه لمشاركات بينها و مباينات فاصلة بينها مميّزة لكلّ واحد منها عن الآخر ، فتنتزع منها تصوّرات كليّة بعضها ما به الاشتراك بينها ، و بعضها ما به امتياز إحديها عن الاخرى ، و لعلّه اريد بالأجناس مطلق الامور الكليّة لا الجنس المصطلح في علم المنطق و الكلام . فان قلت : التفرقة بين الأذواق و المشام و الألوان إنّما هو من فعل الحواسّ الظاهرة ، إذ هي المدركة لها و المميزة بينها حسبما ذكرت فما معنى نسبته إلى العقل ؟ قلت : إدراك هذه و إن كان بالحواس المذكورة إلاّ أنّها قد يقع فيها الشّك و المرجع فيها حينئذ إلى العقل لأنّه الرّافع للشّك عنها . توضيح ذلك ما ورد في رواية الكافي باسناده عن يونس بن يعقوب ، قال : كان عند أبي عبد اللّه عليه السّلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين و محمّد بن النّعمان و هشام ابن سالم و الطيار و جماعة فيهم هشام بن الحكم و هو شاب ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : يا هشام الا تخبرني كيف صنعت بعمر و بن عبيد و كيف سألته فقال هشام : يابن رسول اللّه إنّي اجلّك و استحييك و لا يعمل لساني بين يديك ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : إذا أمرتكم بشي‏ء فافعلوا ، قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك علىّ فخرجت إليه و دخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فاذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد و عليه شملة 1 سوداء متزر 2 بها من صوف و شملة مرتد 3 بها و النّاس يسألونه فاستفرجت النّاس فافرجوا لي ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ، ثم قلت : أيّها العالم إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة ؟ فقال لي : نعم ، فقلت له : ألك عين ؟ فقال لي يا بنىّ أىّ شي‏ء تريد من هذا السؤال و شي‏ء تراه كيف ----------- ( 1 ) كساء يشتمل به منه ----------- ( 2 ) من الازار منه ----------- ( 3 ) من الرداء منه . [ 51 ] تسأل عنه ؟ فقلت : هكذا مسألتي فقال : يا بنىّ سل و إن كانت مسألتك حمقاء ، قلت : أجبني فيها ، قال لي : سل ، قلت : ألك عين ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أرى بها الألوان و الأشخاص قلت : فلك أنف ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أشم به الرائحة ، قلت : ألك فم ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أذوق به الطعم ، قلت : فلك اذن ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أسمع بها الصوت ، قلت : ألك قلب ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أميّز به كلما ورد على هذه الجوارح و الحواس ، قلت : أ و ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ فقال : لا ، قلت : و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة ؟ قال : يا بنىّ إنّ الجوارح إذا شكت في شي‏ء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فيستبين اليقين « فيستيقن خ » و يبطل الشّك ، قال هشام : فقلت له : فانما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح ؟ قال : نعم قلت : لا بدّ من القلب و إلاّ لم يستيقن الجوارح ؟ قال : نعم ، فقلت له : يا أبا مروان فانّ اللّه تبارك و تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّ لها الصحيح و يتيقن به ما شككت فيه و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم و يقيم لك إماما لجوارحك تردّ إليه حيرتك و شكّك ؟ قال : فسكت و لم يقل لي شيئا ، ثمّ التفت إلىّ فقال لي : أنت هشام بن الحكم ؟ فقلت : لا ، فقال : أمن جلسائه ؟ قلت : لا ، قال : فمن أين أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة ، قال : فأنت إذا هو ، ثمّ ضمّني إليه و أقعدني في مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت ، قال : فضحك أبو عبد اللّه عليه السّلام فقال : يا هشام من علّمك هذا ؟ قلت : شي‏ء أخذته منك و الفته ، فقال هذا و اللّه مكتوب في صحف إبراهيم و موسى . قال بعض المحققين 1 من شراح الحديث : و معنى شكّ الحواس و غلطها أنّ الحسّ أو الوهم المشوب بالحسّ يشك أو يغلط بسبب من الأسباب ، ثمّ يعلم النّفس بقوّة العقل ما هو الحقّ المتيقّن كما يرى البصر العظيم صغيرا لبعده و الصغير كبيرا لقربه و الواحد اثنين لحول في العين و الشّجرة التي في طرف الحوض منكوسة ----------- ( 1 ) الصدر الشيرازى منه [ 52 ] لانعكاس شعاع البصر من الماء اليها ، و السّمع يسمع الصّوت الواحد عند الجبل و نحوه ممّا فيه صلابة أو صقالة صوتين لمثل العلّة المذكورة من انعكاس الهواء المتموّج بكيفيّة المسموع إلى الصّماخ تارة اخرى و يقال للصوت الثّاني : الصّداء ، و كما تجد الذّائقة الحلو مرّا لغلبة المرة الصّفراء على جرم اللّسان ، و كذا تشمئزّ الشّامة من الرّوائح الطيبة بالزّكام فهذه و أمثالها أغلاط حسيّة يعرف القلب حقيقة الأمر فيها انتهى ما أهمّنا نقله . و اتّضح به كلّ الوضوح أنّ التّفرقة بين الحقّ و الباطل و بين المحسوسات عند الشّكّ و الارتياب إنّما هي وظيفة العقل و القلب و هو اللّطيفة النّورانية المتعلّقة أوّل تعلّقها بهذا القلب الصّنوبري و نسبته إلى أعضاء الحسّ و الحركة كنسبة النّفس إلى قوى الحسّ و الحركة في أنّه ينبعث منه الدّم و الرّوح البخاري إلى ساير الأعضاء فالنّفس رئيس القوى و إمامها و القلب و هو مستقرّها و عرش استوائها باذن اللّه رئيس ساير الأعضاء و إمامها . ( معجونا ) أى مخمرا ذلك الانسان ( بطينة الألوان المختلفة ) و أصلها و هذه إشارة إلى اختلاف أجزاء الانسان فان بعض أعضائه أبيض كالعظام و الشّحم ، و بعضها أحمر كالدّم و اللّحم ، و بعضها أسود كالشّعر و حدقة العين و هكذا ، و مثل اختلاف أجزائه اختلاف أفراد نوع الانسان ، فمنهم السّعيد و الشقيّ و الطيب و الخبيث ، و كل ذلك مستند إلى اختلاف المواد . كما يدلّ عليه ما رواه القميّ في تفسيره باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم في حديث طويل ، و فيه قال : فاغترف ربّنا تبارك و تعالى غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات و كلتا يديه يمين فصلصلها في كفه فجمدت ، فقال لها : منك أخلق النّبيين و المرسلين و عبادي الصّالحين و الأئمة المهتدين و الدّعاة إلى الجنّة و أتباعهم إلى يوم القيامة و لا أبالي و لا أسأل عمّا أفعل و هم يسألون ، ثمّ اغترف غرفة من الماء المالح الأجاج [ 53 ] فصلصلها في كفّه فجمدت ، ثم قال : منك أخلق الجبّارين و الفراعنة و العتاة و إخوان الشّياطين و الدّعاة إلى النّار و أشياعهم إلى يوم القيامة ، و لا اسأل عمّا أفعل و هم يسألون ، قال : و شرط في ذلك البداء فيهم و لم يشترط في أصحاب اليمين ، ثم خلط المائين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفاهما 1 قدام عرشه و هما سلالة من طين الحديث ، و سيأتي تمامه بعيد ذلك . ( و الأشباه المؤتلفة ) كالايتلاف بين العظام و الأسنان و نحوها فانّها أجسام متشابهة ايتلف بعضها مع بعض و بها قامت الصّورة الانسانية ( و الأضداد المتعادية ، و الأخلاط المتباينة ، من الحرّ و البرد و البلّة و الجمود و المسائة و السّرور ) . و المراد بالبلّة و الجمود الرّطوبة و اليبوسة ، و كلمة من تبيين للأضداد و الأخلاط جميعا و ليست بيانا للأخلاط فقط بقرينة ذكر المسائة و السّرور . قيل : و المراد بالحرّ الصّفراء و بالبرد البلغم و بالبلّة الدّم و بالجمود السّوداء فكلامه عليه السّلام إشارة إلى الطبايع الأربع التي بها تحصل المزاج و بها قوام البدن الانساني . و في حديث القميّ السّابق بعد قوله عليه السّلام : ثم كفاهما قدام عرشه و هما سلالة من طين ، قال : ثمّ أمر اللّه الملائكة الأربعة الشّمال و الجنوب و الصّبا و الدّبور أن يجولوا على هذه السّلالة من طين فأبرءوها و أنشأوها ثمّ جزوها و فصلوها و أجروا فيها الطبايع الأربعة . قال : الرّيح في الطبايع الأربعة من البدن من ناحية الشّمال ، و البلغم في الطبايع الأربعة من ناحية الصّبا ، و المرة في الطبايع الأربعة من ناحية الدّبور ، و الدّم في الطبايع الأربعة من ناحية الجنوب . قال : فاستقلّت النّسمة و كمل البدن ، فلزمه من ناحية الرّيح حبّ النّساء و طول الأمل و الحرص ، و لزمه من ناحية البلغم حبّ الطعام و الشّراب و البرّ و الحلم ----------- ( 1 ) هكذا فى رواية علل الشرايع : ثم القاهما قدام عرشه و هما ثلة من طين ، منه [ 54 ] و الرّفق ، و لزمه من ناحية المرّة الغضب و السّفه و الشّيطنة و التّجبر و التمرّد و العجلة ، و لزمه من ناحية الدّم حب الفساد و اللّذات و ركوب المحارم و الشهوات قال أبو جعفر : وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه هذا . و أمّا المسائة و السّرور فهما من الكيفيات النّفسانية ، و سبب السرور إدراك الكمال و الاحساس بالمحسوسات الملائمة و التمكّن من تحصيل المرادات و القهر و الاستيلاء على الغير و الخروج عن الآلام و تذكر الملذّات ، و سبب المسائة مقابلات هذه . قال البحراني : و مقصوده عليه السّلام التّنبيه على أنّ طبيعة الانسان فيها قوّة قبول و استعداد لتلك الكيفيات و أمثالها ، و تلك القوّة هي المراد بطينة المسائة و السّرور و اللّه العالم . الترجمة پس جمع فرمود حق سبحانه و تعالى از زمين درشت و زمين نرم و زمين شيرين و زمين شور پاره خاك را ، آميخت و ممزوج نمود آن خاكرا به آب تا اينكه خالص و پاكيزه شد ، و مخلوط و ملصق نمود آن را برطوبت تا اينكه چسبان گشت پس ايجاد كرد از آن صورت و شكلى كه صاحب طرفها بود و بندها و صاحب جوارح بود و فصلها ، خشك ساخت آن صورت را تا اينكه قوام حاصل شد آنرا ، و سخت گردانيد آن را تا اينكه گل خشك آواز كننده گرديد پس باقى گذاشت آن را بجهت وقت شمرده شده و اجل دانسته گرديده ، پس از آن دميد در آن صورت روح خود را يا از روحى كه اختيار كرده بود آن را بساير ارواح ، پس متمثّل شد و متصور گرديد انسانى كه صاحب ذهنهائيست كه متحرك ميسازد آن را ، و صاحب فكرهائيست كه تصرف و تفتيش مى‏كند با آن ، و صاحب جوارحى كه طلب خدمت مى‏كند از آنها ، و صاحب آلاتى كه برميگرداند آن‏ها را در امورات خود ، و صاحب معرفت و عقلى كه فرق ميگذارد با آن ميان حق و باطل و ميان ذوقها و مشامها و ميان رنگها و جنسها در حالتى كه آميخته و خمير شده بود آن انسان [ 55 ] به اصل رنگهاى گوناگون و شبه‏هائى كه با همديگر الفت دارند ، چون استخوان و دندان و ضدهائى كه تعاند دارند با همديگر و خلطهائى كه تباين دارند با يكديگر از حرارت و برودت و رطوبت و يبوست و پريشانى و خوشحالى . الفصل الحاديعشر و استأدى اللّه الملائكة وديعته لديهم ، و عهد وصيّته إليهم ، في الإذعان بالسّجود له و الخنوع لتكرمته فقال : اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس و قبيله ( و جنوده خ ) ، اعترتهم الحميّة ، و غلبت عليهم الشّقوة ، تعزّزوا بخلقة النّار ، و استوهنوا خلق الصّلصال ، فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، و استتماما للبليّة ، و إنجازا للعدة ، فقال : إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم . اللغة ( استأدى اللّه الملائكة ) أى طلب منهم الأداء ( و الخنوع ) كالخضوع لفظا و معنى ( و التكرمة ) إمّا بمعنى التكريم و هو التّعظيم و الاحترام مصدر ثان من التّفعيل كما في الاوقيانوس ، أو اسم من التكريم على ما قاله الفيومى ( و ابليس ) افعيل من ابلس قال سبحانه : « فَإذا هُمْ مُبْلِسُونَ » أى آيسون من رحمة اللّه ، و اسمه بالعبرانية عزازيل بزائين معجمتين و بالعربيّة الحارث و كنيته أبو مرّة ( و القبيل ) في الأصل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى فان كانوا من أب واحد فقبيلة ، و قد تسمى قبيلا و جمعه قبل و جمع القبيلة القبائل ( و الشّقوة ) بكسر الشّين الشّقاوة ( و التّعزز ) التكبر ( و استوهنوا ) عدوّه واهنا [ 56 ] ضعيفا ( و النظرة ) بكسر الظاء مثل كلمة اسم من انظرت الدين أخّرته قال سبحانه : « فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » . أى تأخير ( و السّخطة ) بالضمّ كالسّخط الغضب و عدم الرّضا ( و البليّة ) اسم من الابتلاء و هو الامتحان ( و أنجز ) وعده وعدته إذا وفى به . الاعراب الملائكة منصوب بنزع الخافض أى من الملائكة ، و اضافة العهد إلى الوصية قيل من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف أى وصيّته المعهودة ، و استثناء ابليس امّا منقطع على ما هو الأظهر الأشهر بين أصحابنا و كثير من المعتزلة ، أو متّصل على ما ذهب إليه طائفة من متكلّمي العامة و اختاره منا الشيخ ( ره ) في التّبيان ، و منشأ الخلاف أنّ إبليس هل هو من الجنّ أم من الملائكة ، و يأتي تحقيق الكلام فيه ، و انتصاب الاستحقاق و الاستتمام و الانجاز على المفعول له . المعنى ( و استادى اللّه الملائكة ) أى طلب منهم أداء ( وديعته ) المودعة ( لديهم و ) طلب أداء ( عهد وصيّته إليهم ) و المراد بتلك الوديعة و الوصيّة ما أشار اليه سبحانه في سورتي الحجر وص . قال في الأولى : « و إذْ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإذا سَوَّيْتُهُ و نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ » . قال أمير المؤمنين عليه السّلام على ما رواه القميّ عنه و كان ذلك من اللّه تقدمة في آدم قبل أن يخلقه و احتجاجا منه عليهم . و في الثّانية : « و إذْ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طينٍ فَإذا سَوَّيْتُهُ و نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ » [ 57 ] فلقد كان عزّ و جلّ أوصاهم و عهد إليهم أنّه خالق بشرا لا بد لهم من السّجود له بعد استوائه و نفخ الرّوح فيه ، و إلى ذلك أشار عليه السّلام بقوله ( في الاذعان بالسّجود له و ) الانقياد ب ( الخنوع ) و الخضوع ( لتكرمته ) و تعظيمه ( فقال ) سبحانه للملائكة بعد الاستواء و نفخ الرّوح ( اسجدوا لآدم ) قال الصّادق عليه السّلام : و كان ذلك الخطاب بعد ظهر الجمعة ( فسجدوا ) و بقوا على السّجدة إلى العصر ( إلا إبليس ) قال الرضا عليه السّلام كان اسمه الحارث سمّي إبليس لأنّه ابلس من رحمة اللّه ( و قبيله ) قال المحدّث المجلسى قده : و ضمّ القبيل هنا إلى ابليس غريب ، فانّه لم يكن له في هذا الوقت ذريّة و لم يكن أشباهه في السّماء ، فيمكن أن يكون المراد به أشباهه من الجنّ في الأرض بأن يكونوا مأمورين بالسّجود أيضا ، و عدم ذكرهم في الآيات و ساير الأخبار لعدم الاعتناء بشأنهم ، أو المراد به طائفة خلقها اللّه تعالى في السّماء غير الملائكة ، و يمكن أن يكون المراد بالقبيل ذريته و يكون اسناد عدم السّجود إليهم لرضاهم بفعله كما قال عليه السّلام في موضع آخر : إنّما يجمع النّاس الرّضا و السّخط ، و إنّما عقرناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه : « فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمينَ » . انتهى أقول : و الأوجه ما أجاب به أخيرا و يشهد به مضافا إلى ما ذكره ما رواه السيّد ( ره ) في آخر الكتاب عنه عليه السّلام من أنّ الرّاضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم و قال سبحانه : « قُلْ قَدْ جآءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ و بِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ » . فانّه روى في الكافي عن الصّادق عليه السّلام قال : كان بين القاتلين و القائلين خمسمأة عام ، فألزمهم اللّه القتل لرضاهم بما فعلوا ، و مثله عن العياشي في عدّة روايات [ 58 ] ( اعترتهم ) و غشيتهم ( الحميّة ) و العصبيّة ( و غلبت عليهم الشّقوة ) و الضّلالة ( تعزّزوا ) و تكبروا ( بخلقة النار و استوهنوا ) و استضعفوا ( خلق الصلصال ) و قالوا : إنّ مادتنا و جوهرنا خير من جوهر آدم الطيني فلا نسجد له ، لأنّ السّجود إنّما هو لمكان شرف الجوهر و جوهر النّار أشرف من جوهر التراب ، و هذا معنى قوله سبحانه في سورة الأعراف : « قالَ ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نارٍ و خَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ » و في الكافي و الاحتجاج عن الصّادق عليه السّلام أنّه دخل عليه أبو حنيفة فقال له : يا با حنيفة بلغني أنك تقيس ، قال : نعم ، أقيس قال : لا تقس فانّ أوّل من قاس ابليس حين قال : « خَلَقْتَني مِنْ نارٍ و خَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ » فقاس ما بين النّار و الطين و لو قاس نوريّة آدم بنورية النّار عرف فضل ما بين النّورين و صفاء أحدهما على الآخر . قال بعض الأفاضل : إنّ إبليس قد غلط حيث لاحظ الفضل باعتبار الجوهر و العنصر فلو لاحظه باعتبار الفاعل لعلم فضل آدم عليه نظرا إلى ما أكرمه اللّه به من إضافة روحه إلى نفسه و نسبة خلقته إلى يديه حيث قال : « فَإذا نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي » و قال : « لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » مضافا إلى ما في قياسه في نفسه أيضا من الفساد من حيث إنّ الطين أمين يحفظ كلّ ما اودع عنده و النّار خائن يفني كلّ ما يلقى فيه . و النّار متكبّر طالب للعلوّ ، و التّراب متواضع طالب السّفل ، و التّواضع أفضل من التكبر هذا 1 ----------- ( 1 ) و قال الصدر الشيرازى فى مفاتيح الغيب اما خطاؤه يعنى ابليس فى الاستدلال فلوجوه احدها انا سلمنا ان النار افضل و اشرف من الطين من حيث ظاهر الوجود لكن لا فضيلة لها عليه من حيث الحقيقة و الغاية بل الطين افضل و اشرف منها لان من خواص الطين الانبات و النشو و النمو و لهذا السركان تعلق به الروح ليصير قابلا للترقى و النار من خاصيتها الاحراق و الاهلاك [ 59 ] و قد ظهر ممّا ذكرناه فساد العمل بالقياس أيضا و قد عنونه أصحابنا في علم الأصول و حكموا بعدم جواز العمل في الأحكام الشرعية بالأقيسة و الاستحسانات العقليّة ، نظرا إلى ما نشاهده من حكم الشّارع في الموارد الكثيرة بخلاف ما يقتضيه عقولنا النّاقصة . كجمعه بين المتشاكلات و تفريقه بين المختلفات في منزوحات البئر . و كجمعه بين النّوم و البول و الغائط في الأحداث . و حكمه بوجوب الاحرام في الحلّ مع أنّ الحرم أفضل . و حكمه بوجوب مسح ظاهر القدم مع أنّ الباطن أولى . و حكمه بحرمة صوم يوم العيد و وجوب سابقه و ندبيّة لاحقه . و ثانيها ان فى الطين لزوجة و امساكا فاذا استفاد الروح منه بالتربية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الالهى اذا لم يكن ممسكا فى عالم الارواح و لهذا السركان آدم مسجودا للملائكة و فى النار خاصية الاتلاف و الاسراف و هو ضد الامساك ، و ثالثها ان الطين مركب من الماء و التراب و الماء مطية الحياة لقوله و من الماء كل شى‏ء حى و التراب مطية النفس النباتية و اذ امتزجا يتولد منهما النفس الحيوانية لان مركبها الروح الحيوانى و هى مطية الروح الانسانى و الجوهر النطقى للمناسبة الروحية بينهما و فى النار ضد ذلك من الاهلاك و الافساد هذا مع ان شرف مسجودية آدم للملائكة و فضيلته على ساجديه لم يمكن بمجرد خواص الطينة التى هى جهة الصلاحية و القبول و ان تشرفت الطينة بشرف التخمير من غير واسطة كما دل عليه قوله ما منعك ان لا تسجد لما خلقت بيدى و قوله صلى اللّه عليه و آله خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحا و انما كانت فضيلته الاصلية على غيره بنفخ الروح المشرف بالاضافة الى الحضرة الالهية من غير واسطة كما قال و نفخت فيه من روحى و لاختصاصه بالتجلى فيه عند نفخ الروح كما فى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ان اللّه خلق آدم فتجلى فيه و قد مر انه غلط الملعون بين جهة المادة العنصرية و بين جهة الصورة الروحية الاضافية و عمى قلبه عن درك صفة الانسانية و الصورة الذاتية و لهذا السر لم يكن امر اللّه الملائكة بسجود آدم بعد تسويته قالب آدم من الطين بل امرهم بعد نفخ صورة الروح فيه كما قال تعالى انى خالق بشرا من طين فاذا سويته و نفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين و ذلك لان آدم بعد ان نفخ فيه الروح الاضافى صار مستعدا للتجلى الالهى لما حصل فيه من صفات الروح و نورانيته التى تستحق بها للتجلى و امساك الطين الذى يقبل الفيض الالهى مسكة عند التجلى فاستحق سجود الملائكة لانه صار قلبه ككعبة حقيقية تفهم انشاء اللّه و تغتنمه و تنتفع به انتهى كلامه ره . [ 60 ] و حكمه بوجوب خمسمأة دينار و هو نصف الدّية الكاملة في قطع إحدى اليدين و قطع اليد لربع دينار . و حكمه لقطع اليد لسرقة ربع دينار و عدم جواز قطعه للغصب و لو كان ألفا إلى غير ذلك من الموارد التى يقف عليها المتتبع و مع ذلك كيف يمكن الاستبداد بالعقول النّاقصة و الآراء الفاسدة في استخراج مناطات الأحكام الشّرعيّة ، و قد قام الأخبار المتواترة عن أئمّتنا عليهم السّلام على النّهى عن العمل بالقياس و الاستحسانات العقليّة ، مثل قولهم : إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول ، و إنّ السّنة إذا قيست محق الدين ، و إنّه لا شي‏ء أبعد عن عقول الرّجال من دين اللّه . روى الصّدوق و الكليني باسنادهما عن أبان بن تغلب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام ما تقول في رجل قطع أصبعا من أصابع المرأة كم فيها ؟ قال : عشرة من الابل ، قال : قلت : قطع اثنين ؟ فقال : عشرون ، قلت : قطع ثلاثا ؟ قال : ثلاثون ، قلت : قطع أربعا ؟ قال : عشرون ، قلت : سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون فيقطع أربعا فيكون عليه عشرون ، إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرء ممّن قاله ، و نقول : إنّ الذي « جاء به خ » قاله شيطان ، فقال : مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه إنّ المرأة تعاقل الرّجل إلى ثلث الدّية فاذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النّصف ، يا أبان إنك أخذتني بالقياس ، و السّنة إذا قيست محق الدين . و في الاحتجاج أن الصّادق عليه السّلام قال لأبي حنيفة لما دخل عليه : من أنت ؟ قال : أبو حنيفة ، قال : مفتي أهل العراق ، قال : نعم ، قال : بم تفتيهم ؟ قال : كتاب اللّه ، قال : فأنت العالم بكتاب اللّه ؟ ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه ، قال : نعم ، قال : فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ . « و قَدَّرْنا فيهَا السَّيرَ سيرُوا فيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنينَ » أى موضع هو ؟ قال أبو حنيفة : هو ما بين مكّة و المدينة ، فالتفت أبو عبد اللّه عليه السّلام إلى جلسائه و قال : نشدتكم باللّه هل تسيرون بين مكّة و المدينة و لا تؤمنون على دمائكم [ 61 ] من القتل و على أموالكم من السّرق ؟ فقالوا اللهمّ نعم ، قال : ويحك يا أبا حنيفة إن اللّه لا يقول إلا حقّا ، أخبرني عن قول اللّه : « و مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » أىّ موضع هو ؟ قال : ذاك بيت اللّه الحرام ، فالتفت أبو عبد اللّه عليه السّلام إلى جلسآئه و قال لهم : نشدتكم باللّه هل تعلمون أنّ عبد اللّه بن زبير و سعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟ قالوا اللهمّ نعم ، فقال : أبو عبد اللّه عليه السّلام : ويحك يا أبا حنيفة إنّ اللّه لا يقول إلاّ حقّا . فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب اللّه عزّ و جلّ إنّما أنّا صاحب قياس ، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيّما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا ؟ قال : بل القتل ، قال : فكيف رضي اللّه في القتل بشاهدين و لم يرض في الزّنا إلاّ بأربعة ؟ ثمّ قال له : الصّلاة أفضل أم الصّيام ؟ قال : بل الصّلاة أفضل ، قال : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصّيام ، و قد أوجب اللّه عليها قضاء الصّوم دون الصّلاة ، ثم قال : البول أقذر أم المني ؟ قال : البول أقذر ، قال : يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني ، و قد أوجب اللّه الغسل على المني دون البول . قال : إنّما أنا صاحب رأى ، قال عليه السّلام : فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج و زوج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثمّ سافرا و جعلا امر أتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين و بقي الغلامان أيهما في رأيك المالك و أيهما المملوك و أيهما الوارث و أيهما الموروث ؟ قال : إنّما أنا صاحب حدود ، فقال عليه السّلام : فما ترى في رجل أعمى فقاء عين صحيح ، و أقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحدّ ؟ قال : إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء ، قال : فأخبرني عن قول اللّه تعالى لموسى [ 62 ] و هارون حين بعثهما إلى دعوة فرعون : « لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » لعل منك شكّ ؟ قال : نعم ، قال : ذلك من اللّه شك إذا قال لعلّه ؟ قال أبو حنيفة : لا أعلم . قال عليه السّلام : إنك تفتي بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه ، و تزعم أنك صاحب قياس و أوّل من قاس إبليس و لم يبن دين الاسلام على القياس ، و تزعم أنك صاحب رأى و كان الرّأى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صوابا و من دونه خطاء ، لأنّ اللّه قال : « أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَريك اللَّهُ » و لم يقل ذلك لغيره ، و تزعم أنك صاحب حدود و من انزلت عليه أولى بعلمها منك ، و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء و خاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك ، لولا أن يقال : دخل على ابن رسول اللّه فلم يسأله من شي‏ء ما سألتك عن شي‏ء ، فقس إن كنت مقيسا ، قال : لا تكلّمت بالرّأى و القياس في دين اللّه بعد هذا المجلس ، قال عليه السّلام : كلاّ إن حبّ الرّياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك الخبر . ثمّ إنّ إبليس اللّعين بعد ما تمرّد عن السّجود و تكبّر عن طاعة المعبود سأل اللّه النّظرة و المهلة و الابقاء إلى يوم البعث و قال : « رَبِّ فَأَنْظِرْني إلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . ( فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسخطة ) أى لأجل استحقاقه سخط اللّه سبحانه و غضبه ، فانّ في الامهال ، و إطالة العمر ازدياد الاثم الموجب لاستحقاق زيادة العقوبة ، قال سبحانه : « و لا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهينٌ » ( و استتماما للبليّة ) أى لابتلاء بني آدم و تعريضهم للثواب بمخالفته ( و انجازا للعدة ) [ 63 ] قيل : المراد به وعد الامهال ، و ليس بشي‏ء ، لأنّه لم يسبق منه سبحانه وعد في إمهاله حتّى ينجزه ، بل الظاهر أن المراد به أنّه تعالى لمّا كان لا يضيع عمل عامل بمقتضى عدله و قد عبده إبليس في الأرض و في السّماء و كان مستحقّا للجزاء الذي وعده سبحانه لكل عامل مكافاة لعمله ، فأنجز له الجزاء الموعود في الدّنيا مكافاة لعبادته حيث لم يكن له في الآخرة من خلاق . روى في البحار عن العيّاشي عن الحسن بن عطيّة قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : إنّ إبليس عبد اللّه في السّماء في ركعتين ستّة ألف سنة و كان إنظار اللّه ، ايّاه إلى يوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة . و في رواية علي بن ابراهيم الآتية عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال إبليس : يا ربّ و كيف و أنت العدل الذي لا تجور و لا تظلم فثواب عملي بطل ، قال : لا ، و لكن سلني « اسأل خ » من أمر الدّنيا ما شئت ثوابا لعملك فاعطيك ، فاوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدين فقال اللّه : قد أعطيتك الخبر . و في روايته الآتية أيضا عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت : جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من اللّه أن أعطاه ما أعطاه ؟ قال : بشي‏ء كان منه شكره اللّه عليه ، قلت و ما كان منه جعلت فداك ؟ قال : ركعتين ركعهما في السّماء في أربعة آلاف 1 سنة ( فقال : إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) . قال الرّازي في تفسيره : اعلم أنّ إبليس استنظر إلى يوم البعث و القيامة و غرضه منه أن لا يموت ، لأنّه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة و ظاهر أن بعد قيام القيامة لا يموت فحينئذ يلزم منه أن لا يموت البتّة ، ثم إنّه تعالى منعه عن هذا المطلوب و قال : « إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرينَ إلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » ----------- ( 1 ) قوله فى اربعة آلاف سنة و قد مضى فى الرواية السالفة انه فى ستة الف سنة و فى رواية اخرى فى الفى سنة قال المجلسى و يمكن دفع التنافى بين ازمنة الصلاة و السجود بوقوع الجميع او لصدور البعض موافقا لاقوال العامة تقية انتهى منه . [ 64 ] و اختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها أن المراد من يوم الوقت وقت النّفخة الأولى حين يموت كلّ الخلايق و إنّما سمّي هذا الوقت بالوقت المعلوم ، لأنّ من المعلوم أنّه يموت كلّ الخلايق فيه ، و قيل إنّما سمّاه اللّه تعالى بهذا الاسم ، لأنّ العالم بذلك هو اللّه تعالى لا غير كما قال تعالى : « إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوْ » و قال : « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ » و ثانيها أنّ المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره و هو قوله : ( إلى يوم يبعثون ) و انما سمّاه اللّه تعالى بيوم الوقت المعلوم لان إبليس لما عيّنه و أشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم ، فان قيل : لما أجابه اللّه تعالى إلى مطلوبه لزم ان لا يموت إلى وقت قيام السّاعة و بعد قيام القيامة لا يموت أيضا فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكليّة ، قلنا يحمل قوله : إلى يوم يبعثون الى ما يكون قريبا منه ، و الوقت الذي يموت فيها كلّ المكلفين قريب من يوم البعث على هذا الوجه ، فيرجع حاصل هذا الكلام الى الوجه الأول . و ثالثها أنّ المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى و ليس المراد منه يوم القيامة انتهى . أقول : و المستفاد من بعض أخبارنا الوجه الأوّل ، و هو ما روى في العلل عن الصّادق عليه السّلام أنّه سئل عنه فقال : يوم الوقت يوم ينفخ في الصّور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الاولى و الثّانية . و من البعض الآخر أنّه عند الرّجعة ، و هو ما رواه القميّ باسناده عن أبي « ج 4 » [ 65 ] عبد اللّه عليه السّلام في قوله ، قال : يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الصّخرة في بيت المقدس ، و في رواية اخرى رواها العياشي عنه عليه السّلام أيضا انه سئل عنه فقال : أتحسب أنّه يوم يبعث فيه النّاس إنّ اللّه أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا ، فاذا بعث اللّه قائمنا كان في مسجد الكوفة و جاء إبليس حتّى يجثوبين يديه على ركبتيه فيقول : يا ويله من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم ، و يحتمل الجمع بينها بأن يقتله القائم ثم يحيى و يقتله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم يحيى و يموت عند النّفخة ، و اللّه العالم بحقايق الامور . و ينبغى التنبيه على امور مهمة مفيدة لزيادة البصيرة فى المقام الاوّل أنّه سبحانه ذكر قصّة آدم و كيفيّة خلقته و معاملة إبليس معه في مواقع كثيرة من القرآن الكريم و في ذلك أسرار كثيرة : منها الاشارة إلى كمال قدرته و عظمته حيث إنّه خلق إنسانا كاملا ذا عقل و حسّ و حياة و صاحب مشاعر ظاهرة و باطنة من تراب جامد ، ثمّ جعله طينا لازبا فجعله حمأ مسنونا فجعل الحمأ صلصالا يابسا ، ثمّ نفخ فيه من روحه فاستوى انسانا كاملا فتبارك اللّه أحسن الخالقين . و منها تذكير الخلق بما أنعم به على أبيهم آدم حيث فضّله على ملائكة السّماء بما علّمه من الاسماء و جعله مسجودا لهم و ذا مزيّة عليهم . و منها تحذير الخلق عن مكائد الشّيطان ليجتنبوا عن مصائده و فخوفه فانّ عداوته أصلية و منافرته ذاتية لا يمكن توقع الوصل و العلقة معه ألبتّة . و منها تنبيه الخلق على أنّ آدم مع فعله زلّة واحدة كيف أخرج من جوار رحمة اللّه و اهبط الى دار البليّة ، فما حال من تورّط في الذّنوب و اقتحم في المهالك و العيوب مدى عمره و طول زمانه و هو مع ذلك يطمع في دخول دار الخلد و نعم ما قيل : [ 66 ] يا ناظرا نورا بعيني راقد و مشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذّنوب الى الذنوب و ترتجي درك الجنان و نيل فوز العابد أنسيت أنّ اللّه أخرج آدما منها الى الدّنيا بذنب واحد 1 الثاني لقائل أن يقول : أمر الملائكة بالسّجود لآدم لماذا و ما السّرّ في ذلك ؟ قلنا : فيه أسرار كثيرة . منها إظهار فضيلته على الملائكة . و منها الابتلاء و الامتحان ليظهر حال ابليس على الملائكة حيث علموا بعد إبائه و امتناعه عن السجدة أنه لم يكن منهم و قد زعموا قبل ذلك انه منهم كما يدلّ عليه ما رواه عليّ بن ابراهيم القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام 2 قال سئل عمّا ندب 3 اللّه الخلق إليه أدخل فيه الضّلال ؟ « الضلالة خ » قال : نعم و الكافرون دخلوا فيه ، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم فدخل في امره الملائكة و إبليس ، فانّ إبليس كان مع الملائكة في السّماء يعبد اللّه و كانت الملائكة يظن أنّه منهم فلمّا أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد ، فعلمت الملائكة أنّ إبليس لم يكن منهم ، فقيل له عليه السّلام : فكيف وقع الأمر على إبليس و إنّما أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم ؟ فقال : كان إبليس منهم بالولاء و لم يكن من جنس الملائكة ، و ذلك انّ اللّه خلق خلقا قبل آدم ، و كان إبليس فيهم حاكما في الأرض فعتوا و أفسدوا و سفكوا الدّماء ، فبعث ----------- ( 1 ) للشيخ البهائى ره : جد تو آدم بهشتش جاى بود قدسيان كردند بهر او سجود يك گنه چون كرد گفتندش تمام مذنبى مذنب برو بيرون خرام تو طمع دارى كه با چندين گناه داخل جنت شوى اى رو سياه منه ----------- ( 2 ) فى رواية اخرى للقمى عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال ان اللّه تبارك و تعالى اراد ان يخلق خلقا بيده و ذلك بعد ما مضى من الجن و النسناس فى الارض سبعة الف سنة و كان من شانه خلق آدم الحديث . ----------- ( 3 ) اى دعاه اليه ، منه [ 67 ] اللّه الملائكة فقتلوهم و أسروا إبليس و رفعوه إلى السّماء فكان مع الملائكة يعبد اللّه إلى أن خلق اللّه تبارك و تعالى آدم . و منها أنّ سجودهم له لما كان في صلبه من أنوار نبيّنا و أهل بيته المعصومين صلوات اللّه عليهم يدلّ عليه ما رواه في الصّافي و البحار عن تفسير الامام عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن رسول اللّه سلام اللّه عليهم ، قال : يا عباد اللّه إن آدم لما رأى النّور ساطعا من صلبه إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النّور و لم يتبين الأشباح ، فقال : يا ربّ ما هذه الأنوار ؟ فقال عزّ و جلّ : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك و لذلك أمرت الملائكة بالسّجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح ، فقال آدم : يا ربّ لو بينتها لي ، فقال اللّه عزّ و جلّ : انظر يا آدم الى ذروة العرش ، فنظر آدم و وقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآة الصّافية فرأى أشباحنا ، فقال : ما هذه الأشباح يا ربّ ؟ قال اللّه يا آدم هذه أشباح أفضل خلايقي و برياتي هذا محمّد و أنا الحميد المحمود في فعالي شققت له اسما من اسمي و هذا عليّ و أنا العليّ العظيم شققت له اسما من اسمي ، و هذه فاطمة و أنا فاطر السّماوات و الأرض فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي و فاطم أوليائي عمّا يعرهم « يعتريهم خ » و يشينهم فشققت لها اسما من اسمي ، و هذا الحسن ، و هذا الحسين و أنا المحسن المجمل فشققت اسميهما من اسمي هؤلاء خيار خليقتي و كرام بريّتي بهم آخذو بهم اعطي و بهم أعاقب و بهم أثيب فتوسّل بهم إلىّ يا آدم إذا دهتك داهية فاجعلهم إلىّ شفعائك فانّي آليت على نفسي قسما حقّا أن لا اخيب بهم آملا و لا أردّ بهم سائلا فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا اللّه عزّ و جلّ بهم فتيب عليه و غفرت له . الثالث لقائل أن يقول : ما ذا كان المانع لابليس عن السّجود ؟ قلت : المستفاد من رواية القمي السّالفة أنّه الحسد ، و المستفاد من الآيات القرآنية أنّه الاستكبار ، و هو [ 68 ] المستفاد أيضا ممّا رواه في البحار عن قصص الرّاوندي بالاسناد إلى الصدوق باسناده إلى ابن عبّاس قال : قال إبليس لنوح عليه السّلام : لك عندي يد سأعلّمك خصالا ، قال نوح : و ما يدي عندك ؟ قال : دعوتك على قومك حتّى أهلكهم اللّه جميعا ، فايّاك و الكبر و إيّاك و الحرص و إيّاك و الحسد ، فانّ الكبر هو الذي حملني على أن تركت السّجود لآدم فأكفرني و جعلني شيطانا رجيما ، و إيّاك و الحرص فانّ آدم أبيح له الجنّة و نهي عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها ، و إيّاك و الحسد فانّ ابن آدم حسد أخاه فقتله ، فقال نوح : متى تكون أقدر على ابن آدم ؟ فقال : عند الغضب هذا . و لا منافاة بينها لأنّه يجوز أن يكون المانع الحسد و الكبر النّاشي من قياسه الفاسد جميعا . و يدلّ عليه 1 ما رواه عليّ بن إبراهيم باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم . في حديث طويل و ساق الحديث إلى قوله : فخلق اللّه آدم فبقي أربعين سنة مصوّرا و كان يمرّ به إبليس اللعين فيقول : لأمر ما خلقت ، فقال العالم عليه السّلام : فقال ابليس : لأن أمرني اللّه بالسّجود لهذا لعصيته ، قال : ثمّ نفخ فيه ، فلما بلغت فيه الرّوح إلى دماغه عطس عطسة فقال : الحمد للّه ، فقال اللّه له : يرحمك اللّه 2 ، ثمّ قال اللّه تبارك و تعالى للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا له ، فاخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد فقال اللّه عزّ و جلّ . ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قالَ أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ ) . قال الصّادق عليه السّلام فأوّل من قاس إبليس و استكبر ، و الاستكبار هو أوّل معصية عصي اللّه بها ، قال : فقال ابليس : يا ربّ اعفني من السّجود لآدم و أنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل ، قال اللّه تعالى : لا حاجة لي إلى عبادتك إنّما أريد ----------- ( 1 ) اى على وجه الجمع بما ذكر ، منه ----------- ( 2 ) قال الصادق فسبقت له من اللّه المرحمة ، تفسير القمى ( ره ) [ 69 ] أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تريد ، فأبى أن يسجد فقال اللّه تبارك و تعالى : أُخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتي إِلى‏ يَوْمِ الدّينِ . فقال ابليس : يا رب كيف و أنت العدل الذي لا تجور فثواب عملي بطل ، قال : لا ، و لكن اسأل من أمر الدّنيا ما شئت ثوابا لعملك فاعطيك فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدّين ، فقال اللّه قد أعطيتك . قال : سلّطني على ولد آدم ، قال : سلّطتك قال : أجرني فيهم مجرى الدّم في العروق قال : أجريتك ، قال : لا يولد لهم ولد إلاّ ولد لي اثنان و أراهم و لا يروني و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت ، فقال : قد أعطيتك ، قال : يا ربّ زدني ، قال : قد جعلت لك و لذريّتك صدورهم أوطانا ، قال : ربّ حسبي فقال ابليس عند ذلك : فَوَ عِزَّتِكَ لَاُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصينَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيْديهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ شَمآئِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرينَ . هذا و روى أيضا باسناده عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : لمّا اعطى اللّه تبارك و تعالى لابليس ما أعطاه من القوّة قال آدم : يا ربّ سلّطت إبليس على ولدي و أجريته فيهم مجرى الدّم في العروق و أعطيته ما أعطيته فما لي و لولدي فقال : لك و لولدك السيّئة بواحدة و الحسنة بعشر أمثالها ، قال : يا رب زدني ، قال : التّوبة مبسوطة إلى حين يبلغ النّفس الحلقوم ، فقال : يا ربّ زدني قال : أغفر و لا ابالي قال : حسبي . الرابع اختلفوا في أنّ ابليس اللّعين هل هو من الجنّ أم من الملائكة ، المعزى إلى أكثر المتكلمين من أصحابنا و المعتزلة هو الأوّل ، و ذهب كثير من فقهاء العامّة على ما حكى عنهم الفخر الرّازي و جمهور المفسّرين و منهم ابن عبّاس على ما حكاه عنهم الشّارح البحراني إلى الثّاني . و المختار عندنا هو الأوّل وفاقا للاكثر و منهم المفيد و قد نسبه إلى الاماميّة كلّها ، حيث قال في المحكي عنه في كتاب المقالات : إنّ ابليس من الجنّ خاصّة [ 70 ] و إنّه ليس من الملائكة و لا كان منها ، قال اللّه تعالى : ( إِلاّ إِبْليسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) . و جائت الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى من آل محمّد عليهم السّلام بذلك ، و هو مذهب الاماميّة كلّها و كثير من المعتزلة و أصحاب الحديث انتهى . و احتجّ للمختار بوجوه . الأوّل : انّ إبليس من الجنّ فوجب أن لا يكون من الملائكة ، أمّا أنّه من الجنّ فلقوله تعالى في سورة الكهف : ( إِلاّ إِبْليسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه‏ ) . و أمّا أنّه إذا كان من الجنّ فوجب أن لا يكون من الملائكة ، فلقوله تعالى : ( وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَميعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ، قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) فانّ الآية صريحة في الفرق بين الجنّ و الملائكة . و ما ربّما يتوهّم من أنّ معنى قوله سبحانه : كان من الجنّ ، أنّه كان خازن الجنّة على ما روى عن ابن مسعود ، أو أنّ كان بمعنى صار ، أى صار من الجنّ كما أنّ قوله : و كان من الكافرين ، بمعنى صار من الكافرين ، فظاهر الفساد . أمّا أولا فلأنّه خلاف الظاهر المتبادر من الآية الشّريفة ، كما أنّ حمل كان بمعنى صار كذلك . و أمّا ثانيا فلأنّه سبحانه علّل ترك السّجود بأنّه كان من الجنّ و لا يمكن تعليل ترك السّجود بكونه خازنا للجنّة كما لا يخفى . و العجب من بعضهم حيث قال : إن كونه من الجنّ لا ينافي كونه من الملائكة لأنّ الجنّ من الاجتنان و هو الاستتار ، و الملائكة مستترون عن العيون فصحّ جواز إطلاق اللّفظ عليهم . [ 71 ] و فيه أنّ الجنّ و إن كان يجوز إطلاقه بحسب اللغة على الملك إلاّ أنّه صار في الاصطلاح مختصّا بالجنس المقابل للملك و الانس ، فلا يجوز الاطلاق . الثّاني أنّ إبليس له ذريّة و نسل ، قال اللّه تعالى : ( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُوني ) . و الملائكة لا ذريّة لهم إذ ليس فيهم انثى كما يدل عليه قوله سبحانه : ( وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) . و اورد عليه بمنع دلالة الاية على انتفاء الانثى أولا ، و منع ملازمة انتفاء الانثى على تقديره ثانيا ، ألا ترى أنّ الشّياطين ليس فيهم انثى و مع ذلك لهم ذرّية ، و لذلك قال شيخنا الطوسي ( ره ) في محكي كلامه عن التّبيان : من قال إنّ إبليس له ذرّية و الملائكة لا ذرّية لهم و لا يتناكحون و لا يتناسلون فقد عوّل على خبر غير معلوم . الثّالث أنّ الملائكة معصومون لأدلّة العصمة و إبليس ليس بمعصوم فلا يكون منهم و ربّما يستدلّ بوجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها . و احتجّ للقول الثّاني بوجهين . الاول انّه سبحانه استثناه في غير موضع من القرآن من الملائكة ، و الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، و هو يفيد كونه من الملائكة . و ما أورد عليه أولا من أنّ الاستثناء المنقطع شايع في كلام العرب و كثير في كلام اللّه سبحانه قال : ( وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ لِأَبيهِ وَ قَوْمِه‏ يا قَوْمِ إِنَّني بَرآءُ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذي فَطَرَني ) . و قال : ( لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْواً وَ لا تَاْثيماً إِلاّ قيلاً سَلاماً سَلاماً ) و قال : و لاَ [ 72 ] تَاْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَة عَنْ تَراضٍ ) . إلى غير ذلك . و ثانيا من أنّ الاستثناء على تسليم اتصاله أيضا لا يفيد الدّخول كما قال الزّمخشري بعد قوله سبحانه إلاّ إبليس استثناء متّصل ، لأنّه كان جنّيا واحدا بين أظهر الالوف من الملائكة مغمورا بهم فغلبوا عليه في قوله فاسجدوا ثمّ استثنى منهم استثناء واحد منهم . فقد ردّ الأوّل بانّه خلاف الأصل و لا يصار إليه إلاّ بدليل و الأدلّة السّالفة 1 لا تصلح للدّلالة لأنّها من قبيل العمومات ، و الأمر في المقام دائر بين تخصيصها على جعل ابليس من الملائكة و بين حمل الاستثناء على المنقطع على جعله من الجنّ و كلاهما خلاف الأصل إلاّ أنّ الأوّل أولى لأن تخصيص العام أغلب من انقطاع الاستثناء فلا بدّ من المصير اليه . و الثّاني بأنّ تغليب الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه في جنب الكثير أمّا إذا كان معظم الحديث لا يكون إلاّ عن ذلك الواحد لم يجز اجراء حكم غيره عليه و تغليبه عليه و فيه نظر و وجهه سيظهر . الثانى أنّه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان الأمر بالسجدة بقوله اسجدوا شاملا له ، فلا يكون تركه للسّجود إباء و استكبارا و معصية ، و لما استحق الذمّ و العقاب ، و حيث حصلت هذه الامور كلّها فعلمنا بتناول الخطاب له ، و لا يتناوله إلاّ مع كونه من الملائكة . و ردّ أولا بمنع كونه مخاطبا بذلك الخطاب العام المستلزم للتّناول ، لم لا يجوز أن يخاطب بأمر آخر مختص به ، و ثانيا بمنع استلزام تناول ذلك الخطاب له على تقدير تسليمه كونه من الملائكة لجواز أن يكون طول مخالطته بهم و نشوه معهم مصحّحا لتعلق الخطاب و تناوله فلا يثبت به الملازمة . ----------- ( 1 ) على كونه من الجن ، منه [ 73 ] و يضعّف الأول بأن ظاهر قوله : و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ، أن الاباء و العصيان إنّما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر . و الثّاني بأنّ طول المخالطة لا يوجب تناول الحكم و إلاّ لتناول خطاب المذكور في الأدلّة الشّرعيّة للاناث و بالعكس و هو خلاف ما صرّح به علماء الأصول . أقول : هذا جملة ما استدلّ به على الطرفين في المقام و التّعويل عندنا على الأخبار الصّحيحة عن العترة الطاهرة : منها رواية عليّ بن ابراهيم القميّ السّالفة في الأمر الثّاني . و منها ما عن تفسير الامام عن يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيار عن أبويهما عن العسكرى عليه السّلام في ذيل قصّة هاروت و ماروت بعد إثباته عليه السّلام عصمة الملائكة ، قالا : قلنا له : فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا ، فقال : لابل كان من الجنّ ، أما تسمعان اللّه عزّ و جلّ يقول : ( وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْليسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) . فأخبر عزّ و جلّ أنّه كان من الجنّ ، و هو الذي قال اللّه عزّ و جلّ : ( وَ الْجآنَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) . و منها ما رواه العيّاشي عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سألته عن إبليس أ كان من الملائكة او هل كان يلي شيئا من أمر السّماء ؟ قال عليه السّلام : لم يكن من الملائكة و لم يكن يلي شيئا من أمر السّماء ، و كان من الجنّ ، و كان مع الملائكة ، و كانت الملائكة ترى أنّه منها ، و كان اللّه يعلم أنّه ليس منها ، فلما أمر بالسّجود كان منه الذي كان . و منها ما رواه عليّ بن ابراهيم باسناده عن جميل قال : كان الطيار يقول لي ابليس ليس من الملائكة و إنّما امرت الملائكة بالسّجود لآدم ، فقال إبليس لا أسجد [ 74 ] فما لابليس يعصى حين لم يسجدو ليس هو من الملائكة ، قال فدخلت أنا و هو على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال فأحسن و اللّه في المسألة فقال جعلت فداك : أرأيت ما ندب اللّه إليه المؤمنين من قوله : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا ) . دخل في ذلك المنافقون معهم ؟ قال : نعم ، و الضلال و كلّ من أقرّ بالدّعوة الظاهرة ، و كان إبليس ممّن أقرّ بالدّعوة الظاهرة معهم . إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي قد سمعت في صدر المسألة عن المفيد « قده » ادعاءه تواترها و نسبة المذهب المختار إلى الاماميّة رضوان اللّه عليهم الظاهر في كونه مجمعا عليه بينهم ، و لا يعبأ بخلاف شيخنا الطوسي قدّس اللّه روحه في المسألة و لا يقدح ذلك في الاجماع مع كونه معلوم النّسب و ادّعاؤه الرّواية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام بكونه من الملائكة ضعيف ، بما قاله العلامة المجلسي من أنّا لم نظفر بها و إن ورد في بعض الأخبار فهو نادر مأوّل . فان قلت : سلّمنا ذلك كلّه و لكن كيف يتصوّر في حقّ الملائكة عدم علمهم بأنّ إبليس منهم بعد أن أسروه من الجنّ و رفعوه إلى السّماء ، و ما المراد بقولهم عليهم السّلام في الأخبار السّابقة : و كانت الملائكة ترى أنّه منها ؟ قلنا : يحتمل أن يكون المراد أنّ الملائكة ترى أنّه منهم في طاعة اللّه و عدم العصيان لمواظبته على عبادته سبحانه أزمنة متطاولة ، فيكون من قبيل قولهم عليهم السّلام : سلمان منا ، أو أنّهم لمّا رأوا تباين أخلاقه ظاهرا للجنّ و تكريم اللّه تعالى إياه و جعله من بينهم مرفوعا إلى السّماء ، و جعله رئيسا على بعضهم كما قيل ، ظنّوا أنّه كان منهم وقع بين الجنّ . الخامس لقائل أن يقول : كيف كان سجود الملائكة لآدم أهو بنحو السّجود المتعارف من وضع الجبهة على المسجد أو بنحو آخر ؟ قلت : الموجود في كلمات الأعلام أنّه [ 75 ] كان بنحو السّجود المتعارف ، و هو المروي عن الصّادق عليه السّلام أيضا ، و لا إشكال فيه و إنّما الاشكال في أنّ السّجدة عبادة ، و كيف جاز في حقّ آدم . قلت : قد اتّفق المسلمون على أنّ ذلك السّجود ليس سجود عبادة ، لأن سجود العبادة لغير اللّه كفر و لا يمكن أن يكون مأمورا به . ثمّ اختلفوا بعد ذلك على أقوال : أحدها أنّه على وجه التكرمة لآدم و التّعظيم لشأنه و تقديمه عليهم و هو قول قتادة و جماعة من أهل العلم ، و هو المرويّ عن أئمّتنا و لهذا جعل أصحابنا ذلك دليلا على أفضليّة الأنبياء من الملائكة من حيث انّه امرهم بالسّجود لآدم و ذلك يقتضي تعظيمه و تفضيله عليهم و إذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنّه أفضل من الملائكة ، و قد نسب الصدوق ذلك في العقايد إلى اعتقاد الاماميّة ، و هو ظاهر في قيام اجماعهم على هذا القول . لا يقال : سجود التعظيم و التكرمة هو عبارة اخرى لسجود العبادة فيعود الاشكال لانّا نقول : لا نسلّم كونه عبادة ، و ذلك لأن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الاعظام ما يفيده القول و ما ذاك إلاّ للعادة فلا يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الانسان على الأرض و إلصاقه الجبين بها مفيدا ضربا من التّعظيم و إن لم يكن ذلك عبادة ، و إذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد اللّه الملائكة بذلك إظهارا لرفعته و كرامته . الثّاني أنّ السّجود كان للّه و آدم كالقبلة حكاه الطبري عن الجبائي و أبي القاسم البلخي . و أورد عليه أوّلا بأنّه لا يقال صلّيت للقبلة بل يقال صلّيت إلى القبلة فلو كان آدم قبلة يقول اسجدوا إلى آدم مع أنّه قال اسجدوا لآدم ، و يظهر منه عدم كونه قبلة . و ثانيا بأنّ إباء إبليس عن السّجود إنّما هو لاعتقاده تفضيله به و تكرمته [ 76 ] و حسبانه أنّ كونه مسجودا له يدلّ على أنّه أعظم شأنا من السّاجد كما يشعر به قوله : ( أَ رَأَيْتكَ هذا الَّذي كَرَّمْتَ عَلَىَّ ) و قوله : ( أَنا خَيرٌ مِنْهُ ) . و من المعلوم أنّ السّجدة للقبلة لا يوجب تفضيل القبلة على السّاجد ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يصلّي إلى الكعبة و لا يلزم أن يكون الكعبة أفضل منه . و أجيب عن الأوّل بأنّه كما يجوز ان يقال : صلّيت إلى القبلة كذلك يصحّ أن يقال : صلّيت للقبلة ، و كلاهما بمعنى واحد ، و يشهد بصحته قول حسان في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام : ما كنت أعرف « أحسب خ » انّ الأمر منصرف . عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن . أ ليس أوّل من صلّى لقبلتكم . و أعرف النّاس بالآيات « القرآن خ » و السنن و عن الثّاني بأنّ إبليس شكى تكريمه و ذلك التكريم لا نسلّم أنّه حصل بمجرّد تلك المسجودية ، بل لعلّه حصل بذلك مع امور اخر ، هذا ، و أنت خبير بما فيه . الثّالث أنّ السّجود في أصل اللغة هو الانقياد و الخضوع و هو المراد هنا . و ردّه الفخر الرّازي بأنّ السّجود لا شكّ أنّه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض ، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك ، لأصالة عدم النّقل انتهى . و فيه ما لا يخفى و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه تعرف أنّ الأقوى هو القول الأوّل . السادس إن قيل : أىّ حكمة في خلقة الشّيطان و تسليطه على ابن آدم و إمهاله إلى يوم الدين ؟ قلت : هذه شبهة وقعت في البرية و أصلها نشأت من إبليس من استبداده بالرّأى في مقابلة النصّ و اختياره الهوى في معارضة الأمر و استكباره بالنّار التي [ 77 ] خلق منها على الطين و الصّلصال ، و تفصيل هذه الشّبهة ما حكاه الفخر الرّازي عن محمّد بن عبد الكريم الشّهرستاني في أوّل كتابه المسمّى بالملل و النّحل حكاية عن ماري شارح الأناجيل الأربعة ، قال : و هي مذكورة في التوراة متفرّقة على شكل مناظرة بينه و بين الملائكة بعد الأمر بالسّجود ، قال إبليس للملائكة : إنّي اسلم أن لي إلها هو خالقي و موجدي و هو خالق الخلق لكن لي على حكمة اللّه أسألة سبعة . الاول ما الحكمة في الخلق لا سيّما كان عالما بأنّ الكافر لا يستوجب عند خلقه إلاّ الآلام ؟ الثاني ثمّ ما الفائدة في التّكليف مع أنّه لا يعود منه ضرّ و لا نفع ، و كلّ ما يعود إلى المكلّفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التّكليف ؟ الثالث هب أنّه كلفني بمعرفته و طاعته فلماذا كلّفني بالسّجود لآدم ؟ الرابع ثمّ لمّا عصيته في ترك السّجود لآدم فلم لعنني و أوجب عقابي مع أنّه لا فائدة له و لا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضّرر ؟ الخامس ثمّ لمّا فعل ذلك فلم مكّننى من الدّخول إلى الجنّة و وسوست لآدم عليه السّلام ؟ السادس ثمّ لمّا فعلت ذلك فلم سلّطنى على أولاده و مكّننى من إغوائهم و إضلالهم ؟ السابع ثمّ لمّا استمهلته المدّة الطويلة في ذلك فلم أمهلني ؟ و معلوم أنّ العالم لو كان خاليا عن الشّر لكان ذلك خيرا . قال شارح الأناجيل : فأوحى اللّه تعالى إليه 1 من سرادقات الجلال و الكبرياء يا إبليس انّك ما عرفتني و لو عرفتني لعلمت أنّه لا اعتراض عليّ في شي‏ء من أفعالي ، ----------- ( 1 ) و فى بعض العبارات فاوحى اللّه الى الملائكة قولوا له انك فى تسليمك الاول الى الهك و آله الخلق غير صادق و لا مخلص اذ لو صدقت انى اله العالمين ما حكمت على بلم فانا اللّه لا اله الا انا لا اسأل غما افعل و الخلق مسئولون ( منه ) [ 78 ] فانّي انا اللّه لا اله إلاّ أنا لا أسأل عمّا أفعل . قال الفخر الرّازي بعد حكاية ذلك : و اعلم أنّه لو اجتمع الأوّلون و الآخرون من الخلايق و حكموا بتحسين العقل و تقبيحه لم يجدوا عن هذه الشّبهات مخلصا و كان الكلّ لازما ، أمّا اذا أجبنا بذلك الجواب الذي ذكره اللّه تعالى زالت الشّبهات و اندفعت الاعتراضات ، و كيف لا ، و كما أنّه سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في صفاته فهو مستغن في فاعليّته عن المؤثرات المرجحات إذ لو افتقر لكان فقيرا لا غنيّا فهو سبحانه مقطع الحاجات و منتهى الرّغبات و من عنده نيل الطلبات ، و إذا كان كذلك لم تتطرق اللميّة إلى أفعاله و لم يتوجه الاعتراض على خالقيّته انتهى . قال الصّدر الشّيرازي في كتابه المسمّى بمفاتيح الغيب بعد ذكره شبهات إبليس و جوابه سبحانه و ذكره ما حكيناه عن الرّازي : أقول : إنّ لكلّ من هذه الشبهات جوابا برهانيّا صحيحا واضحا عند أصحاب القلوب المستقيمة ، لابتنائه على الاصول الحقة العرفانية في المقدمات الاضطرارية اليقينية لكن الجاحد المعوج لا ينفعه كثرة البراهين النّيرة ، و إنّما يسكته الجواب الجدلي المشهور المبني على المقدمات المقبولة التي يذعن بها الجمهور ، و ليس معنى قوله تعالى لا اسأل عمّا افعل أنّه ليس لما فعله مبدء ذاتي و غاية عقليّة و مصلحة حكميّة ، كما هو مذهبهم من إبطال العلّية و المعلوليّة و إنكار العلاقة الذّاتية بين الأسباب و مسبّباتها و تجويز ترجيح أحد المتساويين في النّسبة على الاخر و تمكين المجازات الاختيارية و الارادات التّخييليّة بل المراد أحد معنيين . الأوّل أنّه لا لميّة للفعل الصّادر عن ذاته من غير واسطة سوى ذاته و إنّما ذاته هو منشأ الفعل المطلق و غايته و كما لا سبب لذاته في وجوده لا سبب لذاته في ايجاده و إلاّ لكان ناقصا في ذاته مستكملا بغيره تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . الثّاني أنّ من ليس له درجة الارتقاء إلى عالم الملكوت و الوصول إلى شهود المعارف الالهيّة و إدراك الحضرة الرّبوبيّة فلا يمكنه العلم بكيفيّة الصّنع و الايجاد [ 79 ] على ما هو عليه ، و لا سبيل له إلاّ التسليم و الاعتراف بالقصور و من له مرتبة إدراك الأشياء كما هي بالعلم اللّدنّي فلا حاجة له إلى السّؤال ، لأنّه يلاحظ الامور على ما هي عليه بنور اللّه و بعين قلبه المنوّر بنور الايمان و العرفان ، لا بأنوار المشاعر كالشّيطان ، و لهذا منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله النّاس عن التّكلم و البحث في الأشياء الغامضة كسرّ القدر و مسألة الرّوح ، لأنّ البحث عنها لا يزيد إلاّ حيرة و دهشة . و قال في شرح أصول الكافي ما محصّله : إنّ غرض الفخر الرّازي إثبات مذهب أصحابه من القول بالفاعل المختار و نفي التخصيص في الأفعال ، و ذلك ممّا ينسد به باب إثبات المطالب بالبراهين كاثبات الصّانع و صفاته و أفعاله و اثبات البعث و الرّسالة ، إذ مع تمكين هذه الارادة الجزافيّة لم يبق اعتماد على شي‏ء من اليقينيات ، فيجوز أن يخلق الفاعل المختار بالارادة التي يعتقدها هؤلاء الجدليون فينا أمرا يرينا الاشياء لا على ما هي عليه . فاقول : إنّ لكلّ شبهة من هذه الشّبهات التي أوردها اللّعين جوابا برهانيّا حقّا من قبل اللّه تعالى بما يسكته ، و هو بيان حاله و ما هو عليه من كفره و ظلمة جوهره عن إدراك الحقّ كما هو ، و ان ليس غرضه في ابداء هذه الشبهات إلاّ الاعتراض و إغواء من يتبعه من الجهال النّاقصين أو الغاوين الذين هم جنود إبليس أجمعون ، فقيل له : إنّك لست بصادق في دعواك معرفة اللّه و ربوبيّته و لو صدقت فيها لم تكن معترضا على فعله . و أمّا الأجوبة الحكميّة عن تلك الشبهات على التّفصيل لمن هو أهلها و مستحقّها فهي هذه . اما الشبهة الاولى و هي السّؤال عن الحكمة و الغاية في خلق إبليس ، فالجواب عنها أنّه من حيث إنّه من جملة الموجودات على الاطلاق فمصدره و غايته ليس إلاّ ذاته تعالى التي تقتضي وجود كلّ ما يمكن وجوده و يفيض عنها الوجود على كلّ قابل و منفعل ، و أمّا حيثيّة كونه موجودا ظلمانيا و ذاتا شريرة و جوهرا خبيثا فليس ذلك بجعل [ 80 ] جاعل ، بل هو من لوازم هويته النّازلة في آخر مراتب النّفوس و هي المتعلّقة بما دون الأجرام السّماوية و هو الجسم النّاري الشديدة القوّة فلا جرم غلبت عليه الانانيّة و الاستكبار و الافتخار و الاباء عن الخضوع و الانكسار . و اما الشبهة الثانية و هي السؤال عن حكمة التّكليف بالمعرفة و الطاعة فالجواب عنها أنّ الغاية في ذلك تخليص النّفوس من اسر الشّهوات و سجن الظلمات و نقلها من حدود البهيميّة و السبعيّة إلى حدود الانسانية و الملكيّة و تطهيرها و تهذيبها بنور العلم و قوّة العمل من درن الكفر و المعصية و رجس الجهل و الظلمة ، و لا ينافي عموم التكليف عدم تأثيره في النّفوس الجاشية و القلوب القاسية ، كما أنّ الغاية في إنزال الغيث إخراج الحبوب و إنبات الثّمار و الأقوات منها 1 و عدم تأثيره في الصّخور القاسية و الأراضي الخبيثة لا ينافي عموم النّزول ، و اللّه أجل من أن تعود إليه فائدة في هداية الخلق كما في إعطائه أصل خلقه بل هو الذي « أَعْطى كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » . من غير غرض أو عوض في فضله وجوده . و اما الشبهة الثالثة و هي السّؤال عن فايدة تكليفه بالسّجود لآدم و الحكمة فيه ، فالجواب عنها أولا أنّه ينبغي أن يعلم أن للّه سبحانه في كلّ ما يفعله أو يأمر به حكمة بل حكما كثيرة لأنّه تعالى منزّه عن فعل العبث و الاتفاق و الجزاف و إن خفى علينا وجه الحكمة في كثير من الامور على التّفصيل بعد أن علمنا القانون الكلي في ذلك على الاجمال ، و خفاء الشي‏ء علينا لا يوجب انتفائه ، و هذا يصلح للجواب عن هذه الشبهة و نظايرها . و ثانيا أنّ التكليف بالسّجود كان عامّا للملائكة و كان هو معهم في ذلك ----------- ( 1 ) كقطر الماء فى الاصداف درّ و فى بطن الافاعى صار سما . « ج 5 » [ 81 ] الوقت فعمه الأمر بها تبعا و بالقصد الثّاني ، لكنه لما تمرّد و عصى و استكبر و أبى بعد ما اعتقد بنفسه أنّه من المأمورين صار مطرودا ملعونا . و ثالثا أنّ الأوامر الالهيّة و التّكاليف الشّرعيّة ما يمتحن به جواهر النّفوس و يعلن ما في بواطنهم و يبرز ما في مكان صدورهم من الخير و الشّر و الشّقاوة فتتمّ به الحجّه و تظهر المحجة ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) . و اما الشبهة الرابعة و هي السّؤال عن لمّة تعذيب الكفار و المنافقين و ايلامهم بالعقوبة و إبعادهم عن دار الرّحمة و الكرامة ، فالجواب عنها أنّ العقوبات الاخرويّة من اللّه تعالى ليس باعثها الغضب و الانتقام و إزالة الغيظ و نحوها تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، و إنّما هي لوازم و تبعات ساق إليها أسباب داخليّة نفسانيّة و أحوال باطنيّة انتهت إلى التعذيب بنتائجها من الهوى إلى الهاوية و السقوط في أسفل درك الجحيم و مصاحبة الموذيات من العقارب و الحيّات و غيرها و مثالها في هذا العالم الأمراض الواردة على البدن الموجبة للأوجاع و الأسقام بواسطة نهمة سابقة ، فكما أنّ وجع البدن لازم من لوازم ما ساق إليه الأحوال الماضية و الأفعال السّابقة من كثرة الأكل أو إفراط الشّهوة و نحوهما من غير أن يكون هيهنا معذّب خارجيّ ، فكذلك حال العواقب الاخرويّة و ما يوجب العذاب الأليم الدّائم لبعض النفوس الجاحدة للحقّ المعرضة عن الآيات و هي « نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتي تَطَّلِعُ عَلىَ الْأَفْئِدَةِ » و أما الّتي دلّت عليه الأخبار و الآيات الواردة في الكتب الالهيّة و الشّرايع الحقّة من العقوبات الجسمانية الواردة على بدن المسي‏ء من خارج على ما يوصف في التّفاسير فهي أيضا منشاها أمور باطنية و هيئات نفسانية برزت من [ 82 ] الباطن إلى الظاهر و تصورت بصور النيران و العقارب و الحيّات و المقامع من حديد و غيرها ، و هكذا حصول الأجسام و الأشكال و الأشخاص في الآخرة كما حقّق في مباحث المعاد الجسماني و كيفيّة تجسّم الأعمال ، و دلّ عليه كثير من الآيات مثل قوله تعالى : « وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرينَ » و قوله : « وَ بُرِّزَتِ الْجَحيمُ لِلْغاوينَ » و قوله : « كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينَ لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ الْيَقينِ » و قوله : « وَ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَ حُصِّلَ ما في الصُّدُورِ » ثمّ إذا سلّم معاقب من خارج فان في ذلك أيضا مصلحة عظيمة ، لأنّ التّخويف و الانذار بالعقوبة نافع في أكثر الأشخاص و الانقياد بذلك التخويف بتعذيب المجرم المسي‏ء تأكيد للتّخويف و مقتض لازدياد النفع ، ثم هذا التّعذيب ، و ان كان شرّا بالقياس الى الشّخص المعذّب لكنّه خير بالقياس الى أكثر أفراد النّوع فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه الشرّ القليل كما في قطع العضو لا صلاح البدن و ساير الأعضاء . و أما الشبهة الخامسة و هي السؤال عن فائدة تمكين الشيطان من الدّخول إلى آدم في الجنّة حتى غرّه بوسوسته فأكل ما نهي عنه فاخرج به من الجنّة ، فالجواب عنها أنّ الحكمة في ذلك و المنفعة عظيمة ، فانّه لو بقي في الجنة أبدا لكان بقي هو وحده في منزلته التي كان عليها في أوّل الفطرة من غير استكمال و اكتساب فطرة اخرى فوق الاولى و إذا هبط إلى الأرض خرج من صلبه أولاد لا تحصى يعبدون اللّه و يطيعونه إلى يوم القيامة و يرتقى منهم عدد كثير في كل زمان إلى درجات الجنان بقوّتي العلم و العبادة ، و أىّ حكمة و فائدة أعظم و أجلّ و أرفع و أعلى من وجود الأنبياء و الأولياء ؟ و من جملتهم سيد المرسلين و أولاده المعصومون صلوات اللّه عليهم و على ساير الأنبياء [ 83 ] و المرسلين ، و لو لم يكن في هبوطه إلى الأرض مع إبليس إلا ابتدائه مدّة الدّنيا و اكتسابه درجة الاصطفاء لكانت الحكمة عظيمة و الخير جليلا . و أما الشبهة السادسة و هي السؤال عن وجه الحكمة في تسليطه على ذرّية آدم بالاغواء و الوسوسة بحيث يراهم من حيث لا يرونه ، فالجواب عنها أن نفوس أفراد البشر في أوّل الفطرة ناقصة بالقوّة ، و مع ذلك بعضها خيرة نورانية شريفة بالقوّة مايلة إلى الامور القدسية عظيمة الرغبة إلى الاخرة ، و بعضها خسيسة الجوهر ظلمانية شريرة مائلة إلى الجسمانيّات عظيمة في ايثار الشهوة و الغضب ، فلو لم يكن الاغواء و لا طاعة النّفس و الهوى لكان ذلك منافيا للحكمة لبقائهم على طبقة واحدة من نفوس سليمة ساذجة فلا تتمشي عمارة الدّنيا بعدم النفوس الجاسية الغلاظ العمالة في الأرض لأغراض دنيّة عاجلة ، ألا ترى إلى ما روي من قوله تعالى في الحديث القدسي : انّي جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم ، و ما روي أيضا في الخبر : لو لا أنّكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم يذنبون . و أما الشبهة السابعة و هي السؤال عن فائدة إمهاله إلى يوم الوقت المعلوم فالجواب عنها بمثل ما ذكرناه ، فان بقائه تابع لبقاء النّوع البشري بتعاقب الأفراد و هي مستمرّة إلى يوم القيامة ، فكذلك وجب استمراره لأجل ايراثه الفائدة التي ذكرناها في وجوده و وجود وسوسته إلى يوم الدين ، انتهى ما أهمنا نقله و بعض أجوبته غير خال عن التأمل فتأمل الترجمة و طلب أدا نمود حق سبحانه و تعالى از فرشتگان أمانت خود را كه نزد ايشان داشت و وصيت معهوده كه بايشان نموده بود در اذعان و انقياد نمودن ايشان بسجده كردن مر او را و خضوع و فروتنى ايشان از براى تعظيم و تكريم آن ، پس فرمود خداوند ربّ العزّة ايشانرا كه سجده كنيد آدم را پس همه سجده كردند و هيچيك تمرّد نكرد مگر شيطان ملعون و قبيله و تابعان او ، عارض شد ايشانرا عصبيّت و غالب شد [ 84 ] بر ايشان شقاوت و بدبختى ، تكبّر نمودند و عزيز شمردند خودشانرا بجهة مخلوق شدن ايشان از آتش ، و ضعيف و خوار شمردند مخلوق از صلصال و گل خشك را ، پس عطا فرمود خداوند او را مهلتى از براى استحقاق او مر سخط و غضب خداوندى را ، و از براى تمام ساختن امتحان بني نوع انسان ، و از جهت راست نمودن وعده خود پس فرمود كه بدرستى تو از مهلت داده‏شدگان هستى تا روزيكه وقت دانسته شده است . الفصل الثاني عشر ثمّ أسكن آدم دارا أرغد فيها عيشته ، و آمن فيها محلّته ، و حذّره إبليس و عداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام و مرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكّه و العزيمة بوهنه ، و استبدل بالجذل و جلا ، و بالإعتزاز ندما . اللغة ( السّكون ) هو الاطمينان و المسكن المنزل و ( الرغد ) النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء ، قال ابن دريد : الرّغد السعة في العيش و ( العيشة ) بكسر العين كالعيش بالفتح مصدر عاش يعيش و هو الحياة و ما يعاش به من الرزق و الطعام و الخبز و ( محلّة ) القوم منزلهم ( فاغترّه ) من الغرّة بالكسر و هو الغفلة و ( نفس ) الشي‏ء بالضم نفاسة كرم و نفست به مثل ضننت به لنفاسته لفظا و معنى و ( المقام ) بالفتح اسم مكان من قام بمعنى انتصب و بالضمّ اسم مكان من أقام و كلاهما صحيحان و عزم ( عزيمة ) و عزمة اجتهد وجد في أمره و ( الجذل ) بفتحتين مصدر جذل إذا فرح و ( اعتزّ ) بفلان عدّ نفسه عزيزة به الاعراب كلمة ثمّ في قوله عليه السّلام ثمّ أسكن حرف عطف مفيدة للتّعقيب فتفيد أنّ الاسكان [ 85 ] في الجنّة بعد أمر الملائكة بالسجود و سجودهم و هو الظاهر من الترتيب الذكري في الآية الشريفة في سورة البقرة حيث قال سبحانه : « وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ » ثم قال : « وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ » . الآية إلاّ أنّ المستفاد من الأخبار و ظاهر بعض 1 الآيات و التفاسير كون السجود حين السّكون في الجنّة و يمكن الجواب بانّ المراد بالسّكنى في الاية الشريفة و في قول الامام عليه السّلام هو المقام مع اللّبث و الاستقرار و هو لا ينافي كون آدم عليه السّلام في الجنّة قبل ذلك أيضا و كون سجود الملائكة له حين ما كان هو فيه كما هو ظاهر لا يخفى ، و نصب إبليس في قوله و حذّره إبليس على نزع الخافض ، و نفاسة منصوب على المفعول له ، و الباء في قوله : بدار المقام للسّببية ، و في قوله بشكّه باء الأثمان و هي الدّاخلة على الأعواض مثل بعت الكتاب بدرهم ، و قد يطلق عليها باء المقابلة ، و في قوله عليه السّلام : بالجذل و بالاعتزاز كذلك 2 ، و يحتمل كونها هنا بمعنى من بناء على كون الاستبدال بمعنى التبدل يقال تبدّله و تبدّل منه إذا اتخذه منه بدلا . المعنى ( ثمّ ) إنّه سبحانه بعد ما أمر الملائكة بالسّجود لآدم فسجدوا إلاّ إبليس فجعله رجيما و أخرجه من جواره و ( أسكن آدم ) و أقرّه ( دارا ) أى في دار ( أرغد فيها عيشته ) أى جعله فيها في عيشة واسعة كما قال سبحانه في سورة البقرة : « وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما » . ( و آمن فيها محلّته ) نسبة الأمن إلى المحلّ من قبيل المجاز العقلي أى جعله ----------- ( 1 ) و هو قوله فاخرج منها فانك رجيم و قوله : قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين فافهم ، منه ----------- ( 2 ) اى للمقابلة [ 86 ] فيها في أمن من الآفات و سلامة من المكاره و الصدمات ، و هذه من صفات الجنّة لأنّ من دخلها كان آمنا كما قال سبحانه : « أُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنينَ » . 1 و هذا لاغبار عليه و إنّما الكلام في أنّ الجنة التي أسكنه اللّه فيها هل هي جنّة الدنيا . و تفصيل ذلك ما ذكره الفخر الرّازي ، قال : اختلفوا في أنّ الجنّة المذكورة في الآية هل كانت في الأرض أو في السّماء و بتقدير أنّها كانت في السّماء فهل هي الجنّة التي هي دار الثّواب أو جنّه الخلد أو جنّة أخرى . فقال أبو القاسم البلخي و أبو مسلم الاصفهاني : هذه الجنّة كانت في الأرض و حملا الاهباط 2 على الانتقال من بقعة إلى بقعة ، كما في قوله تعالى : « إِهْبِطُوا مِصْراً » و احتجا عليه بوجوه . أحدها أنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنّة الخلد ، و لو كان آدم في جنّة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : « هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ » و لما صحّ قوله : « ما نَهيكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدينَ » . و ثانيها أنّ من دخل هذه الجنّة لا يخرج منها ، لقوله تعالى : « وَ ما هُمْ مِنْها بِخارِجينَ » . و ثالثها أنّ إبليس لما امتنع من السّجود لعن ، فما كان يقدر مع غضب اللّه ----------- ( 1 ) و هذه الاية و ان كان نزولها في صفة جنة الاخرة الا ان جنة الدنيا طبقها في هذه و غالب الصفات فلا ضرر فى الاستشهاد بها مع اختيارنا فيما بعد كون آدم في جنة الدنيا كما هو ظاهر ، منه ----------- ( 2 ) اى فى قوله تعالى و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو الاية ، منه [ 87 ] على أن يصل إلى جنّة الخلد . و رابعها أنّ الجنّة التي هى دار الثواب لا يفنى نعيمها ، لقوله تعالى : « أُكُلُها دآئِمٌ وَ ظِلُّها » و لقوله تعالى : ( وَ أَمَّا الَّذينَ سُعِدُوا فَفي الْجَنَّةِ خالِدينَ فيها ) الى أن قال : ( عَطاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ ) . أى غير مقطوع ، فهذه الجنّة لو كانت هي التي دخلها آدم لما فنيت ، لكنها تفنى لقوله تعالى : ( كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) . و لما خرج منها آدم و انقطعت تلك الرّاحات و خامسها أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدء الخلق في جنّة يخلدهم فيها و لا تكليف لأنّه لا يعطى جزاء العاملين من ليس بعامل ، و لأنّه تعالى لا يهمل عباده بل لا بدّ من ترغيب و ترهيب و وعد و وعيد . و سادسها لا نزاع في أنّ اللّه تعالى خلق آدم في الأرض و لم يذكر في هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء . و لو كان تعالى قد نقله إلى السّماء كان ذلك أولى بالذّكر ، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم ، فدلّ ذلك على أنّه لم يحصل ، و ذلك يوجب أنّ المراد من الجنّة التي قال اللّه له ( اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) . جنّة اخرى غير جنّة الخلد . القول الثّاني و هو قول الجبائي أنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة ، و الدليل عليه قوله تعالى : اهبطوا منها ، ثم انّ الاهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الاولى ، و الاهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض . القول الثالث و هو قول جمهور أصحابنا إن هذه الجنّة هي دار الثواب و الدّليل عليه أنّ الألف و اللاّم في لفظ الجنّة لا يفيد العموم ، لأنّ سكون جميع الجنان [ 88 ] محال ، فلا بدّ من صرفها إلى المعهود السّابق ، و الجنّة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللّفظ إليها . القول الرّابع إن الكلّ ممكن و الأدلة النّقلية ضعيفة و متعارضة ، فوجب التوقّف و ترك القطع و اللّه أعلم انتهى . أقول : و الأظهر من هذه الأقوال هو القول الأوّل ، لقوّة أدلّته و إن كان يمكن تطرّق النّظر إليها . أمّا الأوّل و الثّاني فلا مكان أن يقال : إنّ الخلود فيها و عدم الخروج إنّما يكون بعد استقرار أهل الجنّة فيها للثّواب ، و هو المستفاد من أدلّة الخلود ، و أمّا قبل ذلك فلا دليل عليه . و أمّا الثّالث فلما قيل : من أنّ إبليس لم يدخل في الجنّة بل وسوس لهما من وراء جدار الجنّة أو من الأرض . و فيه نظر لأنّ المستفاد من ظاهر الآيات كون مخاطبته معهما مشافهة ، كما أنّ الموجود في أخبارنا دخوله إليها بوسيلة الحيّة حسبما يأتي الاشارة إليها . و الأولى أن يقال : هذا الدّليل على تقدير تسليمه جار على غير هذا القول أيضا و ذلك ، لأنّ غضب اللّه سبحانه كما هو مانع من دخول جنّة الخلد فكذلك مانع من دخول مطلق الجنّة و إن لم تكن دار خلد ، لأنّ الجنّتين كلتيهما مشتركتان في كونهما دار رحمة و قرب ، فلا يستحقّهما من غضب اللّه عليه و لعنه و طرده بقوله : ( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجيمٌ ) . فان قيل : فكيف التّوجيه بين ذلك و بين ما استظهرت من الآيات و دلت عليه الأخبار من دخوله في الجنّة بتوسط الحيّة . قلت : يمكن التّوجيه بأن يقال : إنّه كان ممنوعا من دخولها بارزا بحيث يعرف ، و قد دخلها مخفيّا ليدليهما بغرور ، و قد ورد ذلك في بعض الأخبار ، أو يقال : إنّ دخوله فيه على وجه التّقرب و التنعّم مناف لكونه مغضوبا عليه ، و أمّا الدّخول [ 89 ] للتّدليس و الازلال بعد اقتضاء الحكمة له فلا منافاة له معه كما لا يخفى . و أمّا الرّابع فلما مر في الأولين . و أمّا الخامس فلجواز أن يكون ذلك تفضّلا منه سبحانه ، و ليست في ذلك منافاة للحكمة كما توهّم . و أمّا السّادس فظاهر لأنّه استبعاد محض ، هذا كلّه ما يقتضيه التصرّفات الفكرية و دقّة النّظر في الأدلة و القاطع للكلام إنّما هو الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة . فقد روى في الكافى و العلل عن الصّادق عليه السّلام أنّها كانت من جنان الدّنيا يطلع فيها الشّمس و القمر و لو كان من جنان الخلد ما خرج منها أبدا . و مثلهما 1 عليّ بن ابراهيم القمي في تفسيره عن أبيه رفعه إليه عليه السّلام و قوله : ( و حذّره ابليس و عداوته ) إشارة إلى ما حكاه سبحانه في سورة طه بقوله : ( وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْليسَ أَبى‏ فَقُلنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ ) فوسوس اليه الشّيطان و قال : ( يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ ) . و ( اغترّه عدوه نفاسة ) و بخلا ( عليه بدار المقام و مرافقة الأبرار ) من الروحانيين و الملائكة المقرّبين . ( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ) . ----------- ( 1 ) لكن قول امير المؤمنين عليه السّلام فى الفصل الاتى و وعده المرد الى جنته ينافي هاتين الروايتين و مثله ما روى فى حديث الشامى انه سأل امير المؤمنين « ع » عن اكرم واد على وجه الارض فقال واد يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء فالجزم باحد المذاهب لا يخلو من اشكال منه . [ 90 ] و أمّا كيفية الاغترار فقد يأتي تفصيلا ( فباع اليقين بشكه ) قيل : إنّ بيع اليقين بالشك مثل قديم للعرب لمن عمل عملا لا يفيده و ترك ما ينبغي له أن يفعله ، تمثل به أمير المؤمنين عليه السّلام هيهنا و لم يرد أنّ آدم شكّ في أمر اللّه . أقول : و يمكن اجراء الكلام على ظاهره بأن يراد باليقين اليقين بعداوة إبليس و بالشّك الشّك فيها ، و المراد ببيعه به تبديله به و ذلك لأنّ إبليس لمّا أبى و استكبر عن السّجود و أظهر الفضيلة و الانيّة و جعل مطرودا تيقّن آدم بعداوته له ، و قد أعلمه اللّه سبحانه به حينئذ أيضا كما قال : ( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) . و لمّا وسوس اليهما الشيطان : ( وَ قاسَمَهُما إِنّي لَكُما لمِنَ النّاصِحينَ ) . و لم يكن آدم و حوّا شاهدا قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا ، و ثقا بقوله و شكّا في عداوته لمكان ذلك ، و يمكن استنباط ذلك من رواية العيون و الاحتجاج الاتية 1 للرّضا عليه السّلام مع المأمون ، و ليس في ذلك منافاة لمرتبة الرّسالة كما توهّم ، لأنّ ذلك ليس بأعظم من أكل الشجرة و ستعرف تحقيقه في مقامه إنشاء اللّه و قوله : ( و العزيمة بوهنه ) أى العزيمة التي كانت له في عدم القرب من الشّجرة و الأكل منها بالوهن الذي حصل له من النّسيان ، قال سبحانه : ( وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) . قال في الكشّاف : و العزم التّصميم و المضيّ على ترك الأكل و أن يتصلّب في ذلك تصلّبا يؤيس الشّيطان من التّسويل له ، و قال : فان قلت : ما المراد بالنّسيان ؟ قلت : لا يجوز أن يراد النّسيان الذي هو نقيض الذكر و أنّه لم يعن 2 ----------- ( 1 ) فى التذييل الثالث ، منه ----------- ( 2 ) اى لم يهتم ، منه [ 91 ] بالوصيّة العناية الصادقة و لم يستوثق منها بعقد القلب عليها و ضبط النّفس حتّى تولد من ذلك النّسيان ، و أن يراد التّرك و انه ترك ما وصّي به من الاحتراس عن الشجرة و أكل ثمرتها انتهى . و قال الطبرسي ( ره ) معناه أمرناه و أوصينا إليه أن لا يقرب الشّجرة و لا يأكل منها ، فترك الأمر عن ابن عبّاس و لم نجد له عقدا ثابتا ، و قيل معناه : فنسي من النّسيان هو السّهو و لم نجد له عزما على الذّنب ، لأنّه أخطأ و لم يتعمد عن ابن زيد و جماعة ، و قيل : و لم نجد له حفظا لما امر به عن عطيّة ، و قيل : صبرا عن قتادة قال الشّارح البحراني : و حاصل هذه الأقوال يعود إلى أنّه لم يكن له قوّة على حفظه ما أمر اللّه سبحانه أنتهى . و في الكافي عن عليّ بن إبراهيم باسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشّجرة ، فلمّا بلغ الوقت الذي كان في علم اللّه أن يأكل منها نسي فأكل منها ، و هو قول اللّه تبارك و تعالى : ( وَ لَقَدْ عَهِدْنا ) الآية و فيه أيضا عن الصّادق عليه السّلام ، قال في قوله تعالى : ( وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلي‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ ) . كلمات في محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ذرّيتهم عليهم السّلام فنسي هكذا و اللّه انزلت على محمّد صلّى اللّه عليه و آله . أقول : و الظاهر أنّ المراد بتلك الكلمات حسبما يستفاد من الأخبار التي يأتي بعضها 1 هو إقرار آدم بفضيلة محمّد و آله المعصومين عليهم السّلام و اعتقاده لشرافتهم و عدم تمنّيه منزلتهم ، فنسي تلك الكلمات و تمنى منزلتهم فأخرجه اللّه سبحانه من الجنّة ( و استبدل بالجذل ) و السّرور خوفا و ( وجلا و بالاعتزاز ) أى العزّة التي طلبها من أكل الشّجرة بتدليس ابليس و قوله لهما : ----------- ( 1 ) و هو رواية العيون الاتية ، منه [ 92 ] ( ما نَهيكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلاّ اَنْ تَكُونا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونا مِن الْخالِدينَ ) . ( ندما ) و خيبة ، و لذلك : ( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ ) . تذنيبات الاول لقائل أن يقول : كيف تمكّن ابليس من وسوسة آدم مع كونه خارج الجنّة و كون آدم في الجنّة ؟ فنقول : قد اختلفوا فيه على أقوال . أحدها ما حكي عن القصاص و هو الذي روي عن ابن عبّاس انه لما اراد إبليس أن يدخل الجنّة منعته الخزنة فأتى الحية و هي دابة لها أربع قوائم كأنّها البختيّة و هي كأحسن الدّواب بعد ما عرض نفسه على ساير الحيوانات ، فما قبله واحد منها فابتلعته الحيّة و أدخلته الجنّة خفيّة من الخزنة ، فلمّا دخلت الحيّة الجنّة خرج إبليس من فمها و اشتغل بالوسوسة فلا جرم لعنت الحيّة و سقطت قوائمها و صارت تمشى على بطنها و جعل رزقها في التّراب و عدوا لبني آدم . و ثانيها أنّه دخل الجنّة في صورة دابة . و ثالثها ما قاله بعض الأصوليّين : إنّ آدم و حوّاء لعلّهما كانا يخرجان إلى باب الجنّة و إبليس كان يقرب و يوسوس إليهما . و رابعها أنّ إبليس كان في الأرض و أوصل الوسوسة إليهما في الجنّة . أقول : و الأظهر هو القول الأوّل ، لبعد الرّابع من حيث إنّ الوسوسة عبارة عن الكلام الخفي و الكلام الخفي لا يمكنه ايصاله من بعد ، و الثّالث و الثّاني لم يرد بهما خبر ، و الموجود في أخبارنا أنّ ايقاع الشّيطان لهما فيما نهيا عنه قد كان بسبب الحيّة ، و ذلك على ما حكاه المفسر الفيض في الصّافي و المحدّث الجزائري في الأنوار [ 93 ] هو أنّ الشّيطان لمّا اخرج من الجنّة لم يقدر على الدّخول إليها بنفسه فأتي إلى جدار الجنّة و رأى الحيّة على أعلى الجدار ، فقال لها ادخلينى الجنّة و أعلّمك الاسم الأعظم ، فقالت له : الملائكة تحرس الجنّة فيرونك ، فقال لها : ادخل في فمك و اطبقى علىّ حتّى أدخل ، ففعلت ، و من ثم صار السمّ في أنيابها و في فمها لمكان جلوس ابليس فيه ، فلمّا أدخلته قالت له : أين الاسم الأعظم ؟ فقال لها : لو كنت أعلمه لما احتجت إليك في الدّخول ، فأتى إلى آدم و بدء به فقال : ( ما نَهيكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَينِ ) . ان تناولتما منها تعلمان الغيب و تقدران على ما يقدر عليه من خصّه اللّه بالقدرة . ( أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدينَ ) لا تموتان أبدا ( وَ قاسَمَهُما ) حلف لهما ( إِنّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحينَ ) . و كان إبليس بين لحيي الحيّة و كان آدم يظنّ أنّ الحية هي الّتي تخاطبه و لم يعلم أنّ ابليس قد اختبي بين لحيي الحيّة فردّ آدم على الحيّة أنّ هذا من غرور إبليس كيف يخوننا ربّنا أم كيف تعظمين اللّه بالقسم به و أنت تنسبينه إلى الخيانة و سوء الظنّ و هو أكرم الأكرمين أم كيف أروم التّوصل إلى ما منعني منه ربي و أتعاطاه بغير حكمه ، فلمّا آيس إبليس من قبول آدم فأتى إلى حوّاء و خاطبها من حيث يوهمها هي التي تخاطبها 1 ، و قال : يا حواء أرأيت هذه الشّجرة التي كان اللّه عزّ و جلّ حرّمها عليكما فقد أحلّها لكما بعد تحريمها ، لما عرف من حسن طاعتكما له و توقير كما إيّاه و ذلك أنّ الملائكة الموكلين بالشّجرة الذين معهم الحراب يدفعون عنها ساير حيوانات الجنّة لا يدفعك عنها إذ رمتها فاعلمي بذلك أنّه قد أحلّ لك و ابشري بأنك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلطة عليه الآمرة النّاهية فوقها ، فقالت حوّاء سوف اجرّب هذا فرامت فأرادت الملائكة أن يدفعوها عنها بحرابها ، فأوحى اللّه ----------- ( 1 ) يعنى ان المخاطبة لها هي الحية منه . [ 94 ] إليهم إنّما تدفعون بحرابكم من لا عقل له بزجره ، فأمّا من جعلته ممكنا مميّزا فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجّة عليه فان أطاع استحقّ ثوابي و جزائي ، فتركوها و لم يتعرضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم ، فظنت أنّ اللّه ما نهيهم ، لأنّه قد أحلّها بعد ما حرمها ، فقالت صدقت الحيّة و ظنّت أنّ المخاطب بها الحيّة ، فتناولت منها و لم تنكر من نفسها شيئا ، فاتت حواء إلى آدم فصارت عونا للشّيطان عليه ، و قالت ألم تعلم أنّ الشّجرة المحرّمة علينا قد ابيحت لنا تناولتها و لم يمنعني منه أملاكها و لم انكر شيئا من حالي ، و لذلك اغترّ آدم فقام آدم معها إلى الأكل من الشجرة فكانت أوّل قدم مشت إلى الخطيئة ، فلما مدّ أيديهما إليها تطاير ما عليهما من الحليّ و الحلل و بقيا عريانين فأخذا من ورق التين فوضعاه على عورتيهما ، فتطاير الورق فوضع آدم يده على عورته و الأخرى على رأسه كما هو شأن العراة . و يستفاد من بعض الاخبار أنّ هذا هو العلّة في وجوب الوضوء ، و هو ما رواه الصّدوق طاب ثراه في الفقيه قال : جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فسألوه عن مسائل و كان فيما سألوه أخبرنا يا محمّد لأيّ علّة توضّأ هذه الجوارح الأربع و هي أنظف المواضع في الجسد ؟ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لمّا أن وسوس الشّيطان إلى آدم عليه السّلام دنا من الشّجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه ، ثمّ قام و مشى اليها و هي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة ، ثمّ تناول بيده منها ما عليها فأكل فطار الحلّي و الحلل عن جسده ، فوضع آدم يده على امّ رأسه و بكى فلمّا تاب اللّه عزّ و جلّ عليه فرض عليه و على ذريّته تطهير هذه الجوارح الأربع ، فأمر اللّه بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، و أمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما ، و أمره بمسح الرّأس لما وضع يده على أمّ رأسه و أمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة و قد ذكر فيه علّة اخرى له رواها عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليهما السّلام و لا ربط لها بالمقام ، و لا يذهب عليك أن توارد العلل المتعددة على معلول واحد في العناوين الشّرعية لا ضير فيه ، لأنّها من قبيل المعرفات و ليست عللا حقيقية كما هو ظاهر [ 95 ] الثانى قد اختلف الأخبار كالأقوال في الشّجرة المنهية ففي رواية أنّها شجرة الحسد ، و في اخرى أنّها شجرة الكافور ، و في ثالثة أنّها شجرة الحنطة و عن تفسير الامام أنها شجرة علم محمّد و آل محمّد عليهم السّلام آثرهم اللّه بها دون ساير خلقه لا يتناول منها بأمر اللّه إلاّ هم ، و منها ما كان يتناوله النبيّ و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام بعد إطعامهم المسكين و اليتيم و الأسير حتّى لم يحسوا بجوع و لا عطش و لا تعب و لا نصب ، و هي شجرة تميّزت من بين ساير الأشجار بأنّ كلا منها إنّما يحمل نوعا من الثمار ، و كانت هذه الشجرة و جنسها تحمل البرّ و العنب و التّين و العنّاب و ساير أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة فلذلك اختلف الحاكون بذكرها ، فقال بعضهم : برّة ، و قال آخرون : هي عنبة ، و قال آخرون : هي عنابة و هي الشجرة التى من تناول منها باذن اللّه الهم علم الأوّلين و الآخرين من غير تعلّم ، و من تناول بغير اذن اللّه خاب مراده و عصى ربّه و عن العيون باسناده إلى عبد السّلام بن صالح الهروى قال : قلت للرّضا عليه السّلام يابن رسول اللّه أخبرنى عن الشجرة التى أكل منها آدم و حوّاء ما كانت ؟ فقد اختلف النّاس فيها ، فمنهم من يروي أنّها الحنطة ، و منهم من يروي أنّها العنب ، و منهم من يروى أنّها شجرة الحسد ، فقال عليه السّلام : كلّ ذلك حقّ ؟ قلت : فما معنى الوجوه على اختلافها ؟ فقال : يا أبا الصّلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعا ، و كانت شجرة الحنطة و فيها عنب ليست كشجرة الدّنيا ، و إنّ آدم لما أكرمه اللّه تعالى ذكره باسجاده ملائكته و بادخاله الجنّة قال في نفسه : هل خلق اللّه بشرا أفضل مني ؟ فعلم اللّه عزّ و جلّ ما وقع في نفسه فناداه ارفع رأسك يا آدم و انظر إلى ساق عرشي ، فرفع رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا : لا إله الا اللّه محمّد رسول اللّه عليّ بن أبى طالب أمير المؤمنين و زوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين و الحسن و الحسين سيّد اشباب أهل الجنّة ، فقال آدم : يا ربّ ، من هؤلاء ؟ فقال عزّ و جلّ : هؤلاء من ذرّيتك ، و هم خير منك و من جميع خلقى و لولاهم ما [ 96 ] خلقتك و لا خلقت الجنّة و النّار و لا السّماء و لا الأرض فايّاك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاخرجك عن جواري فنظر إليهم بعين الحسد و تمنى منزلتهم فتسلط عليه الشّيطان حتى أكل من الشّجرة التى نهى عنها و تسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتّى أكلت من الشّجرة كما أكل آدم ، فأخرجهما اللّه عن جنّته و أهبطهما عن جواره إلى الارض هذا . و قال بعض العارفين 1 : كما أنّ لبدن الانسان غذاء من الحبوب و الفواكه ، كذلك لروحه غذاء من العلوم و المعارف ، و كما أنّ لغذاء بدنه أشجارا تثمرها ، فكذلك لروحه أشجار تثمرها و لكلّ صنف منه ما يليق به من الغذاء ، فانّ من الانسان من يغلب فيه حكم البدن على الرّوح ، و منهم من هو بالعكس ، و لهم في ذلك درجات يتفاضل بها بعضهم على بعض ، و لأهل الدّرجة العليا كل ما لأهل الدرجة السّفلى و زيادة ، و لكلّ فاكهة في العالم الجسماني مثال في العالم الرّوحاني مناسب لها ، و لهذا فسّرت الشّجرة تارة بشجرة الفواكه ، و اخرى بشجرة العلوم ، و كان شجرة علم محمّد إشارة إلى المحبوبيّة الكاملة المثمرة لجميع الكمالات الانسانية المقتضية للتوحيد المحمدي الذي هو الفناء في اللّه و البقاء باللّه المشار إليه بقوله صلّى اللّه عليه و آله : لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل ، فان فيها من ثمار المعارف كلّها ، و شجرة الكافور إشارة إلى برد اليقين الموجب للطمأنينة الكاملة المستلزمة للخلق العظيم الذي كان لنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و دونه لأهل بيته ، فلا منافاة بين الرّوايات و لا بينها و بين ما قالها أهل التأويل إنّها شجرة الهوى و الطبيعة لأنّ قربها إنّما يكون بالهوى و الشهوة الطبيعية ، و هذا معنى ما ورد أنّها شجرة الحسد : فانّ الحسد إنّما ينشأ منها ، انتهى . و قد تلخّص منه و من الرّوايات السّالفة أنّ آدم كما أكل من الشّجرة المنهية التى هي شجرة الفاكهة في عالم الظاهر ، فكذلك أكل في عالم الباطن و الحقيقة من الشجرة ----------- ( 1 ) هو الفيض ، م « ج 6 » [ 97 ] المختصة بآل محمّد عليهم السّلام التي غرسها اللّه لهم بيد قدرته ، فطابق ظاهره و باطنه في ارتكاب الخطيئة و كان ذلك سببا لاهباطه إلى دار البليّة . و في بعض الأخبار أنّ ذلك أيضا سبب لوجوب غسل الجنابة و لزيادة حظّ الذّكر من الانثى في الميراث . و هو ما رواه الصّدوق في الفقيه قال : جاء نفر من اليهود إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله أن قال : لأيّ شي‏ء أمر اللّه تعالى بالاغتسال من الجنابة و لم يأمر بالغسل من الغائط و البول ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّ آدم لمّا أكل من الشّجرة دبّ 1 ذلك في عروقه و شعره و بشره ، فاذا جامع الرّجل أهله خرج الماء من كلّ عرق و شعرة في جسده ، فأوجب اللّه تعالى على ذرّيته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة ، و البول يخرج من فضلة الشّراب الذي يشربه الانسان ، و الغايط يخرج من فضلة الطعام الذي يأكله الانسان ، فعليه في ذلك الوضوء ، قال اليهودي : صدقت يا محمّد . و في العيون باسناده عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام في حديث الشّامي مع أمير المؤمنين عليه السّلام و سأله لم صارت الميراث للذّكر مثل حظّ الانثيين ؟ فقال عليه السّلام : من قبل السّنبلة كانت عليها ثلاث حبّات ، فبادرت إليها حوّاء فأكلت منها حبّة و أطعمت آدم حبّتين ، فلذلك ورث الذّكر مثل حظّ الانثيين . الثالث اعلم أنّ النّاس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السّلام على أقوال شتّى و ينبغى أن نشير أوّلا إلى معنى العصمة . فنقول : العصمة في اللّغة اسم من عصمه اللّه من المكروه يعصمه من باب ضرب أى حفظه و وقاه و منعه عنه ، و في الاصطلاح هي ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها . و قيل هي ملكة تمنع الفجور و يحصل بها العلم بمعايب المعاصي و مناقب الطاعات . ----------- ( 1 ) دب يدب دبا و دبيبا الماشى على الارض ، ق . [ 98 ] و قال الرّاغب : هي فيض إلهيّ يقوي بها الانسان على تحرّي الخير و تجنّب الشّرّ حتّى تصير كمانع له و ان لم يكن منعا محسوسا . و قال العلاّمة في الباب الحادي عشر : العصمة لطف خفي يفعل اللّه تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة و ارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك . و قال المرتضى في كتاب الدّرر و الغرر : العصمة هي اللّطف يفعله اللّه تعالى فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح ، فيقال على هذا : إنّ اللّه عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح ، و يقال : إنّ العبد معصوم ، لأنّه اختار عند هذا الدّاعي الذي فعل له الامتناع من القبيح ، و أصل العصمة في موضوع اللّغة المنع ، يقال : عصمت فلانا من السّوء إذا منعت من حلوله به ، غير أنّ المتكلمين أجروا هذه اللّفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله اللّه تعالى به ، لأنّه إذا فعل ما يعلم أنّه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح فأجروا عليه لفظة المانع قهرا و قسرا و أهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا و يستعملونه ، لأنّهم يقولون فيمن أشار على غيره برأى فقبله منه مختارا ، و احتمى بذلك من ضرر يلحقه و سوء يناله أنّه حماه 1 من ذلك الضّرر و منعه و عصمه منه ، و إن كان على سبيل الاختيار انتهى . و قد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّ العصمة ملكة مانعة عن ارتكاب المعاصي و موجبة لاتيان الطاعات على وجه الاختيار ، فما ذهب إليه بعضهم من أنّ المعصوم مجبول عليهما و أنّه لا يمكنه الاتيان بالمعاصي باطل جدّا و إلاّ لما استحقّ مدحا كما هو ظاهر . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ النّاس اختلفوا في عصمة الأنبياء على أقوال كثيرة قال الفخر الرّازي و ضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : ----------- ( 1 ) أى حفظه . [ 99 ] أحدها ما يقع فى باب الاعتقاد . و ثانيها ما يقع في باب التّبليغ . و ثالثها في باب الأحكام و الفتيا . و رابعها ما يقع على أفعالهم و سيرتهم . أمّا اعتقادهم الكفر و الضّلال فان ذلك غير جايز عند أكثر الامّة ، و قالت الفضلية من الخوارج : إنّهم قد وقعت منهم الذّنوب و الذّنب عندهم كفر و شرك فلا جرم قالوا : بوقوع الكفر منهم ، و أجازت الاماميّة عليهم إظهار الكفر على سبيل التقيّة . أمّا النّوع الثّاني و هو ما يقع بالتّبليغ فقد أجمعت الأمّة على كونهم معصومين عن الكذب و التّحريف فيما يتعلّق بالتّبليغ ، و إلاّ لارتفع الوثوق بالأداء ، و اتفقوا على أن ذلك كما لا يجوز وقوعه منهم عمدا لا يجوز أيضا سهوا ، و من النّاس من جوّز ذلك سهوا قالوا : لأنّ الاحتراز عنه غير ممكن . و أمّا النّوع الثّالث و هو ما يتعلّق بالفتيا فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطاؤهم فيه على سبيل التّعمد ، و أمّا على سبيل السّهو فجوّزه بعضهم ، و أباه آخرون . و أمّا النّوع الرّابع و هو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفت الامة فيه على أقوال خمسة : أحدها قول من جوّز عليهم الكبائر على جهة العمد و هو قول الحشويّة . و الثّاني قول من لا يجوّز عليهم الكبائر لكنّه يجوّز عليهم الصّغائر على جهة العمد إلاّ ما ينفر كالكذب و التّطفيف ، و هذا قول أكثر المعتزلة . القول الثّالث أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة و لا بكبيرة على جهة العمد ألبتّة ، بل على جهة التّأويل و هو قول الجبائي . القول الرّابع أنّه لا يقع منهم الذّنب إلاّ على جهة السّهو و الخطاء ، و لكنّهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة و ان كان ذلك موضوعا عن امّتهم ، و ذلك [ 100 ] لأنّ معرفتهم أقوى و دلائلهم أكثر ، و أنّهم يقدرون من التحفّظ على ما لا يقدر عليه غيرهم . القول الخامس أنّه لا يقع منهم الذّنب لا الكبيرة و لا الصغيرة لا على سبيل القصد و لا على سبيل السهو و لا على سبيل التّأويل و الخطاء و هو مذهب الرّافضة . و اختلف النّاس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها قول من ذهب أنّهم معصومون من وقت مولدهم ، و هو قول الرّافضة . و ثانيها قول من ذهب إلى أنّ وقت عصمتهم وقت بلوغهم و لم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر و الكبيرة قبل النّبوة ، و هو قول كثير من المعتزلة . و ثالثها قول من ذهب إلى أنّ ذلك وقت النّبوة ، أمّا قبل النّبوة فجائز و هو قول أكثر اصحابنا و قول أبي الهذيل و أبي علي من المعتزلة ، انتهى ما اهمنا نقله من كلامه . و قد ظهر منه أنّ الشيعة لا يجوّزون عليهم المعاصي مطلقا . و أمّا ما ذكره من أنّ الاماميّة أجازت عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية فهو افتراء عليهم ، و إنّما هو شي‏ء ذكره صاحب المواقف ، و كيف يجوّزون إظهار الكفر للأنبياء و الأئمة مع تأييدهم بالنّفوس القدسيّة و القوى الرّبانية ، و ما هذه النّسبة إلاّ فرية بيّنة و بهتان عظيم . و أمّا ما ذكره من أنّ الشّيعة لا يجوّزون عليهم المعاصي مطلقا فهو حقّ و لهم على ذلك أدلة عقليّة و نقليّة ذكروها في كتبهم الكلاميّة و التفاسير القرآنية . منها أنّ متابعة النّبي واجب لقوله : فاتّبعونى ، فلو كان عاصيا وجب الاقتداء عليه في معصيته فيفضي إلى الجمع بين الحرمة و الوجوب و هو محال و إذا ثبت ذلك في حقّ النّبيّ ثبت في حقّ ساير الأنبياء لعدم القول بالفصل . و منها أنّه لو أقدم على المعصية لوجب زجره عنها من باب النّهى عن المنكر مع أنّ زجرهم و ايذائهم محرّم لقوله : [ 101 ] ( إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ ) . و منها أنّه لا شي‏ء أقبح عند العقل من نبي رفع اللّه درجته و ائتمنه على وحيه و جعله خليفة في بلاده و عباده يسمع نداء ربه أن لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحا للذته و غير ملتفت إلى نهى ربّه و لا منزجر بوعيده هذا معلوم القبح بالضرورة . و منها أنّه لو لم يكونوا معصومين لانتفت فايدة البعثة و اللاّزم باطل فالملزوم مثله ، بيان الملازمة أنّه إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم لجواز الكذب حينئذ عليهم ، و إذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم و نهيهم فينتفي فائدة بعثتهم و هو محال هذا . و قد ذكروا أدلة كثيرة وراء ما ذكرنا عليك بمطالبتها من مواقعها . فان قلت : غاية ما يستفاد من تلك الأدلة هو كونهم معصومين بعد البعثة على ما ذهب إليه الأشاعرة و طائفة من المعتزلة . و لا دلالة فيها على وجوب العصمة قبلها أيضا كما هو مذهب الشّيعة . قلنا : إذا تمّت دلالتها على ما بعد البعثة فنقول فيما قبل البعثة : إنّ من الواضح أنّ القلوب تشمئز و لا ينقاد إلى طاعة من عهد منه في سالف عمره أنواع المعاصي و الكبائر و ما تنفر النّفس عنه ، ألا ترى أن عالما لم يكن له مبالاة في أفعاله و أقواله قبل تحصيله و في أيّام صغره ، لا يكون له وقع في القلوب بعد ما كمل و بلغ من العلم و الكمال غايته . إذا مهدت هذا فنقول : ما ورد في الكتاب العزيز و الأخبار مما يوهم صدور الذّنب عنهم الذي جعله الخصم دليلا على مذهبه لا بدّ من حمله على ترك الأولى جمعا بينها و بين أدلة العصمة العقليّة و النّقليّة مع أنّ جميع الأدلة الموهمة لخلاف العصمة قد ذكر له وجوه و محامل في مواضعه و عليك في ذلك بمطالعة كتاب تنزيه الأنبياء الذي رتّبه علم الهدى المرتضى رضي اللّه عنه و غيره من الكتب المعدة لذلك ، و لو لا خوف الاطالة لذكرنا نبذة منه إلاّ أنّه لا بأس بذكر ما يوهم ذلك في قصة [ 102 ] آدم عليه السّلام الذي تمسّك به الخصم و هو سبعة أوجه . الأوّل أنّه كان عاصيا لقوله : و عصى آدم ربّه ، و العاصي صاحب الكبيرة لأنّه قد توعد عليه بالعقاب ، قال سبحانه : ( وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ) . الثّاني أنّه كان غاويا لقوله : فغوى ، و الغيّ ضدّ الرّشد يدلّ عليه المقابلة في قوله : ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) . الثّالث أنّه تائب لقوله : ( ثُمَّ اجْتَبيهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ ) . و التّوبة إنّما هو عن الذّنب . الرّابع ارتكابه المنهي عنه كما يشهد به توبيخه بقوله : ( أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) . و يدلّ عليه قوله : ( وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . و مرتكب المنهي عنه مذنب . الخامس أنّه ظالم لقوله : ( فَتَكُونا مِنَ الظّالِمين ) و قوله حكاية عنهما ( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) . و الظلم ذنب بالضّرورة . السّادس اعترافه بأنّه لو لا مغفرة اللّه إيّاه لكان خاسرا في قوله : ( وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ ) . و الخسران إنّما يكون عن الذّنب : السّابع أنّه أخرج من الجنّة بسبب إطاعته للشّيطان و قبوله لوسوسته و ازلاله و ذلك يقتضي كونه مذنبا هذا . [ 103 ] و الجواب عن الأوّل أنّ كون آدم عاصيا مسلّم ، و أمّا أنّ كلّ عاص صاحب كبيرة فممنوع ، لأنّ المعصية عبارة عن مخالفة الأمر واجبا كان أو مندوبا ، فانّهم يقولون أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني ، بل يطلق على مخالفة الاوامر الارشاديّة أيضا كما يقولون : أمرته بشرب الدّواء فعصاني ، و قال عمر و بن العاص لمعاوية : أمرتك أمرا جازما فعصيتني و كان من التّوفيق قتل ابن هاشم و قال ابن المنذر ليزيد بن المهلب أمير خراسان : أمرتك أمرا جازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الامارة نادما إذا عرفت ذلك فنقول : لا يمتنع اطلاق اسم العصيان على فعل آدم عليه السّلام ، لا لكونه تاركا للواجب ، بل لكونه تاركا للأولى من باب حسنات الأبرار سيئات المقرّبين و أمّا ما قيل في الاستدلال من أنّ العاصي قد توعد عليه بالعقاب في قوله : و من يعص اللّه الاية ، فنقول : إنّ الآية و إن كانت مفيدة للعموم بدلالة لفظة من إلاّ أنّها مخصوصة بالعاصي بترك الأوامر الواجبة ، لا مطلق الأوامر ضرورة أنّ المندوب لا عقاب على تركه . و يشهد بما ذكرنا من عدم كون الأمر في المقام إلزاميّا أنّه على تقدير كونه للالزام لزم استحقاق آدم للعقاب بنصّ الآية الشريفة أعني قوله : و من يعص اللّه الاية و كيف لأحد أن يجترى و يجسر على هذه الدّعوى و يجيز العقاب على الأنبياء الذين هم أعلام الهدى و العروة الوثقى إن هذا إلاّ بهتان عظيم و افتراء . و عن الثّاني سلّمنا أنّ الغىّ عبارة عن ضدّ الرّشد إلاّ أنّ الرّشد هو أن يتوصل بشي‏ء إلى شي‏ء يوصل إلى المقصود ، فمن توصّل بشي‏ء إلى شي‏ء فحصل له ضدّ مقصوده كان ذلك غيّا كما قال الشّاعر : فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره و من يغو لم يعدم على الغيّ لائما و على ذلك فمعنى قوله سبحانه : فغوى ، فخاب ممّا كان يطمع فيه بأكل الشّجرة من الخلود في الجنّة و الملك الدّائم . و عن الثّالث أنّا نمنع من أنّ التّوبة لا يكون إلاّ عن ذنب لأنّه عبارة عن [ 104 ] النّدم على ما مضى فيجوز على ترك المندوب و سيأتي تحقيق له في الفصل الآتي . و عن الرّابع المنع من كون مرتكب المنهيّ عنه مذنبا مطلقا و إنّما هو في ارتكاب المناهي التحريميّة ، و أمّا مخالفة النّهي التّنزيهي فلا يكون ذنبا ، و ذلك لأنّ آدم كان مندوبا ؟ ؟ ؟ إلى ترك التّناول من الشّجرة و كان بالتّناول منها تاركا نفلا و فضلا و لم يكن فاعلا للقبيح ، لأنّ القبيح ما يستحقّ فاعله للعقاب و قد علمت أنّ العقاب منفي عن الأنبياء ، و من أجاز العقاب عليهم فقد أساء عليهم الثّناء و أعظم الفرية على اللّه تعالى . فان قيل : ألم يكن إخراج آدم و إهباطه إلى الأرض عقوبة له ؟ قلت : إنّ آدم لم يكن مخلوقا للجنّة و إنّما خلقه اللّه سبحانه ليكون خليفة في الأرض كما يشهد به إخباره سبحانه للملائكة قبل خلق آدم بقوله : ( إِنّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً ) . و إنّما كان إسكانه في الجنّة من باب التفضّل و الاكرام . و عن الخامس بأنّ الظالم ربّما يقال على من بخس نفسه الثّواب ، فنقول : لا شكّ انّه كان تاركا للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلما على نفسه فالظلم هو النّقص و بخس الثّواب بترك المندوب . و عن السّادس بأنّ الخسران عبارة عن عدم الرّبح ، و من الواضح أنّه لو لم يقدم على أكل الشّجرة حصل له الثواب الموعود من اللّه سبحانه من الأكل الرّغيد و العيش السّعيد ، و بالاقدام عليه حصل له الخسران و فوّت المنفعة على نفسه و حاصله منع أنّ الخسران لا يكون إلاّ عن ذنب . و عن السّابع بما ذكرناه سابقا من أنّ آدم خلق لأن يكون خليفة في الأرض و ليس في إهباطه إلى الأرض دلالة على كونه مذنبا ، نعم يمكن أن يقال : إنّ تركه للأولى كان سببا لتعجيل الهبوط ، لاحتمال تغيّر المصلحة في البقاء بحصول الأكل هذا . [ 105 ] و بقي الكلام في أنّ أكل آدم من الشّجرة هل كان على سبيل السّهو و النسيان أو على سبيل العمد و القصد . المستفاد من بعض الأخبار هو الأوّل ، و هو رواية عليّ بن ابراهيم عن أبي جعفر عليه السّلام التي سبقت عند شرح قوله عليه السّلام و العزيمة بوهنه . و ربّما اورد عليه بأنّه لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل ، لعدم القدرة على التّرك مع النّسيان و تكليف الغافل قبيح عقلا . و فيه أنّ العتاب يحتمل أن يكون على ترك التحفّظ لأنّ استقلال العقل بقبح المؤاخذة على النسيان مطلقا ممنوع لأنّ النّسيان الصّادر عن ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليه ، و لذلك صحّ دعاء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و استيهابه لها من ربّه ليلة المعراج بقوله : ( رَبَّنا لا تُؤآخِذْنا إِنْ نَسينا ) الآية . و هذه المؤاخذة هي التي منّ برفعها على امّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و خصّت به من بين الامم كما يدلّ عليه حديث رفع التّسعة الذي رواه الصّدوق في الخصال و التّوحيد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله . و هو أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال : رفع عن امّتي تسعة أشياء : الخطاء ، و النّسيان ، و ما استكرهوا عليه ، و ما لا يعلمون ، و ما لا يطيقون ، و ما اضطرّوا إليه ، و الحسد ، و الطيرة ، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفة ، و بالجملة المؤاخذة على النّيسان مع التحفّظ قبيحة عقلا و اجماعا ، و أما مع عدمه فليس فيها قبح ، و لذلك استوهبها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلة المعراج و منّ اللّه على امّته برفعها منها من باب التفضّل و الانعام . و أما الثّاني أعني إقدامه على الأكل مع العمد فقد ذهب إليه جمع من المفسّرين من العامة و الخاصّة ، ثمّ اختلفوا فيه على أقوال أحدها أنّ ذلك النّهي كان نهى تنزيه لا نهى تحريم ، و قد علمت أنّه مذهب الاماميّة . [ 106 ] الثاني أنّه كان عمدا من آدم و كان ذلك كبيرة و كان آدم نبيّا في ذلك الوقت و هو مذهب الفضلية من الخوارج خذلهم اللّه . الثالث ما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المعتزلة ، و هو أنّه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، و ذلك لا يقتضي كون الذّنب كبيرة ، بيان الاجتهاد و الخطاء أنّه لمّا قيل له و لا تقربا هذه الشّجرة فلفظة هذه قد يراد بها الشّخص ، و قد يشار بها إلى النّوع ، فلمّا سمع آدم قوله : و لا تقربا هذه الشّجرة ، ظنّ آدم أنّ المراد بها الشّجرة المشخّصة المعينة . فترك الأكل منها و تناول من شجرة اخرى من نوعها إلاّ انّه كان مخطئا في ذلك الاجتهاد ، لأنّ مراده سبحانه من كلمة هذه كان النّوع لا الشّخص ، و الخطاء في الفروع إذا كان خطاء لا يوجب استحقاق العقاب ، لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا أقول : و مثل هذه المقالة قد ورد في بعض أخبارنا ، و هو ما رواه الصّدوق في العيون كالطبرسي في الاحتجاج عن عليّ بن محمّد بن الجهم ، قال حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا عليه السّلام ، فقال له المأمون : يابن رسول اللّه أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى ، فقال : ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ : ( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ) . فقال عليه السّلام : إنّ اللّه تبارك و تعالى قال لآدم ( أُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . و أشار لهما إلى شجرة الحنطة ( فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ ) . و لم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشّجرة و لا ممّا كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة و إنّما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشّيطان إليهما و قال : إنّما نهيكما [ 107 ] ربّكما عن هذه الشّجرة و ما نهيكما أن تقربا غيرها و لم ينهكما عن الأكل منها : ( إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدينَ ، وَ قاسَمَهُما إِنّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحينَ ) . و لم يكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا ( فَدَلّيهُما بِغُرُورٍ فَأَكَلا مِنْها ) . ثقة بيمينه باللّه و كان ذلك من آدم قبل النّبوة و لم يكن ذلك بذنب كبير استحق دخول النّار به و إنّما كان من الصغاير الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحى إليهم فلمّا اجتبيه اللّه و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة قال اللّه : ( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَبيهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ ) و قال : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمينَ ) الحديث أقول : و هذا الحديث كما ترى مطابق لمذهب المعتزلة كما حكيناه عنهم ، و مخالف لاصول الاماميّة لتصريح ذيله بجواز صدور الصغيرة على الأنبياء قبل نزول الوحى فلا بدّ إمّا من طرحه لضعف سنده من حيث الارسال كما في الاحتجاج ، أو انتهاء سلسلة السند إلى تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي كما في العيون ، فانّ السّند فيه حدثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي ، قال حدثني أبي عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن عليّ بن محمّد بن الجهم ، و قد ضعّفه العلامة في الخلاصة حيث قال : تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي الذي روى عنه أبو جعفر محمّد بن بابويه ضعيف أو حمله على التقيّة و إن بعدت ، أو تأويله بما يطابق اصول المذهب ، و قد أوّله الطبرسي على ما رأيته في حاشية بعض نسخ الاحتجاج بقوله : و لعلّ الرضا عليه السّلام أراد بالصّغاير الموهوبة ترك المندوبة و ارتكاب المكروه من الفعل دون الفعل القبيح [ 108 ] و فيه أنّ ما ذكره و إن كان مقتضى أصول المذهب إلاّ أنّ تأويل الرّواية به غير ممكن ، لأنّ الصغاير بالمعنى الذي ذكره لا اختصاص لها بما قبل نزول الوحى حسبما ورد في الرّواية ، و لا يجب العصمة عنها بعد النبوة أيضا كما يفهمه قوله عليه السّلام : فلمّا اجتبيه اللّه و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و مثل هذا الاشكال يلوح على رواية اخرى نظير تلك الرّواية ، و هي ما رواه في العيون أيضا باسناده عن أبي الصّلت الهروى قال لمّا جمع المأمون لعليّ بن موسى الرّضا عليهما السلام أهل المقالات من أهل الاسلام و الدّيانات من اليهود و النّصارى و المجوس و الصّابئين و ساير أهل المقالات ، فلم يقم أحد إلا و قد ألزمه حجّته كأنّه ألقمه حجرا ، قام إليه عليّ بن محمّد بن الجهم ، فقال له يابن رسول اللّه : أتقول : بعصمة الأنبياء عليهم السلام ؟ قال عليه السّلام : نعم ، قال : فما تقول بقول اللّه : ( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) . إلى أن قال : فقال الرّضا عليه السّلام : ويحك يا عليّ اتّق اللّه و لا تنسب إلى أنبياء اللّه الفواحش و لا تتأوّل كتاب اللّه برأيك فانّ اللّه عزّ و جل قد قال : ( وَ لا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . و أمّا قوله عزّ و جلّ في آدم : و عصى آدم ربه فغوى فانّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم حجّة في أرضه و خليفة في بلاده ، لم يخلقه للجنّة و كانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض و عصمته يحب أن يكون في الأرض ليتمّ مقادير أمر اللّه ، فلمّا اهبط إلى الأرض و جعل حجّة و خليفة عصم بقوله عزّ و جلّ : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرهيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمينَ ) . الحديث ، و عسى أن يكون للرّوايتين تأويل عند غيرى و فوق كلّ ذى علم عليم هذا و يلوح على الرّواية الاولى إشكال آخر و هو أنّه عليه السّلام قد ذكر أنّ المشار إليها بقوله و لا تقربا هذه الشّجرة شجرة الحنطة ، و لم يقل لهما : لا تأكلا من هذه [ 109 ] الشّجرة ، و لا ممّا كان من جنسها فلم يقربا هذه و إنّما أكلا من غيرها بتدليس ابليس . و حاصل الاشكال أن يقال : المشار إليها بهذه إمّا أن تكون شخص الشجرة ، و إمّا أن تكون نوعها ، فعلى الأوّل لا يكون أكله من غيرها ممّا هي من نوعها تركا للأولى على مذهبنا و ذنبا على مذهب غيرنا ، فأىّ توبيخ كان من اللّه سبحانه عليه في فعله ذلك ، و على الثّاني كيف يمكن تدليس الشّيطان لهما بقوله : انّما نهيكما ربّكما عن هذه الشّجرة و ما نهيكما أن تقربا غيرها حسبما ورد في الرّواية مضافا إلى أنّ اللاّزم على اللّه سبحانه نصب القرينة على إرادة النّوع ، بأن يقول : و لا تقربا هذه الشّجرة و لا غيرها ممّا كان من نوعها ، لقبح الاغراء بالجهل و تأخير البيان عن وقت الحاجة . و يمكن رفع الاشكال بأن يقال : إنّ المنهيّ عنه إنّما كان نوع الشّجرة ، و كلمة هذه قد يشار بها إلى الشخص ، و قد يشار بها إلى النّوع ، فقوله : و لا تقربا هذه الشّجرة ، مع عدم نصب القرينة من قبيل الخطاب بالمجمل لا أنّ الخطاب مجمل بل متعلّق الخطاب أعني المكلّف به مردّد بين الكلّي و الفرد ، و نفس الخطاب أعني التّكليف بالاجتناب معلوم ، فاللاّزم على آدم عليه السّلام حينئذ هو الاحتياط بالاجتناب عن جميع الأفراد ، و قد دلسه الشّيطان و أوقعه في خلاف الاحتياط المقتضي للاجتناب ، و قال له إنّ اللّه حيث لم ينصب قرينة على ارادة النّوع فقد أباح النّوع إلاّ الفرد الخاصّ فأكل من غير ذلك الفرد و استحقّ التّوبيخ ، و هذا ليس من قبيل الاغراء بالجهل ، و لا من قبيل تاخير البيان عن وقت الحاجة ، إذ نفس التكليف قد كان معلوما بالعلم التّفصيلي لا جهالة فيه أصلا ، و لا حاجة له إلى البيان غاية الأمر كون المكلف به مجملا مردّدا بين أمرين و العقل حاكم فيه بوجوب الاحتياط بترك المحتملات ، هذا ما نقده الخاطر القاصر في المقام ، و العلم بحقايق الأمور و الأحكام للّه و لاوليائه الكرام عليهم السّلام . [ 110 ] الترجمة پس از آن ساكن گردانيد حق سبحانه و تعالى جناب آدم على نبينا و آله و عليه السلام را در سرائيكه وسيع نمود در آن عيش او را ، و ايمن ساخت در آن محل او را از مكاره و آفات ، و بترسانيد او را از ابليس لعين و دشمنى او ، پس فريفته ساخت او را دشمن او بجهت بخل و حسد او بسكون او در سراى اقامت كه بهشتست و به رفيق شدن او با نيكوكاران كه ملائكه مقربين‏اند ، پس بفروخت يقين بعداوت ابليس را بشك در عداوت بجهت قسم خوردن او بخداوند كه من از ناصحين هستم ، و بفروخت عزيمت و اهتماميكه داشت در نخوردن از شجره بوهن و سستى خود كه عارض شد او را بجهة تدليس ابليس ، و استبدال كرد و بدل نمود فرح و سرور را بخشيت و ترس ، و عزت و بزرگى را بندامت و پريشانى . الفصل الثالث عشر ثمّ بسط اللّه له في توبته ، و لقّيه كلمة رحمته ، و وعده المردّ إلى جنّته . اللّغة ( التّوبة ) الانابة و أصلها الرّجوع عمّا سلف و النّدم على ما فرط و ( لقيه ) ألقاه من باب تعب لقيا استقبله و كلّ شي‏ء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه قال الطبرسي ( ره ) في تفسير : فتلقى آدم من ربه كلمات : التّلقي نظير التلقن يقال : تلقيت منه أى أخذت و قبلت ، و أصله من لقيت خيرا فيعدى إلى مفعول واحد ثم يعدي إلى مفعولين بتضعيف العين ، نحو لقّيت زيدا خيرا كقوله تعالى : « وَ لَقّيهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً » أقول : و مثله قول الامام عليه السّلام : و لقّيه كلمة رحمته ، و حكى الفخر الرازى عن القفال قال : أصل التّلقي التعرض للقادم 1 يوضع في موضع الاستقبال للشّي‏ء ----------- ( 1 ) اقول : و منه تلقى الركبان الوارد في الاخبار و في الكتب الفقهية ، منه . [ 111 ] الجائي ، ثم يوضع موضع القبول و الأخذ قال اللّه : ( وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ عَليمٍ ) . أى تلقّنه ، و يقال : تلقينا الحاج أى استقبلناه ، و يقال : تلقيت هذه الكلمة من فلان أى أخذتها منه ، و إذا كان هذا أصل الكلمة و كان من تلقى رجلا فتلاقيا لقى كلّ واحد صاحبه فاضيف الاجتماع إليهما معا ، صلح أن يشتركا في الوصف بذلك ، فيقال : كلّ ما تلقيته فقد تلقاك ، فجاز أن يقال : تلقى آدم كلمات أى أخذها و وعاها و استقبلها بالقبول ، و جاز أن يقال تلقى كلمات بالرّفع على معنى جائته عن اللّه كلمات و ( المردّ ) كالردّ مصدر من ردّه إذا صرفه . الاعراب مفعول بسط محذوف ، و التّقدير بسط اللّه له بساط رحمته و كرامته في توبته ، بأن جعلها مقترنة بالقبول ، و على ما في بعض النّسخ من انتفاء كلمة له يجوز جعل بسط بمعنى سرّ يقال : بسط فلانا ، أى سره فالمفعول حينئذ الضّمير المحذوف الرّاجع إلى آدم عليه السّلام . المعنى ( ثم ) إنّ آدم عليه السّلام لمّا اغترّه عدوّه و أكل من الشّجرة و ارتكب خلاف الأولى و استبدل الاعتزاز بالندم ( بسط اللّه له ) بساط رحمته و كرامته ( في توبته ) بأن ألهمها إليه و تقبلها بقبول حسن ( و لقّيه ) أى لقنه ( كلمة رحمته ) التي اشير إليها في قوله سبحانه : ( فَتَلقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبِّه‏ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحيمُ ) . ( و وعده المردّ ) و الرّجوع ( الى جنّته ) كما قال سبحانه في سورة البقرة : ( فَلَمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُداىَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ ) و في سورة طه ( فَمَنْ تَبِعَ هُداىَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏ ) . [ 112 ] تنبيهات الاول أنّ ظاهر كلام الامام عليه السّلام كون توبة آدم قبل الاهباط من الجنّة حيث عطف الاهباط على بسط التّوبة ، و هو مقتضى التّرتيب الذكري في الآية من سورة طه ، قال سبحانه : ( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَبيهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ قالَ اهْبِطا مِنْها جَميعاً ) . حيث جعل الأمر بالهبوط بعد التوبة قال الشّارح المعتزلي و ذلك أحد قولي المفسرين اه ، و لكن الأشهر أنّ التّوبة كانت بعد الهبوط كما ورد في سورة البقرة قال سبحانه : ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حينٍ فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبِّه‏ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ ) . و الأقوى عندي كون التّوبة بعد الاهباط على ما ورد في سورة البقرة ، فيكون كلام الامام عليه السّلام من قبيل التقديم و التّأخير ، و التقدير فاستبدل بالجذل و جلا و بالاعتزاز ندما فأهبطه اللّه إلى دار البليّة و تناسل الذّريّة ، ثمّ بسط في توبته و لقّيه كلمة رحمته . فان قلت : مقتضى النّظم حسبما ذكرت في إحدى الآيتين مخالف للاخرى ظاهرا فما الدّليل على ترجيح ما يستفاد من آية البقرة ؟ ثم على تقدير وجود الدّليل ما السّر في تقديم التّوبة على الاهباط في آية طه ؟ قلت : أمّا السّر فيما ذكر فلعلّه هو أنّه سبحانه لما نسب إلى آدم العصيان و الغيّ الظاهرين في صدور الذّنب الموهمين للافتضاح و سقوطه عن رتبة النّبوة و الاصطفاء كما سبق إلى ذوي الافهام القاصرة و العقول النّاقصة من العامة العمياء ( ج 7 ) [ 113 ] فانّهم و إن لم يقرّوا بذلك إلاّ أنّه لازم كلامهم نظرا إلى أنّ المذنب لا يكون نبيّا كما عرفت في الفصل السّابق ، اقتضى 1 الحال و المقام أن يعقّبه بما يوجب دفع ذلك التّوهم و ينبه على أنّ صدور ذلك لم يوجب انحطاط رتبته بحيث يسلبه التّوفيق و الألطاف الخفيّة بالكلّية ، و يكون موجبا للخذلان و الحرمان فعقّبه من دون فصل بما أفاد كونه مجتبى و مرتضى ، و أن صدور ذلك الفعل لم يسقطه عن الاستعداد و القابليّة للعناية الرّبانية ، كما قدم الاجتباء على التّوبة لذلك السر أيضا و هو زيادة إشعاره بدفع ذلك التّوهم فاقتضى الحال تقديمه و أمّا سورة البقرة فقد جرت الحكاية فيها على ما هو الأصل فيها من المطابقة للمحكى ، و هذا السّر ممّا لم يسبق إليه أحد غيرى من العلماء و المفسرين و اللّه العالم . و أمّا الدّليل على تقدّم الاهباط على التّوبة فهو الأخبار الكثيرة منها ما رواه عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره عن الصّادق عليه السّلام قال : فاهبط آدم على الصفا ، و إنّما سميت الصفا لأنّ صفوة اللّه نزل عليها و نزلت الحوّاء على المروة « و انما سميت المروة ظ » لأنّ المرأة نزلت عليها ، فبقي آدم أربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنّة فنزل عليه جبرئيل فقال يا آدم : ألم يخلقك اللّه بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته ؟ قال : بلى ، قال : و أمرك أن لا تأكل من الشّجرة فلم عصيته ؟ قال : يا جبرئيل إنّ إبليس حلف لي باللّه انه لي ناصح و ما ظننت أن أحدا من خلقه يحلف باللّه عزّ و جل كاذبا ، فقال له جبرئيل : يا آدم تب إلى اللّه . و منها ما رواه أيضا باسناده عنه عليه السّلام ، قال : إنّ آدم بقي على الصّفا أربعين صباحا ساجدا يبكي على الجنّة ، و على خروجه من جوار اللّه عزّ و جلّ ، فنزل جبرئيل فقال : يا آدم مالك تبكي ؟ فقال : يا جبرئيل ما لي لا أبكي و قد أخرجني اللّه من جواره و أهبطني إلى الدّنيا ، فقال : يا آدم تب إليه الحديث و يأتي بتمامه إنشاء اللّه في أواخر الخطبة 2 عند شرح اعلام الحجّ و منها ما رواه في البحار عن معاني الأخبار عن العجلي عن ابن زكريّا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن محمّد بن سنان عن المفضّل قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام ----------- ( 1 ) جواب لما ، منه ----------- ( 2 ) فى الفصل الثانى عشر عند شرح قوله : و وقفوا مواقف انبيائه ، منه [ 114 ] إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من بعدهم صلوات اللّه عليهم فعرضها على السّماوات و الأرض و الجبال ، فغشيها نورهم فقال اللّه تبارك و تعالى للسماوات و الأرض و الجبال : هؤلاء أحبّائي و أوليائي و حججي على خلقي و أئمة بريّتي ، ما خلقت خلقا هو أحبّ إلىّ منهم و لهم و لمن تولاّهم خلقت جنّتي ، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناري ، فمن ادّعى منزلتهم منّي و محلّهم من عظمتي عذّبته عذابا لا اعذبه احدا من العالمين ، و جعلته مع المشركين في أسفل درك من ناري و من أقرّ بولايتهم و لم يدّع منزلتهم منّي و مكانهم من عظمتي جعلته معهم ( معى خ‏ل ) في روضات جناني و كان لهم فيها ما يشاؤون عندي ، و أبحتهم كرامتي و أحللتهم جواري و شفعتهم في المذنبين من عبادي و إمائي ، فولايتهم أمانة عند خلقي فأيّكم يحملها بأثقالها و يدّعيها لنفسه دون خيرتي فأبت السّماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها و أشفقن من ادّعاء منزلتها و تمنّى محلّها من عظمة ربّها ، فلمّا أسكن اللّه آدم و زوجته الجنّة قال لهما : ( كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . يعني شجرة الحنطة ( فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ ) . فنظرا إلى منزلة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من بعدهم عليهم السّلام فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة فقالا : يا ربّنا لمن هذه المنزلة ؟ فقال اللّه جلّ جلاله : ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم صلوات اللّه عليهم مكتوبا على ساق العرش بنور من نور الجبّار جل جلاله ، فقالا : يا ربّنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك ، و ما أحبّهم إليك و ما أشرفهم لديك ؟ فقال اللّه جلّ جلاله : لولاهم ما خلقتكما فهؤلاء خزنة علمي و امنائي على سرّي إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد و تتمنيا منزلتهم [ 115 ] عندي و محلّهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي و عصياني فتكونا من الظالمين ، قالا ربّنا و من الظالمون ؟ قال : المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ ، قالا ربّنا فأرنا منازل ظالميهم حتّى نراها كما رأينا منزلتهم فى جنّتك ، فأمر اللّه تبارك و تعالى النّار فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النّكال و العذاب ، و قال اللّه عزّ و جلّ مكان الظالمين لهم المدّعين لمنزلتهم فى أسفل درك منها : ( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعيدُوا فيها ) و كلما نضجت جلودهم بدلوا سواها ليذوقوا العذاب يا آدم و يا حوّاء لا تنظرا إلى أنواري ( ابرارى خ‏ل ) و حججى بعين الحسد فاهبطكما عن جواري و احل بكما هوانى ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِىَ لَهُما ما وُرِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهيكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدينَ وَ قاسَمَهُما إِنّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحينَ فَدَلّيهُما بِغُرُورٍ ) . و حملهما على تمنّى منزلتهم فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة فعاد مكان ما اكلا شعيرا فاحمل الحنطة ممّا لم ياكلاه و أصل الشعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه فلمّا أكلا من الشّجرة طار الحلّي و الحلل عن اجسادهما و بقيا عريانين ( وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناديهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبينٌ فَقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ ) . قال اهبطا من جواري فلا يجاورني في جنتي من يعصيني فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش ، فلمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يتوب عليهما جائهما جبرئيل فقال لهما : [ 116 ] إنّكما ظلمتما أنفسكما بتمنّي منزلة من فضّل عليكما ، فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار اللّه عزّ و جلّ إلى أرضه فاسألا ربّكما بحقّ الاسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتّى يتوب عليكما ، فقالا : اللهمّ إنّا نسألك بحقّ الأكرمين عليك : محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة إلا تبت علينا و رحمتنا ، فتاب اللّه عليهما إنّه هو التّواب الرّحيم ، فلم تزل أنبياء اللّه بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة و يخبرون بها أوصيائهم و المخلصين من أممهم ، فيأبون حملها و يشفقون من ادّعائها و حملها الانسان الذي قد عرف فأصل كلّ ظلم منه إلى يوم القيامة و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : ( إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) . قال المجلسي ( ره ) الانسان الذي عرف هو أبوبكر هذا و الأخبار في هذا الباب كثيرة ، و الاستقصاء فيها موجب للاطالة و فيما ذكرناه كفاية إنشاء اللّه . و بقي الكلام في مدة بكاء آدم على الجنّة و المستفاد من روايتي عليّ بن إبراهيم السالفتين أنّه بكى أربعين صباحا و في رواية الصّدوق في العيون عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام في أسألة الشّامي عن أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة ، قال : و سأله 1 عن بكاء آدم على الجنّة و كم كانت دموعه التي خرجت من عينيه ؟ فقال عليه السّلام : بكى مأة سنة و خرج من عينه اليمنى مثل الدّجلة و العين الاخرى مثل الفرات و في الأنوار للمحدّث الجزائري أخذا عن الأخبار ، ثمّ إنّ آدم و حوّاء أنزلا من السّماوات على جبل في شرقي الهند ، يقال له : باسم و في رواية اخرى يقال له : سر انديب ، و هو في الاقليم الأوّل ممّا يلى معدّل النّهار ، و قد كانت حوّاء ضفرت رأسها في الجنّة ، فقالت : ما أصنع بهذه الضفيرة و أنا مغضوب علىّ ، ثمّ إنّها حلّت ضفرتها و في خبر آخر أنّها حلّت عقيصة واحدة فأطارت الرّيح ----------- ( 1 ) اى الشامي عن على « ع » منه [ 117 ] ذلك الطيب في بلاد الهند ، فمن ثمّ كان أكثر الطيب منه . ثمّ أتى جبرئيل فأخذ آدم إلى مكّة ليعلمه المناسك ، فطوى له الأرض قصار موضع قدميه عمران ، و ما بينهما خراب فأهبط آدم على الصّفا و به سمي لهبوط صفيّ اللّه عليه و حوّاء على المروة و به سمّيت لنزول المرأة و هي حوّاء عليها ، فبكى آدم على ما وقع منه و على فراق الجنّة ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا و في 1 أيّام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء ، و بكى حتّى صار على خدّيه كالنّهرين ، فخرج من عينه اليمنى دموع مثل دجلة ، و من عينه اليسرى مثل الفرات ، ثمّ إنّ آدم رأى حوّاء يوم الثّامن من شهر ذي الحجّة فلم يعرفها ذلك اليوم لشعث أحوالهما و طول أحزانهما ، فتروّى و تفكّر ذلك ، ثمّ إنّه عرفها يوم التّاسع ، فمن ثمّ سمّي يوم الثّامن يوم التّروية و التّاسع يوم عرفة ، و لمّا لم تقبل توبته في تلك السّنين و الأعوام أتى إليه جبرائيل ، فقال : يا آدم ادع اللّه بالأسماء التي رأيتها مكتوبة على ساق العرش بسطور النّور و قل : اللّهم بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة الطاهرين أن تقبل توبتي و لعلّ المحدّث المذكور قد أخذ تقدير مدّة البكاء بما ذكره ممّا رواه الصّدوق في الفقيه فى باب علّة وجوب الصّلاة الخمس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : و أما صلاة العصر فهى السّاعة التى أكل آدم فيها من الشّجرة فأخرجه اللّه من الجنّة فأمر اللّه ذريته بهذه الصّلاة إلى يوم القيامة . و اختارها لامتي فهي من أحب الصّلاة الى اللّه عزّ و جلّ ، و أوصاني أن أحفظها من بين الصّلوات ، و أمّا صلاة المغرب فهي السّاعة التي تاب اللّه فيها على آدم ، و كان ما بين ما أكل من الشجرة و بين ما تاب اللّه عليه ثلاثمأة سنة من أيّام الدّنيا ، و في أيام الاخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء ، فصلّى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته و ركعة لخطيئة حواء و ركعة لتوبته الحديث ، و يأتي بتمامه انشاء اللّه في شرح الخطبة المأة و التاسعة هذا . و لا بأس باختلاف هذه الأخبار في مدّة أيام البكاء زيادة ( الزايد خ ) و نقصانا ، ----------- ( 1 ) اى يوم واحد من أيام الاخرة كألف سنة من أيام الدنيا و قوله ما بين العصر الى العشاء يعنى كان ثلاثمائة سنة من أيام الدّنيا ما بين العصر الى العشاء من أيام الآخرة ، من حواشى الفقيه . [ 118 ] ( الناقص خ ) لامكان حمل الأقلّ على الشّديد و الأكثر على الخفيف و المراد بالشديد هو ما يشتمل على النوح ، و يقال له : البكاء بالمدّ و الثّاني بالقصر ، الثاني اختلف الأقوال كالأخبار في الكلمات التي تلقاها آدم من ربّه التي أشار إليها الامام عليه السّلام بقوله : و لقاه كلمة رحمته . فقيل إنّ المراد بها هي قوله : ربّنا ظلمنا أنفسنا الاية . و قيل هي سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر . و عن ابن عبّاس إنّ اللّه علّم آدم و حواء أمر الحج و الكلمات التي يقال فيه ، فحجا ، فلما فرغا أوحى اللّه تعالى إليهما أنّي قد قبلت توبتكما . و في الكافي عن أحدهما عليه السّلام أنّ الكلمات : لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفرلي و أنت خير الغافرين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفرلي و ارحمني إنّك أنت أرحم الرّاحمين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي و تب علىّ إنّك أنت التّوّاب الرّحيم . و في أكثر أخبارنا أنّ المراد بها الأسماء المباركة لمحمد و آل محمّد سلام اللّه عليهم التي توسّل آدم بها إلى اللّه سبحانه في قبول توبته ، و لا منافاة بينها لامكان تلقى الجميع و إن كان الأقوى الأخير لقوّة أدلّته عددا و سندا . فمن تلك الأدلة رواية معاني الأخبار السّالفة فى التذييل الأوّل . و منها ما عن تفسير الامام عليه السّلام لما زلت من آدم الخطيئة و اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ قال يا ربّ : تب علىّ و اقبل معذرتي فلقد تبين نقص الخطيئة [ 119 ] و ذلّها بأعضائى و ساير بدنى ، قال اللّه تعالى يا آدم : أما تذكر أمرى إياك بأن تدعوني بمحمد و آله الطيبين عليهم السلام عند شدائدك و دواهيك و في النّوازل تبهظك 1 ، قال آدم يا ربّ بلى ، قال اللّه عزّ و جلّ : فهم محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام خصوصا فادعنى أجبك إلى ملتمسك و ازدك فوق مرادك ، قال آدم : يا ربّ الهى و قد بلغ عندك من محلّهم أنك بالتّوسل بهم تقبل توبتي و تغفر خطيئتي و أنا الذي أسجدت له ملائكتك و أبحته جنّتك و زوّجته حوّاء أمتك و أخدمته كرام ملائكتك ، قال اللّه تعالى : يا آدم إنّما امرت الملائكة بتعظيمك بالسّجود لك إذ كنت وعاء لهذه الأنوار و لو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك و أن افطنك لدواعي عدوّك إبليس حتّى تحترز منها لكنت قد جعلت ذلك ، و لكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي فالان فبهم فادعني لاجيبك ، فعند ذلك قال آدم : اللّهم بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين من آلهم لمّا تفضّلت بقبول توبتي و غفران زلتي و إعادتي من كراماتك إلى مرتبتي ، قال اللّه عزّ و جلّ : قد قبلت توبتك و أقبلت برضواني عليك و صرفت آلائي و نعمائي إليك و أعدتك إلى مرتبتك من كراماتي و وفرت نصيبك من رحماتي ، فذلك قوله عزّ و جلّ « فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبِّه‏ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحيمُ » و منها ما في البحار عن معاني الأخبار باسناده عن المفضّل عن الصّادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام ، قال : سألته عن قول اللّه عزّ و جل : « وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْرهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ » . ما هذه الكلمات ؟ قال عليه السّلام : هي الكلمات التي تلقّيها آدم من ربه فتاب عليه و هو أنّه قال : يا ربّ أسألك بحقّ محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علىّ ، فتاب اللّه عليه إنّه هو التّواب الرّحيم ، فقلت : يابن رسول اللّه فما يعني عزّ و جلّ بقوله أتمهنّ ، قال : يعني أتمّهنّ إلى القائم إثنا عشر إماما ، تسعة من ولد الحسين عليه السّلام قال المفضّل : فقلت له : يا بن رسول اللّه ، فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ : ----------- ( 1 ) بهظه الحمل أثقله ، ص . [ 120 ] ( وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقَبهِ ) . قال : يعني بذلك الامامة جعلها اللّه في عقب الحسين عليه السّلام إلى يوم القيامة قال : فقلت له : يابن رسول اللّه فكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن و هما جميعا ولدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سبطاه و سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فقال : إنّ موسى و هارون كانا نبيّين و مرسلين أخوين ، فجعل اللّه النّبوة في صلب هارون دون صلب موسى و لم يكن لأحد أن يقول : لم فعل اللّه ذلك ، فانّ الامامة خلافة اللّه عزّ و جلّ ليس لأحد أن يقول : لم جعلها اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السّلام ، لأنّ اللّه هو الحكيم في أفعاله لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون و منها ما فيه أيضا عن جامع الأخبار و أمالي الصّدوق بالاسناد عن معمر بن راشد ، قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : أتى يهودي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فقام بين يديه يحدّ النظر إليه ، فقال صلّى اللّه عليه و آله : يا يهودي حاجتك ؟ قال : أنت أفضل أم موسى بن عمران النّبيّ كلّمه اللّه و أنزل عليه التّوراة و العصا و فلق له البحر و أظلّه بالغمام ؟ فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّه يكره للعبد أن يزكي نفسه و لكنّي أقول : إنّ آدم لمّا أصاب الخطيئة كان توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا 1 غفرت لي فغفرها اللّه له ، و إنّ نوحا لمّا ركب في السّفينة و خاف الغرق ، قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أنجيتني من الغرق فنجاه اللّه ، و إنّ إبراهيم لمّا القي في النّار قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أنجيتني منها فجعلها اللّه عليه بردا و سلاما ، و إنّ موسى لمّا ألقى عصاه و أوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّى أسألك بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أمنتنى ، فقال اللّه جلّ جلاله : لا تخف إنّك أنت الأعلى يا يهودي إنّ موسى لو أدركنى ثمّ لم يؤمن بى و بنبوّتى ما نفعه ايمانه شيئا و لا نفعته النّبوة ، يا يهودي و من ذريّتي المهدي عليه السّلام إذا خرج نزل عيسى بن مريم ----------- ( 1 ) كلمه لما ايجابية بمعنى الا اى أسألك فى كل حال الا حصول المطلوب و هو الحاح و مبالغة فى السؤال ، بحار . [ 121 ] لنصرته فقدّمه و صلّى خلفه إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، تركناها مخافة الاطناب ، و قد عقد المحدث العلامة المجلسى طاب ثراه فى البحار بابا فى أنّ دعاء الأنبياء استجيب بالتّوسل و الاستشفاع بهم صلوات اللّه عليهم أجمعين الثالث فى تحقيق توبة الأنبياء على وجه لا ينافى العصمة فنقول : قد عرفت فى الفصل السّابق أنّ الأنبياء عليهم السّلام معصومون من أوّل عمرهم إلى آخره ، و أنّه لم يصدر منهم ذنب قطّ لا صغيرة و لا كبيرة لا فى الصغر و لا فى الكبر و لا قبل البعثة و لا بعد البعثة لا على سبيل العمد و لا على سبيل السّهو و الخطاء ، على ما ذهبت اليه أصحابنا رضى اللّه عنهم ، و عند ذلك احتاجوا إلى تأويل ما ورد فى الكتاب العزيز من الآيات الدّالة على توبتهم ، و كذلك ما ورد فى الأخبار فمن توبة النبى صلّى اللّه عليه و آله مثل ما رواه فى الكافى باسناده عن أبى عبد اللّه عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يتوب إلى اللّه عزّ و جلّ كلّ يوم سبعين مرّة و ما رواه الطبرسى فى مجمع البيان عن أمّ سلمة قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باخره لا يقوم و لا يقعد و لا يجى‏ء و لا يذهب إلا قال سبحان اللّه و بحمده أستغفر اللّه و أتوب إليه فسألناه عن ذلك ، فقال إنّى أمرت بها ثمّ قرء ( إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ ) . إلى آخر السّورة و كذلك ما ورد من توبة الأئمة عليهم السلام كما فى الأخبار الكثيرة و الأدعيّة المأثورة ، و كفاك شاهدا أدعيّة الصّحيفة السّجادية و لا سيّما دعاء التّوبة و دعاء الاستقالة المتضمنة للاعتراف بالذنوب و المعاصى إذا عرفت ذلك فأقول : قد أجاب عنه أكثر الأصحاب بأنّ ترك المندوب و فعل المكروه ربّما يسمّى ذنبا فيجوز التوبة حينئذ قال الطبرسى ( ره ) : و عندنا يصحّ التوبة إذا كانت من ترك المندوب و يكون [ 122 ] ذلك على وجه الرّجوع إلى فعله ، و على هذا يحمل توبة الأنبياء فى جميع ما نطق به القرآن و قد أجيب عن استغفار النّبيّ و الأئمة عليهم السّلام و توبتهم مضافا إلى ما مرّ بوجوه خاصّة أحدها أنّه لتعليم الأمة و تأديبهم و تنبيههم على كيفيّة الاقرار و الاعتراف بالتقصير و الذنوب و الاستغفار و التّوبة الثاني أنّه من قبيل التّواضع و الاعتراف بالعبودية و أنّ البشر مظنّة التقصير الثّالث أنّ الاعتراف بالذّنوب و الاستغفار منها إنّما هو على تقدير وقوعها ، و المعنى إن صدر منّي شي‏ء من هذه الامور فاغفره لي ، و قد تقرّر أنّه لا يلزم من صدق الشّرطيّة صدق كلّ واحد من جزئيها الرّابع أنّهم يتكلمون على لسان أمّتهم و رعيّتهم ، فاعترافهم بالذّنوب اعتراف بذنوب امّتهم ، لأنّ كلّ راع مسئول عن رعيّته و إنّما أضافوا الذّنوب إلى أنفسهم المقدسة للاتّصال و السّبب ، و لا سبب أوكد ممّا بين الرّسول أو الامام عليه السّلام و بين امّته و رعيّته ، ألا ترى أنّ رئيس القوم إذا وقع من قومه هفوة أو تقصير قام هو في الاعتذار منهم و نسب ذلك إلى نفسه و إذا اريد عتابهم و توبيخهم وجّه الكلام إليه دون غيره منهم ، و إن لم يفعل هو ذلك بل و لا شهده و هذا في الاستعمال معروف أقول : و يؤيّد هذا الوجه ما رواه القمّي عن الصّادق عليه السّلام في قوله تعالى : « لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ » قال عليه السّلام : و اللّه ما كان له ذنب و لا همّ بذنب ، و لكنّ اللّه حمله ذنوب شيعته ثمّ غفرها و في المجمع عنه أنّه سئل عنها ، فقال عليه السّلام : و اللّه ما كان له ذنب ، و لكنّ اللّه سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي ما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر ، قال بعض أهل المعرفة : قد ثبت عصمته فلم يبق لاضافة الذّنب إليه إلاّ أن يكون هو المخاطب و المراد امّته كما قيل : إيّاك أدعو و اسمعي يا جاره [ 123 ] الخامس ما ذكره الشّيخ عليّ بن عيسى الاربلي ( ره ) في كشف الغمّة و استحسنه أكثر من تأخّر عنه كالمحدّث المجلسي ( ره ) و الشّيخ البهائي في شرح الأربعين و الطريحى و شارح الصّحيفة السيّد صدر الدين عليّ الحسيني و غيرهم من متصدّي الأخبار قال ( ره ) فائدة سنية كنت أرى الدّعاء الذي كان يقوله أبو الحسن عليه السّلام في سجدة الشّكر و هو 1 « ربّ عصيتك بلساني و لو شئت و عزّتك لأخرستني و عصيتك ببصري و لو شئت و عزّتك لأكمهتني و عصيتك بسمعي و لو شئت و عزّتك لأصممتني و عصيتك بيدي و لو شئت و عزّتك لكنعتني و عصيتك بفرجي و لو شئت و عزّتك لعقمتني و عصيتك برجلي و لو شئت و عزّتك لجذمتني و عصيتك بجميع جوارحي الّتي أنعمت بها عليّ و لم يكن هذا جزاك منّي » . بخط عميد الرّوساء لعقمتني و المعروف عقمت 2 المراة و عقمت و عقمت و أعقمها اللّه . فكنت أفكّر في معناه و أقول : كيف يتنزّل على ما يعقده الشيعة من القول بالعصمة ، و ما اتّضح لي ما يدفع التردّد الذي يوجبه ، فاجتمعت بالسيّد السّعيد النّقيب رضي الدّين ابي الحسن عليّ بن موسى الطاوس الحسني رحمه اللّه و ألحقه بسلفه الطاهر ، ----------- ( 1 ) يعنى بار خدايا عصيان تو كردم بزبان و اگر ميخواستى بعزت و بزرگى تو قسم كه هرآينه مرا گنگ ميكردى و عصيان تو نمودم بچشم خود و اگر مشيت تو بآن تعلق ميگرفت بعزت و بزرگى تو قسم كه هر آينه كور ميكردى مرا و عصيان تو كردم بگوش خود يعنى اموريكه نبايست شنيد شنيدم و اگر ميخواستى بعزت و بزرگى تو قسم كه هراينه مرا كر ميكردى كه هيچ چيز نميتوانستم شنيد ، شرح اربعين بهائى ره ----------- ( 2 ) عقم فى بعض ما عندنا من كتب اللغة جاء لازما و متعديا قال فى القاموس عقم كفرح و نصر و كرم و عنى و عقمها اللّه يعقمها و اعقمها ، انتهى اختصاص [ 124 ] فذكرت له ذلك فقال : إنّ الوزير السّعيد مؤيد الدين القمي رحمه اللّه سألني عنه ، فقلت : كان يقول هذا ليعلم النّاس ، ثم إني ذكرت بعد ذلك فقلت : هذا كان يقوله في سجدته في اللّيل و ليس عنده من يعلّمه ، ثم سألني الوزير مؤيد الدّين محمّد بن العلقمى ره فاخبرته بالسؤال و الجواب الأوّل الذي قلت و الذي أوردته عليه و قلت : ما بقي إلاّ أن يكون يقوله على سبيل التّواضع ، و ما هذا معناه ، فلم يقع منّى هذه الأقوال بموقع و لا حلّت من قلبي في موضع ، و مات السيّد رضي الدّين رحمه اللّه ، فهداني اللّه إلى معناه و وقفنى على فحواه ، فكان الوقوف عليه و العلم به و كشف حجابه بعد السنين المتطاولة و الأحوال المجرية و الادوار المكرّرة من كرامات الامام موسى عليه السّلام و معجزاته و لتصحّ نسبة العصمة إليه عليه السّلام و تصدق على آبائه و ابنائه البررة الكرام و تزول الشّبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام . و تقريره 1 أنّ الأنبياء و الأئمة عليهم السّلام تكون أوقاتهم مشغولة باللّه تعالى و قلوبهم مملوّة و خواطرهم متعلّقة بالملأ الأعلى ، و هم عليهم السلام أبدا في المراقبة كما قال صلّى اللّه عليه و آله : اعبد اللّه كأنّك تراه فان لم تكن تراه فانّه يراك ، فهم أبدا متوجّهون إليه و مقبلون بكلهم عليه ، فمتى انحطوا عن تلك الرّتبة العالية و المنزلة الرّفيعة إلى الاشتغال بالمأكل و المشرب و التّفرغ إلى النّكاح و غيره من المباحات ، عدوّه ذنبا و اعتقدوه خطيئة و استغفروا منه . ألا ترى أنّ بعض عبيد أبناء الدّنيا لو قعد و أكل و شرب و نكح و هو يعلم أنّه بمرئى من سيّده و مسمع ، لكان ملوما عند النّاس و مقصرا فيما يجب عليه من خدمة سيّده و مالكه ، فما ظنك بسيّد السّادات و ملك الاملاك . و إلى هذا أشار صلّى اللّه عليه و آله : أنّه ليغان 2 على قلبي و إني لأستغفر بالنّهار سبعين مرّة ، و لفظة السّبعين إنّما هي لعد الاستغفار لا إلى الرّين 3 ، و قوله حسنات ----------- ( 1 ) ما ذكره ره وجه حسن فى تأويل ما نسبوا الى انفسهم المقدسة من الذنب و الخطاء و العصيان ، بحار الانوار . ----------- ( 2 ) بدرستى كه در پوشيد دل من چيزى را كه ميپوشيد او را ، شرح اربعين ----------- ( 3 ) الرين الحجاب الكثيف قال تعالى : بل ران على قلوبهم ، منه . [ 125 ] الأبرار سيئات المقرّبين . و يزيده أيضاحا من لفظه ليكون أبلغ من التّأويل و يظهر من قوله عقمنى و العقيم الذي لا يولد له و الذي يولد من السّفاح لا يكون ولدا ، فقد بان بهذه أنّه كان يعدّ اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية و يستغفر اللّه منها . و على هذا فقس البواقي و كلّما يرد عليك من أمثالها ، و هذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبه و يهدي به اللّه من حسر عن بصره و بصيرته رين العمى و العمه ، و ليت السّيد ( ره ) كان حيّا لأهدي هذه العقيلة إليه و أجلو عرايسها عليه ، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتّضح من لفظ الدعاء لغيري ، و لا أنّ أحدا سار في ايضاح مشكله و فتح مقفّله مثل سيري . و قد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجائب ، و قديما ما قيل : مع الخواطي سهم صائب انتهى كلامه رفع مقامه . و قد اقتفى أثره القاضى ناصر الدّين البيضاوى في شرح المصابيح عند شرح قوله صلّى اللّه عليه و آله : إنّه ليغان على قلبي و إنّي لأستغفر اللّه في اليوم مأة مرّة ، قال : الغين لغة في الغيم و غان على كذا اى غطى ، قال أبو عبيدة في معنى الحديث أى يتغشى قلبي ما يلبسه ، و قد بلغنا عن الاصمعى أنّه سئل عن هذا ، فقال للسائل : عن قلب من تروى هذا ؟ فقال : عن قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله ، فقال : لو كان غير قلب النبي صلّى اللّه عليه و آله ، لكنت افسره لك ، قال القاضي و للّه درّ الاصمعى في انتهاجه منهج الأدب و إجلاله القلب الذي جعله اللّه موقع وحيه و منزل تنزيله . ثمّ قال : لمّا كان قلب النبي صلّى اللّه عليه و آله أتمّ القلوب صفاء و أكثرها ضياء و أعرفها عرفانا و كان صلّى اللّه عليه و آله معنيا 1 مع ذلك بتأسيس الملّة و تشريع السّنة ميسرا غير معسر ، لم يكن له بدّ من النّزول إلى الرّخص و الالتفات إلى حظوظ النّفس مع ما كان ممتحنا به من أحكام البشرية ، فكان إذا تعاطى شيئا من ذلك أسرعت كدورة إلى القلب لكمال رقّته و فرط نورانيّته ، فانّ الشّي‏ء كلّما كان أرقّ و أصفى كان ورود ----------- ( 1 ) من عنى بالامر اهتم به ، منه [ 126 ] المكدّرات عليه أبين و أهدى ، فكان إذا أحسّ بشي‏ء من ذلك عدّه على النّفس دنبا فاستغفر منه انتهى ما حكى عنه ملخصا . و قال المحدّث العلامة المجلسي طاب ثراه في المجلد السّابع من البحار : اعلم أنّ الاماميّة رضي اللّه عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة عليهم السّلام من الذنوب صغيرها و كبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلا لا عمدا و لا نسيانا و لا لخطاء في التّأويل و لا للاسهاء من اللّه سبحانه ، و لم يخالف فيه الا الصدوق محمّد بن بابويه و شيخه ابن الوليد رحمة اللّه عليهما فانّهما جوزا الاسهاء من اللّه تعالى لمصلحة في غير ما يتعلق بالتّبليغ و بيان الأحكام ، لا السهو الذي يكون من الشّيطان ، و قد مرت الأخبار و الأدلة الدالة عليها في المجلد السّادس و الخامس و أكثر أبواب هذا المجلد مشحونة بما يدلّ عليها ، فامّا ما يوهم خلاف ذلك من الأخبار و الأدعية فمأولة بوجوه . الأوّل أنّ ترك المستحب و فعل المكروه قد يسمى ذنبا و عصيانا ، بل ارتكاب بعض المباحات أيضا بالنسبة إلى رفعة شأنهم و جلالتهم ربّما عبروا عنه بالذّنب ، لانحطاط ذلك عن ساير أحوالهم كما مرت الاشارة إليه فى كلام الاربلى ( ره ) الثّاني أنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التى أمروا بها من معاشرة الخلق و تكميلهم و هدايتهم و رجوعهم عنها إلى مقام القرب و الوصال و مناجاة ذي الجلال ، ربّما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى مقصرين ، فيتضرّعون لذلك و إن كان بأمره تعالى ، كما أنّ أحدا من ملوك الدّنيا إذا بعث واحدا من مقربى حضرته إلى خدمة من خدماته التى يحرم بها من مجلس الحضور و الوصال ، فهو بعد رجوعه يبكى و يتضرّع و ينسب نفسه إلى الجرم و التّقصير ، لحرمانه عن هذا المقام الخطير . الثالث أن كمالاتهم و فضائلهم و علومهم لما كانت من فضله تعالى ، و لو لا ذلك لأمكن أن يصدر منهم أنواع المعاصى ، فاذا نظروا إلى تلك الحال أقرّوا بفضل ربّهم و عجز نفسهم بهذه العبارات الموهمة لصدور السيئات ، فمفادها إنى أذنبت لو لا توفيقك ، و أخطأت لولا هدايتك . [ 127 ] الرّابع أنّهم لما كانوا فى مقام التّرقى فى الكمالات و الصّعود على مدارج الترقيات فى كلّ آن من الآنات فى معرفة الرّب تعالى و ما يتبعها من السعادات فاذا نظروا إلى معرفتهم السّابقة و عملهم معها ، اعترفوا بالتّقصير و تابوا منه ، و يمكن أن ينزل عليه قول النبى صلّى اللّه عليه و آله : و إنى لأستغفر اللّه فى كلّ يوم سبعين مرّة . الخامس أنّهم عليهم السلام لما كانوا فى غاية المعرفة لمعبودهم فكلما أتوابه من الأعمال بغاية جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن يليق بجناب ربهم ، عدوا طاعاتهم من المعاصى ، و استغفروا منها كما يستغفر المذنب العاصى . و من ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا يأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة و العارف المحب الكامل إذا نظر إلى غير محبوبه أو توجه إلى غير مطلوبه ، يرى نفسه من أعظم الخاطئين ، رزقنا اللّه الوصول إلى درجات المحبين . أقول : هذا ما ذكره علماؤنا البارعون في التفصّي عن الاشكال المذكور ، شكر اللّه سعيهم و أجزل مساعيهم رضوان اللّه عليهم ، إلاّ أنّ لي فى المقام وجها آخر و هو بحسب الظاهر قريب من بعض الوجوه السّابقة إلا أنّ نسبته إليها كنسبة الثّريا الى الثّرى كما هى غير خفيّة على صاحب الذوق السّليم و الطبع المستقيم و هو أنّك قد عرفت في التذييل الأوّل من تذييلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ، أنّ أوّل ما خلق اللّه سبحانه أنوار النبىّ و آله عليهم السّلام ، كما عرفت أنّه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن يخلق العالم بالوف من السّنين ، و مرّ هناك فى حديث أبى الحسن البكري أنّه سبحانه خلقها قبل إيجاد العالم بأربعة و عشرين و أربعمأة ألف عام إذا تذكرت ذلك فنقول : إنّهم قد كانوا حينئذ أنوارا بسيطة و جواهر مجرّدة عن التّعلق بالأجسام و الجسمانيّات ، خالصة عن الكدورات ، فارغة عن القيودات و العلاقات ، مستغرقة فى تلك المدّة المتطاولة فى شهود جمال الحقّ سبحانه و تعالى مشتغلة فى جميع هذه المدّة بالتّسبيح و التّقديس و التنزيه ، تارة فى حجاب القدرة [ 128 ] و اخرى فى حجاب العظمة ، و ثالثة فى حجاب العزّة ، و رابعة فى حجاب الهيبة إلى غير هذه من حجب النّور المذكورة فى الحديث المذكور ، ثمّ اقتضت الحكمة الرّبانيّة إهباطهم من عالم التجرّد إلى عالم التقيّد و التعلّق ، فتصوّروا بالصّور الانسانيّة هداية للخلق و إرشادا للامّة ، و حصلت لهم فى هذا العالم من القيودات و العلاقات ما هو مقتضى البشريّة و الجسمانيّة ، و لمّا لم يتمكّنوا فى هذا العالم من الاستغراق التام و الفراغ الكامل ، مثل تمكنهم فى ذلك العالم ، لوجود التّعلّقات المانعة هنا و عدمها هناك ، استغفروا اللّه سبحانه لذلك ، و اعترفوا بالتقصير اعتراف المذنب المقصر ، هذا ما خطر بالخاطر القاصر ، و اللّه الهادي إلى المنهج القويم ، و الصّراط المستقيم الترجمة پس بعد از اينكه جناب آدم از شجره منهيه اكل نمود ، و بعمل خود نادم و پشيمان گشت و چهل شبانه روز و بروايتى يكصد سال و بروايت ديگر سيصد سال گريه و زاري كرد ، بسط فرمود خداوند سبحانه و تعالى بجهت او بساط كرامت و رحمت خودش را در توبه او ، باين نحو كه الهام توبه فرمود بر او و قبول كرد آنرا از او ، و تلقين نمود بر او كلمه رحمت خود را كه بنابر اشهر توسّل باسماء مباركه محمّد و آل محمّد سلام اللّه عليهم است كه در ساق عرش ديده بود و وعده فرمود بر او رجوع دادنش را ببهشت عنبر سرشت خود الفصل الرابع عشر فأهبطه إلى دار البليّة و تناسل الذّرّيّة ، و اصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم ، و على تبلغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم ، فجهلوا حقّه ، و اتّخذوا الأنداد معه ، و اجتالتهم [ 129 ] الشّياطين عن معرفته ، و اقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، و واتر إليهم أنبيائه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، و يذكّروهم منسيّ نعمته ، و يحتجّوا عليهم بالتّبلغ ، و يثيروا لهم دفاين العقول ، و يروهم آيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ، و معايش تحييهم ، و اجال تفنيهم ، و أوصاب تهرمهم ، و أحداث تتتابع عليهم . اللغة ( هبط ) الماء و غيره هبطا من باب ضرب نزل و في لغة قليلة يهبط هبوطا من باب قعد و هبطته أنزلته يتعدي و لا يتعدي و ( البليّة ) كالبلاء و البلوى اسم من الابتلاء بمعنى الامتحان و ( التّناسل ) التّوالد و ( الذّريّة ) و النّسل و الولد نظائر و تكون الذّرية واحدا و جمعا و فيها ثلاث لغات أفصحها ضمّ الذّال و بها قرء السّبعة في الآيات القرآنية ، و الثّانية كسرها ، و يروى عن زيد بن ثابت ، و الثّالثة فتح الذّال مع تخفيف الرّاء وزان كريمة و بها قرء أبان بن عثمان و تجمع على ذرّيات و الذّراري و في أصلها أربعة مذاهب : من الذّرء بالهمز من ذرء اللّه الخلق ، و من الذّر و الذّرو و الذّري ، فعلى الأوّل وزنها فعيلة ابدلت الهمزة ياء كبريّة ، و على الثّاني وزنها فعلية كقمريّة أو فعّيلة نحو ذرّيرة ، فلمّا كثرت الرّاآت ابدلت الأخيرة ياء و ادغم الياء الاولى فيها ، نحو سريّة فيمن أخذها من السرّ ، و هو النّكاح ، أو فعّولة نحو ذرورة فابدلوا الرّاء الأخيرة لما ذكرناه فصار ذروية ثمّ ادغمت الواو في الياء فصار ذريّة ، و على الثالث فوزنها فعولة ، و على الرّابع فعيلة و ( الأنداد ) جمع النّد و هو المثل و ( اجتالتهم ) من الجولان أى ادارتهم و ( الشّياطين ) جمع الشّيطان من الشّطن و هو البعد ، قال الزمخشري في محكى كلامه : قد جعل سيبويه نون الشّيطان في موضع من كتابه أصليّة و في آخر زائدة ، و الدّليل على أصالتها قولهم : تشيطن ، و اشتقاقه من شطن اذا بعد لبعده عن الصّلاح و الخير ، و من شاط إذا بطل [ 130 ] إذا جعلت نونه زائدة و ( واتر ) من المواترة و هي المتابعة ، قيل : و لا يكون المواترة بين الأشياء إلاّ إذا وقعت بينها فترة ، و إلاّ فهي مداركة و مواصلة و ( أثار ) الغبار يثيره هيجه و أثاروا الأرض في الاية الشريفة أى قلّبوها للزّراعة و ( المقدرة ) بفتح الميم و حركات الدّال كالقدرة مصدر من قدر عليه إذا قوى و ( المهاد ) الفراش و البساط و ( الأوصاب ) جمع الوصب و هو المرض و الوجع و ( أهرمه ) إذا أضعفه من هرم هرما من باب تعب كبر و ضعف و رجل هرم ككتف و امراة هرمة و ( الاحداث ) جمع الحدث بفتحتين و هو الامور الحادثة ، و خصّت في العرف بالنّوايب المتجددة و المصايب الحادثة الاعراب و تناسل الذّريّة بالجرّ عطف على البليّة ، و جملة أخذ على الوحى اه في محلّ النّصب على الحاليّة من فاعل أخذ أو مفعوله ، و لما في قوله عليه السّلام : لمّا بدّل ، ظرفيّة بمعنى حين أو بمعنى إذ و تختصّ بالماضي و بالاضافة إلى الجملة فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود اوليهما و تقدير الكلام : لمّا بدل أكثر خلقه عهد اللّه اصطفى من ولده أنبياء ، و العامل فيها الجواب المقدّم ، و آيات المقدرة بالاضافة و في بعض النّسخ الايات المقدرة بالتّوصيف ، و من سقف بيان للايات المعنى ثمّ انّ آدم لمّا أكل من الشّجرة أخرجه اللّه سبحانه من الجنّة ( فاهبطه ) أى أنزله ( إلى دار البليّة ) و المراد بالاهباط على تقدير كون آدم عليه السّلام في جنّة السّماء واضح ، و أمّا على تقدير كونه في جنّة الدّنيا كما هو الأظهر لما قد مرّ ، فالمراد بالاهباط هو الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى : إهبطوا مصرا ، و المراد بدار البليّة هو دار الدّنيا ، لأنّ اللّه سبحانه قد جعل فيه البلاء أدبا للظالم و امتحانا للمؤمن و درجة للأنبياء و كرامة للأولياء على ما ورد في الخبر ثمّ إنّ أوّل بقعة هبط إليها آدم هي الصّفا على ما مرّ فى الأخبار ، و في بعض الأخبار هي جبل سرانديب كما مرّ أيضا و هو جبل بأعلى الصّين في أرض الهند [ 131 ] يراه البحريّون من مسافة أيّام ، و فيه على ما نقل أثر قدم آدم مغموسة ، و نقل أنّ الياقوت الأحمر موجود في هذا الجبل تحدرها السيول و الأمطار من ذروته الى الحضيض و به يوجد الماس أيضا و يوجد العود . و قد كان هبوط آدم بعد غروب الشّمس على ما رواه عليّ بن ابراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : كان عمر آدم عليه السّلام من يوم خلقه اللّه إلى يوم قبضه تسعمأة و ثلاثين سنة ، و دفن بمكة و نفخ فيه يوم الجمعة بعد الزّوال ، ثم برء زوجه من أسفل أضلاعه 1 و أسكنه جنّته من يومه ذلك ، فما استقرّ فيها إلاّ ست ساعات من يومه ذلك حتى عصى اللّه و أخرجهما من الجنّة بعد غروب الشّمس و مابات فيها . و في الفقيه عن الحسين بن العلاء عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : إنّه لمّا اهبط آدم من الجنّة ظهرت به شامة سوداء 2 من قرنه إلى قدمه فطال حزنه و بكاؤه لما ظهر به فأتاه جبرئيل فقال : له ما يبكيك يا آدم ؟ فقال : لهذه الشّامة التى ظهرت بي قال : قم يا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الاولى ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى عنقه ، فجائه في الصّلاة الثّانية فقال : يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّانية ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى سرّته ، فجائه في الصّلاة الثّالثة فقال : يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّالثة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى ركبتيه ، فجائه في الصّلاة الرّابعة فقال : يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الرّابعة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى قدميه ، فجائه في الصّلاة الخامسة فقال : يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الخامسة ، فقام فصلّى فخرج منها ، فحمد اللّه و أثنى عليه فقال جبرئيل : يا آدم مثل ولدك في هذه الصّلاة كمثلك في هذه الشّامة ، من صلّى من ولدك في كلّ يوم و ليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشّامة . و في الوسائل في باب تحريم العصير العنبي باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : ----------- ( 1 ) قال فى الفقيه و الخبر الذى روى ان حواء خلقت من ضلع آدم الايسر صحيح و معناه من الطينة التى فضلت من ضلعه الايسر و لذلك صارت اضلاع الرجل انقص من اضلاع النساء بضلع انتهى كلامه رحمه اللّه . ----------- ( 2 ) خال سياه . [ 132 ] إنّ اللّه لما أهبط آدم أمره بالحرث و الزّرع و طرح غرسا عليه من غرس الجنّة فأعطاه النّخل و العنب و الزّيتون و الرّمان فغرسها لعقبه و ذرّيته ، فأكل هو من ثمارها فقال إبليس : ائذن لي ان آكل منه شيئا فأبى أن يطعمه فجاء عند آخر عمر آدم ، فقال لحوّاء : قد أجهدني الجوع و العطش اريدان تذيقني من هذه الثّمار ، فقالت له : إنّ آدم عهد إلىّ أن لا أطعمك شيئا من هذا الغرس و أنّه من الجنّة و لا ينبغي لك أن تأكل منه ، فقال لها : فاعصري منه في كفي شيئا ، فأبت عليه ، فقال : ذريني أمصّه و لا آكله ، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصّه و لم يأكل منه لما كانت حوّاء قد اكدت عليه ، فلمّا ذهب يعض عليه اجتذبته حوّاء من فيه ، فأوحى اللّه إلى آدم إنّ العنب قد مصّه عدوّي و عدوّك إبليس و قد حرّمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس ابليس فحرمت الخمر ، لأنّ عدوّ اللّه إبليس مكر بحواء حتّى أمصّته العنبة ، و لو أكلها لحرّمت الكرمة من أوّلها إلى آخرها و جميع ثمارها و ما يخرج منه ، ثم إنّه قال لحوّاء : لو أمصصتني شيئا من التمر كما أمصصتني من العنب ، فأعطته تمرة فمصّها إلى أن قال 1 ثم إن ابليس ذهب بعد وفاة آدم فبال في أصل الكرمة و النّخلة ، فجرى الماء في عودهما ببول عدوّ اللّه ، فمن ثم يختمر العنب و الكرم ، فحرّم اللّه على ذرّية آدم كل مسكر ، لأنّ الماء جرى ببول عدوّ اللّه في النّخلة و العنب و صار كلّ مختمر خمرا لأنّ الماء اختمرت في النّخلة و الكرمة من رائحة بول عدوّ اللّه هذا . و قد استطرفت هذه الأخبار لكونها غير خالية عن المناسبة للمقام مع ما فيها من الاشارة إلى بعض ما ابتلى به آدم عليه السّلام بعد إهباطه إلى دار البلية . و من أعظم ما ابتلي به قتل هابيل و لقد رثى له بما رواه في العيون باسناده عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام في حديث الشّامي مع أمير المؤمنين عليه السّلام و سأله عن أوّل من قال الشّعر : فقال عليه السّلام : آدم عليه السّلام ، فقال : و ما كان شعره ؟ قال عليه السّلام : ----------- ( 1 ) و كانت العنب و التمر اشد رائحة من المسك الا ذفر و أحلى من العسل فلما مصهما ابليس لعنه اللّه ذهبت رائحتهما و انتقصت حلاوتهما هكذا فى نسخة الوافى ، منه [ 133 ] لمّا انزل من السّماء إلى الأرض فرأى تربتها و سعتها و هواها ، و قتل قابيل هابيل قال آدم عليه السّلام : تغيّرت البلاد و من عليها فوجه الارض مغبّر قبيح تغيّر كل ذي لون و طعم . و قلّ بشاشة الوجه المليح و ما لي لا اجود بسكب دمع . و هابيل تضمّنه الضّريح ارى طول الحياة علىّ غما . و هل انا من حياتي مستريح قتل قابيل هابيل أخاه . فوا حزنا لقد فقد المليح فأجابه ابليس لعنه اللّه تنحّ عن البلاد و ساكنيها فبي في الخلد ضاق بك الفسيح و كنت بها و زوجك في قرار و قلبك من أذى الدّنيا مريح فلم تنفكّ من كيدي و مكري الى ان فاتك الثّمن الربيح و بدّل أهلها أثلا و خمطا بجنّات و أبواب متيح 1 فلو لا رحمة الجبار أضحى بكفّك من جنان الخلد ريح هذا و قوله عليه السّلام ( و تناسل الذرّية ) أى أهبطه إلى دار توالد الاولاد من البنات و البنين . و قد اختلف في ابتداء التّناسل فذهب المجوس المجوّزون لنكاح المحارم إلى أنّ آدم زوّج البنات للبنين فحصل التّناسل و كثر الخلق . و في الآثار أنّهم كان لهم ملك فسكر ليلة فوقع على اخته و امّه فلما أفاق ندم و شقّ ذلك عليه و أراد رفع التّعيير عنه ، فقال للنّاس : هذا حلال ، فامتنعوا عليه فجعل يقتلهم و حفر لهم الاخدود . و في خبر آخر عن امير المؤمنين عليه السّلام يأتي في شرح الخطبة الثّانية و التّسعين أنه احتجّ لهم على جوازه بتزويج أولاد آدم و أنّهم قد كانوا ينكحون أخواتهم فقبله جماعة و بقوا عليه إلى الآن . ----------- ( 1 ) اى مرتفع منه [ 134 ] و وافقهم على ذلك الاعتقاد الفاسد جمهور المخالفين ، فانّهم قالوا : إنّ حواء امرأة آدم كانت تلد في كلّ بطن غلاما و جارية ، فولدت أوّل بطن قابيل و توأمته اقليميا ، و البطن الثّاني هابيل و توأمته ليوذا ، فلما أدركوا جميعا أمر اللّه تعالى أن ينكح قابيل اخت هابيل و هابيل اخت قابيل ، فرضي هابيل و أبى قابيل ، لأنّ اخته كانت حسناء ، و قال : ما أمر اللّه سبحانه بهذا و لكن هذا من رأيك فأمرهما آدم أن يقربا قربانا فرضيا بذلك ، فانطلق هابيل إلى أفضل كبش من غنمه و قربه التماسا لوجه اللّه تعالى و مرضاة أبيه ، و أمّا قابيل فانّه قرّب الزّوان الذي يبقى في البيدر الذي لا يستطيع أن يدسه ، فقرّب ضغثا منه لا يريد به وجه اللّه و لا مرضاة أبيه ، فقبل اللّه قربان هابيل و أتت نار بيضاء من السّماء فأخذته ، ورد على قابيل قربانه ، فقال ابليس لعنه اللّه لقابيل : إنّه يكون لهابيل عقب يفتخرون على عقبك ، بأن قبل قربان أبيهم فاقتله حتّى لا يكون له عقب ، فقتله ، و هذا مقالة المخالفين الموافقة لمذهب المجوس لعنهم اللّه . و أمّا الحقّ الحقيق الذي ينبغي أن يدان به فهو ما ذهب إليه أصحابنا أخذا عن الأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة و الطهارة سلام اللّه عليهم . منها ما رواه الصّدوق في الفقيه عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام إنّ آدم ولد له شيث و أنّ اسمه هبة اللّه ، و هو أوّل وصي اللّه من الادميين في الأرض ، ثم ولد له بعد شيث يافث ، فلمّا أدركا أراد اللّه أن يبدء بالنّسل ما ترون و أن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها نزلة ، فأمر اللّه عزّ و جلّ أن يزوجها من شيث ، فزوجها منه ، ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّة اسمها منزلة فأمر اللّه عزّ و جلّ أن يزوجها من يافث ، فزوّجها منه ، فولد لشيث غلام ، و ولد ليافث جارية ، فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم عليه السّلام حين أدركا أن يزوّج ابنة يافث من ابن شيث ، ففعل ، فولد الصّفوة من النّبيين و المرسلين من نسلهما ، و معاذ اللّه أن يكون ذلك على [ 135 ] ما قالوا من أمر الاخوة و الأخوات . و منها ما فيه عن القاسم بن عروة عن بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى انزل على آدم حوراء من الجنّة فزوّجها أحد ابنيه و زوّج الأخر ابنة الجان ، فما كان في النّاس من جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء ، و ما كان فيهم من سوء الخلق فهو من ابنة الجانّ و منها ما رواه أبوبكر الحضرمي عن أبيجعفر عليه السّلام قال : قال : لى ما يقول الناس في تزويج آدم ولده ؟ قال : قلت يقولون : إنّ حوّاء كانت تلد لآدم في كلّ بطن غلاما و جارية ، فتزوّج الغلام الجارية التي من البطن الآخر الثّاني و تزوّج الجارية الغلام الذي من البطن الاخر الثّاني حتى توالدوا ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : و ليس هذا كذاك ، أيحجّكم المجوس ، و لكنّه لمّا ولد آدم هبة اللّه و كبر سأل اللّه أن يزوّجه ، فأنزل اللّه حوراء من الجنّة فزوّجها إيّاه فولدت له أربعة بنين ، ثم ولد آدم ابنا آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد أربع بنات فتزوّج بنو هذا بنات هذا ، فما كان من جمال فمن قبل الحور ، و ما كان من حلم فمن قبل آدم ، و ما كان من حقد فمن قبل الجان ، فلما توالدوا صعد الحوراء إلى السّماء . و منها ما رواه الصّدوق أيضا باسناده عن مسمع عن زرارة قال : سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن بدء النّسل من آدم كيف كان هو ؟ و عن بدء النّسل من ذرّية آدم فانّ أناسا عندنا يقولون : إنّ اللّه تبارك و تعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج بناته بنيه و انّ هذا كلّه أصله من الاخوة و الأخوات ، فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام : تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، يقول من قال هذا : بأنّ اللّه عزّ و جلّ خلق صفوة خلقه و أحبّائه و أنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام ، و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال ، و قد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب ، فو اللّه لقد نبئت ( بينت خ ) أن بعض البهائم تنكرت له اخته ، فلما نزا عليها و نزل كشف له عنها ، فعلم أنّها اخته أخرج عزموله ثمّ قبض عليه بأسنانه حتّى قطعه فخر ميّتا ، و آخر تنكرت له امّه ففعل هذا بعينه ، فكيف الانسان في فضله و علمه ، غير أنّ جيلا من [ 136 ] هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم و أخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما ترون من الضّلال و الجهل إلى أن قال عليه السّلام : و حقّا أقول : ما أراد من يقول هذا و شبهه إلاّ تقوية حجج المجوس ، فما لهم قاتلهم اللّه . ثمّ أنشأ عليه السّلام يحدّثنا كيف بدء النسل من آدم و كيف كان بدء النّسل من ذريته ، فقال : إنّ آدم صلوات اللّه عليه ولد له سبعون بطنا في كلّ بطن غلام و جارية إلى أن قتل هابيل ، فلما قتل هابيل جزع آدم جزعا شديدا قطعه عن إتيان النّساء فبقى لا يستطيع أن يغشي حوّاء خمسمأة عام ، ثم تجلى ما به من الجزع عليه فغشى حوّاء ، فوهب اللّه شيثا وحده ليس معه ثان ، و اسم شيث هبة اللّه ، و هو أوّل ما أوصى إليه من الآدميّين في الأرض ، ثمّ ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان ، فلمّا أدركا و أراد اللّه أن يبلغ النّسل ما ترون و أن يكون ما جرى به القلم من تحريم ما حرم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل اللّه بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها نزلة فأمر اللّه أن يزوّجها من شيث إلى آخر ما مرّ في الحديث الأوّل . و يمكن الجمع بين هذه الأخبار المختلفة ظاهرا بأن يكون ليافث زوجتان : إحديهما حوراء ، و الاخرى جنيّة ، أو يكون الولد المتزوّج بالجنّية غير شيث و يافث هذا . و لم يستفد من الرّوايات أحوال بنات آدم فلا بدّ إمّا من بقائهن بلا زوج ، و إمّا من جواز تزويج العمات دون الأخوات ، و هو بعيد أيضا و اللّه العالم ( و ) كيف كان فانّ اللّه سبحانه لمّا أهبط آدم إلى دار الدّنيا و بدء بالنّسل و الأولاد ( اصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم و على تبليغ الرّسالة أمانتهم ) أى أخذ منهم العهد و الميثاق على أداء الوحى اليهم من الاصول و الفروع ، و أخذ الأمانة منهم على تبليغ الرّسالة و نشر الشّرايع و الأحكام و ابلاغها إلى امتهم كما قال سبحانه : « و إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُمْ و مِنْكَ و مِنْ نُوحٍ و إِبْراهيم [ 137 ] وَ مُوسى و عيسَى بْنِ مَرْيَمَ الآية » . و توضيح هذا الأخذ ما رواه في الكافي كالبحار من تفسير العياشي باسنادهما عن أبي حمزة الثّمالي عن أبي جعفر عليه السّلام قال لمّا أكل آدم من الشّجرة اهبط إلى الأرض فولد له هابيل و اخته توام ، ثمّ إنّ آدم أمر هابيل و قابيل أن يقرّبا قربانا ، و كان هابيل صاحب غنم و كان قابيل صاحب زرع ، فقرّب هابيل كبشا من أفاضل غنمه ، و قرّب قابيل من زرعه ما لم ينق ، فتقبل قربان هابيل و لم يتقبل قربان قابيل و هو قول اللّه عزّ و جلّ : « وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ الآية » . و كان القربان تأكله النّار ، فعمد قابيل إلى النّار فبنى لها بيتا و هو أوّل من بنى بيوت النّار ، فقال : لأعبدنّ هذه النّار حتّى يتقبل منّي قرباني ، ثمّ إنّ ابليس لعنه اللّه أتاه و هو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق ، فقال له : يا قابيل قد تقبل قربان هابيل و لم يتقبل قربانك ، و إنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك و يقولون نحن ابناء الذي تقبل قربانه ، و أنتم أبناء الذي ترك قربانه ، فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك ، فقتله ، فلما رجع قابيل إلى آدم عليه السّلام قال له : يا قابيل أين هابيل ؟ قال : اطلب ( اطلبوه خ‏ل ) حيث قرّبنا القربان ، فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولا ، فقال آدم : لعنت من أرض 1 كما قبلت دم هابيل و بكى آدم صلى اللّه عليه على هابيل أربعين ليلة ، ثمّ إنّ آدم سأل ربّه ولدا فولد له غلام فسمّاه هبة اللّه لأنّ اللّه عزّ و جلّ وهبه له ، و اخته 2 توأم فلما انقضت نبوة آدم و استكمل أيّامه أوحى اللّه عزّ و جلّ ----------- ( 1 ) اقول و من ذلك ان الارض لا تقبل الدم منذ الى الان منه ----------- ( 2 ) قوله و اخته توام لا يخفى ان هذا مناف لما مر فى رواية الصدوق عن ابى عبد اللّه عليه السّلام من قوله فوهب اللّه له شيئا وحده ليس له ثان فلابد من التامل فى وجه الجمع منه [ 138 ] إليه يا آدم قد قضيت نبوتك و استكملت أيّامك فاجعل العلم الذي عندك و الايمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة في العقب من ذرّيتك عند هبة اللّه ابنك ، فاني لم أقطع العلم و الايمان و الاسم الأكبر و آثار علم النّبوة من العقب من ذرّيتك إلى يوم القيامة و لن أدع الأرض إلاّ و فيها عالم يعرف به ديني و يعرف به طاعتي ، و يكون نجاة لما يولد فيما بينك و بين نوح . و بشر آدم بنوح ، و قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى باعث نبيّا اسمه نوح و أنّه يدعو إلى اللّه عزّ ذكره ، و يكذبه قومه ، فيهلكهم اللّه بالطوفان ، و كان بين آدم و بين نوح عشرة آباء أنبياء و أوصياء كلهم ، و أوصى آدم إلى هبة اللّه أن من أدركه منكم فليؤمن به و ليتبعه و ليصدق به فانّه ينجو من الغرق . ثمّ إنّ آدم مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة اللّه ، و قال له إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السّلام و قل له : يا جبرئيل إنّ أبي يستهديك من ثمار الجنّة ، فقال له جبرئيل : يا هبة اللّه إن أباك قد قبض و إنا نزلنا للصلاة عليه « و ما نزلنا الا للصّلاة عليه خ » ، فارجع ، فرجع فوجد آدم قد قبض فأراه جبرئيل كيف يغسله حتّى إذا بلغ للصّلاة قال هبة اللّه : يا جبرئيل تقدّم فصلّ على آدم ، فقال له جبرئيل : إن اللّه عزّ و جلّ أمرنا أن نسجد لابيك آدم و هو في الجنّة فليس لنا أن نؤمّ شيئا من ولده فتقدم هبة اللّه و صلى على أبيه و جبرئيل خلفه و جنود الملائكة ، و كبر عليه ثلاثين تكبيرة ، فأمره جبرئيل فرفع من ذلك خمسا و عشرين تكبيرة و السنة اليوم فينا خمس تكبيرات ، و قد كان يكبر على أهل بدر تسعا و سبعا . ثمّ إن هبة اللّه لمّا دفن آدم أتاه قابيل فقال : يا هبة اللّه إنّي قد رأيت أبي آدم قد خصّك من العلم بما لم اخصّ به أنا ، و هو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل به قربانه ، و إنّما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون نحن أبناء الذي تقبّل منه قربانه و أنتم ابناء الذي ترك قربانه ، و إنّك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل . [ 139 ] فلبث هبة اللّه و العقب من بعده مستخفين بما عندهم من العلم و الايمان و الاسم الاكبر و ميراث النّبوة و آثار علم النّبوة حتّى بعث اللّه نوحا ، و ظهرت وصية هبة اللّه حين نظروا في وصيّة آدم ، فوجدوا نوحا نبيّا قد بشّر به أبوهم آدم ، فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه ، و قد كان آدم أوصى إلى هبة اللّه أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم فيتعاهدون بعث نوح و زمانه الذي يخرج فيه ، و كذلك في وصية كلّ نبيّ حتّى بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ : « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِه‏ الآية » و كان من بين آدم و نوح من الأنبياء مستخفين ، و لذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسمّوا كما سمّي من استعلن من الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ : « و رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ و رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ » يعنى لم اسم المستخفين كما سمّيت المستعلنين من الأنبياء عليهم السّلام ، فمكث نوح صلّى اللّه عليه في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما لم يشاركه في نبوّته أحد ، و لكنه قدم على قوم مكذّبين للأنبياء عليهم السّلام الذين كانوا بينه و بين آدم صلى اللّه عليه و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : « كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلينَ » يعنى من كان بينه و بين آدم إلى أن انتهى إلى قوله عزّ و جل : « و إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ الرَّحيمُ » ثمّ إنّ نوحا لما انقضت نبوّته و استكمل أيّامه ، أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أن يا نوح قد قضيت نبوّتك و استكملت أيّامك فاجعل العلم الذي عندك و الايمان و الاسم الاكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوّة في العقب من ذريتك ، فانّي لن أقطعها كما [ 140 ] لم أقطعها من بيوتات الأنبياء صلوات اللّه عليهم التي بينك و بين آدم عليه السّلام و لن أدع الأرض إلاّ و فيها عالم يعرف به ديني و يعرف به طاعتي و يكون نجاة لمن يولد فيها بين قبض النّبيّ إلى خروج النبيّ الآخر . و بشّر نوح ساما بهود ، فكان فيما بين نوح و هود من الأنبياء عليهم السّلام و قال نوح : إنّ اللّه باعث نبيا يقال له : هود و انّه يدعو قومه الى اللّه عزّ و جل فيكذّبونه و اللّه عزّ و جلّ مهلكهم بالرّيح ، فمن أدركه منكم فليؤمن به و ليتبعه فان اللّه عزّ و جلّ ينجيه من عذاب الرّيح . و أمر نوح عليه السّلام ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة ، فيكون يومئذ عيدا لهم فيتعاهدون و فيه ما عندهم من العلم و الايمان و الاسم الأكبر و مواريث العلم و آثار علم النّبوة ، فوجدوا هودا نبيا و قد بشّر به أبوهم نوح عليه السّلام فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه فنجوا من عذاب الرّيح ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ . « وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً » و قوله عزّ و جلّ : « كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ » و قال تبارك و تعالى : « وَ وَصّى‏ بِها إِبْراهيمُ بَنيهِ و يَعْقُوبُ » و قوله : « و وَهَبْنا لَهُ إِسْحقَ و يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ هَدَيْنا » لنجعلها في أهل بيته « و نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ » لنجعلها في أهل بيته . و أمر العقب من ذرّيته الأنبياء عليهم السّلام من كان قبل ابراهيم لابراهيم عليه السّلام ، فكان بين إبراهيم و هود من الأنبياء صلوات اللّه عليهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ . « و ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعيدٍ » و قوله عز ذكره : « فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ و قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي » و قوله عزّ و جلّ : « و إِبْراهيمُ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ » [ 141 ] فجرى بين كلّ نبيّين عشرة أنبياء و تسعة و ثمانية أنبياء كلهم أنبياء ، و جرى لكل نبيّ كما جرى لنوح عليه السّلام ، و كما جرى لآدم و هود و صالح و شعيب و ابراهيم صلوات اللّه عليهم . حتّى انتهت إلى يوسف بن يعقوب عليه السّلام ، ثم صارت من بعد يوسف في أسباط اخوته . حتّى انتهت إلى موسى عليه السّلام فكان بين يوسف و بين موسى من الأنبياء ، فأرسل اللّه موسى و هارون الى فرعون و هامان و قارون ، ثم ارسل الرّسل : « تَتْرى‏ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْناهُمْ أَحاديثَ » و كانت بنو إسرائيل يقتل نبيّ . . . اثنان قائمان و يقتلون اثنين و أربعة قيام ، حتّى أنّه كان ربّما قتلوا في اليوم الواحد سبعين نبيّا ، و يقوم سوق قتلهم آخر النهار ، فلمّا نزلت التّوراة على موسى عليه السّلام ، بشّر بمحمد صلّى اللّه عليه و آله ، و كان بين يوسف و موسى من الأنبياء ، و كان وصيّ موسى يوشع بن نون عليهما السّلام ، و هو فتاه الذي ذكره اللّه في كتابه . فلم تزل الأنبياء تبشّر بمحمد صلّى اللّه عليه و آله ، حتّى بعث اللّه تبارك و تعالى المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد صلّى اللّه عليه و آله ، و ذلك قوله تعالى « يجدونه » يعني اليهود و النّصارى « مكتوبا » يعني صفة محمّد صلّى اللّه عليه و آله « عندهم » يعني في التّوراة و الإنجيل « يأمرهم بالمعروف و ينهيهم عن المنكر » و هو قول اللّه عزّ و جلّ يخبر عن عيسى عليه السّلام : « وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَدُ » و بشّر موسى و عيسى بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله ، كما بشّر الأنبياء بعضهم ببعض ، حتّى بلغت محمّدا . [ 142 ] فلما قضى محمّد صلّى اللّه عليه و آله نبوّته و استكمل أيامه أوحى اللّه تبارك و تعالى إليه أن يا محمّد قد قضيت نبوتك و استكملت أيّامك ، فاجعل العلم الذي عندك و الايمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوة في أهل بيتك ، عند عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فانّي لم أقطع العلم و الايمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النّبوة من العقب من ذريّتك ، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك و بين أبيك آدم ، و ذلك قول اللّه تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ و نُوحاً و آلَ إِبْراهيمَ و آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ ) و انّ اللّه تبارك و تعالى لم يجعل العلم جهلا ، و لم يكل أمره إلى أحد من خلقه ، لا إلى ملك مقرّب و لا إلى نبيّ مرسل ، و لكنّه أرسل رسولا من ملائكته ، فقال له : قل كذا و كذا ، فأمرهم بما يحبّ و نهيهم عمّا يكره ، فقص عليهم امر خلقه بعلم ، فعلم ذلك العلم و علم أنبيائه و أصفيائه من الأنبياء و الأخوان و الذّرية التي بعضها من بعض ، فذلك قوله عزّ و جل : ( وَ لَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظيماً ) فأمّا الكتاب فهو النّبوة ، و أمّا الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة و أمّا الملك العظيم فهم الأئمة من الصّفوة ، و كلّ هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض ، و العلماء الذين جعل فيهم البقية و فيهم الباقية و حفظ الميثاق حتّى تنقضي الدّنيا ، و العلماء و لولاة الامر استنباط العلم و للهداة فهذا شأن الفضل من الصفوة و الرسل و الأنبياء و الحكماء و ائمة الهدى و الخلفاء الذين هم ولاة أمر اللّه عز و جل ، و استنباط علم اللّه و أهل آثار علم اللّه من الذّريّة التي بعضها من بعض من الصّفوة بعد الأنبياء عليهم السّلام من الآباء و الاخوان و الذّريّة من الأنبياء . [ 143 ] فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم و نجا بنصرتهم ، و من وضع ولاة أمر اللّه تبارك و تعالى في غير الصّفوة من بيوتات الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، فقد خالف أمر اللّه جلّ و عزّ و جعل الجهّال ولاة أمر اللّه و المتكلّفين بغير هدى من اللّه عزّ و جلّ ، و زعموا أنّهم أهل استنباط علم اللّه ، فقد كذّبوا على اللّه تبارك و تعالى و رسوله ، و رغبوا عن وصيّته و طاعته ، و لم يضعوا فضل اللّه حيث وضعه اللّه تبارك و تعالى ، فضلّوا و أضلّوا أتباعهم و لم يكن لهم حجّة يوم القيامة إنّما الحجّة في آل إبراهيم عليه السّلام ، لقول اللّه عزّ ذكره : ( وَ لَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهيمَ الْكِتابَ و الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ و آتَيْناهُمْ مُلْكا عَظيماً ) فالحجّة الأنبياء صلوات اللّه عليهم و أهل بيوتات الأنبياء عليهم السّلام حتّى يقوم السّاعة ، لأنّ كتاب اللّه ينطق بذلك وصيّة اللّه بعضها من بعض الذي وضعها على النّاس ، فقال جلّ و عزّ : ( في بُيُوتِ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) و هي بيوت الأنبياء و الرّسل و الحكماء و أئمة الهدى ، فهذا بيان عروة الايمان التي نجا بها من نجا قبلكم و بها ينجو من يتبع الأئمة ، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه : ( وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ و مِنْ ذُرِّيَّتِه‏ داوُدَ و سُلَيْمانَ و أَيُّوبَ و يُوسُفَ و مُوسى و هرُونَ و كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ ، و زَكَرِيّا و يَحْيى و عيسى و إِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحينَ ، و إِسْمعيلَ و الْيَسَعَ و يُونُسَ و لُوطاً و كُلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمينَ ، و مِنْ آبائِهِمْ و ذُرِّيّاتِهِمْ و إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ و هَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ ، أُولئِكَ الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ [ 144 ] وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلآءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرينَ ) فانّه و كل بالفضل من أهل بيته و الأخوان و الذّرية ، و هو قول اللّه تبارك و تعالى : إن يكفر به امّتك فقد وكلنا أهل بيتك بالايمان الذي أرسلتك به ، فلا يكفرون به أبدا و لا اضيع الايمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء امّتك و ولاة امرى بعدك و أهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب و لا إثم و لا زور و لا بطر و لا رياء ، فهذا بيان ما ينتهى إليه أمر هذه الامة إنّ اللّه عزّ و جلّ طهر أهل بيت نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سألهم أجر المودة و أجرى لهم الولاية و جعلهم أوصيائه و أحبائه ثانية بعده في امّته ، فاعتبروا أيّها النّاس فيما قلت : حيث وضع اللّه عزّ و جل ولايته و طاعته و مودته و استنباط علمه و حججه ، فايّاه فتقبلوا به ، و به فاستمسكوا تنجوا به ، و يكون لهم الحجّة يوم القيامة و طريق ربّكم جلّ و عز ، لا يصل ولاية إلى اللّه عزّ و جلّ إلا بهم ، فمن فعل ذلك كان حقا على اللّه أن يكرمه و لا يعذّبه ، و من يأت اللّه عزّ و جلّ بغير ما أمره كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن يذله و أن يعذّبه . أقول : لا يخفى على الفطن العارف ما في هذه الرّواية الشريفة من النّكات الرّايقة و الأسرار الفايقة و المطالب المهمة و المسائل المعظمة ، و بالغور فيها يمكن استخراج بعض ما تضمنته من كنوز الاسرار ، و بالتّوسل بها يمكن الوصول إلى رموز المعارف و حقائق الأنوار ، و إنّما ذلك في حقّ من امتحن قلبه بنور العرفان و الايمان ، و صفى ذهنه من كدورات الشبهات و ظلمات الأوهام ، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم و قوله عليه السّلام ( لما بدّل أكثر خلقه عهد اللّه اليهم ) يعني إذ بدّل أكثر الخلق عهد اللّه و ميثاقه الماخوذ عليهم في باب التوحيد و المعرفة و النّبوة و الولاية حسبما اشير إليه في الاية الشريفة و الأخبار المتواترة قال سبحانه : « وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيمَةِ إِنّا كُنّا عَنْ [ 145 ] هذا غافِلينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلوُنَ » . قال أكثر المفسّرين و أهل الأثر : إنّ اللّه أخرج ذريّة آدم من صلبه كهيئة الذّر 1 فعرضهم على آدم و قال : إنّي آخذ على ذريّتك ميثاقهم أن يعبدوني و لا يشركوا بي شيئا و علىّ أرزاقهم ، ثمّ قال : ألست بربّكم قالوا : بلى شهدنا أنّك ربّنا ، فقال للملائكة : اشهدوا ، فقالوا : شهدنا . و قيل : إنّ اللّه جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه و يفهمونه ، ثمّ ردّهم إلى صلب آدم و النّاس محبوسون بأجمعهم حتّى يخرج كلّ من أخرجه في ذلك الوقت و كلّ من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى ، و من كفر و جحد فقد تغيّر على الفطرة الأولى . و ردّ المحقّقون هذا التّفسير بوجوه 2 كثيرة تنيف على عشرة . و منهم المرتضى رضي اللّه عنه ، و قد شدد النكير على ذلك في كتاب الغرر و الدّرر ، قال بعد ذكر الآية : و قد ظن بعض من لا بصيرة له و لا فطنة عنده أنّ تأويل هذه الآية أن اللّه استخرج من ظهر آدم عليه السّلام جميع ذريته و هم في خلق الذّر ، فقرّرهم بمعرفته و أشهدهم على أنفسهم ، و هذا التّأويل مع أنّ العقل يبطله و يحيله ، ممّا يشهد ظاهر القرآن بخلافه ، لأنّ اللّه قال : « وَ إذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ » . و لم يقل من آدم ، و قال « مِنْ ظُهُورِهِمْ » و لم يقل من ظهره و قال : « ذُرِّيَّتَهُمْ » و لم يقل ذريّته ، ثمّ أخبر تعالى بأنّه فعل ذلك لئلاّ يقولوا يوم القيامة إنّهم كانوا ----------- ( 1 ) الذر صغار النمل ، مصباح . ----------- ( 2 ) بعضها راجع الى عدم مطابقة ذلك التفسير لظاهر الاية ، و بعضها راجع الى استحالة اصل القضية كما ستعرفه فى كلام المرتضى رضى اللّه عنه و قد ذكر الفخر الرازى فى التفسير الكبير اثنى عشر وجها على ما ببالى ، منه . [ 146 ] عن هذا غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم و أنّهم نشأوا على دينهم و سنّتهم و هذا يقتضي أنّ الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه و أنّها تناولت من كان له آباء مشركون ، و هذا يدلّ على اختصاصها ببعض ذريّة آدم ، فهذا شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم . فأمّا شهادة العقل فمن حيث لا تخلو هذه الذريّة التّي استخرجت من ظهر آدم فخوطبت و قرّرت من أن تكون كاملة العقل مستوفية الشروط أو لا تكون كذلك . فان كانت بالصّفة الاولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم و إنشائهم و إكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال و ما قرّروا به و استشهدوا عليه لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى و إن بعد العهد و طال الزّمان ، و لهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان و هو عاقل كامل ، فينسى مع بعد العهد جميع تصرّفه المتقدم و ساير أحواله ، و ليس أيضا لتخلّل الموت بين الحالين تأثير لأنّه لو كان تخلّل الموت يزيل الذكر لكان تخلّل النّوم و السّكر و الجنون و الاغماء بين أحوال العقلاء يزيل الذكر ، لما مضى من أحوالهم ، لأن ساير ما عددناه ممّا ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب ، و ليس لهم أن يقولوا إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسي ما كان عليه في حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه ، و ذلك انّا إنّما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم و هم كاملوا العقل ، و لو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه ، على أنّ تجويز النّسيان عليهم ينقض الغرض في الآية ، و ذلك إنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم و أشهدهم لئلاّ يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك ، و سقوط الحجّة عنهم فيه ، فاذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّة عنهم و زوالها . و إن كانوا على الصّفة الثّانية من فقد العلم « العقل خ » و شرايط التّكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم و صار ذلك عبثا قبيحا تعالى اللّه عنه . ثمّ قال : فان قيل : قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصّحيح عندكم ؟ [ 147 ] قلنا في الاية وجهان أحدهما أن يكون تعالى إنّما عنى بها جماعة من ذريّة بني آدم خلقهم و بلغهم و أكمل عقولهم و قرّرهم على ألسن رسله بمعرفته و ما يجب من طاعته ، فأقرّوا بذلك و أشهدهم على أنفسهم به لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم إلى أن قال : و الجواب الثّاني و هو أحسن أنّه تعالى لما خلقهم و ركبهم تركيبا يدلّ على معرفته و يشهد بقدرته و وجوب عبادته ، و أراهم العبر و الايات و الدلايل في غيرهم و في أنفسهم ، كان بمنزلة المستشهد لهم على أنفسهم و كانوا في مشاهدة ذلك و معرفته و ظهوره على الوجه الذي أراد اللّه تعالى و تعذّر امتناعهم منه و انفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف ، و إن لم يكن هناك شهادة و لا اعتراف على الحقيقة إلى آخر ما ذكره ، و قد وافقه على الجواب الأخير الزّمخشري في الكشّاف و غيره من المفسّرين . و اقول : أمّا ما ذكره السّيد ( ره ) من عدم انطباق ظاهر الاية بما حملوها عليه من وجود عالم أخذ الميثاق و إخراج ذريّة آدم من صلبه كالذر فمسلّم ، لكن يتوجّه عليه أنّ ما ذكره من الوجهين في تأويل الاية أيضا كذلك ، بل مخالفة الظاهر فيهما أزيد منها في الوجه الذي ذكروه مع عدم شاهد على واحد منهما في شي‏ء من الأخبار . و أمّا إنكار أصل هذه القضيّة و الحكم باستحالته بما ذكره من دليل العقل ، فلا وجه له و لا يعبأ بالدّليل المذكور قبال الأخبار المتواترة المفيدة لوجود ذلك العالم ، بل قد وقع في الأخبار الكثيرة تفسير الاية به أيضا ، و الاستقصاء فيها موجب للاطناب الممل إلاّ أنّا نذكر شطرا منها تبركا و توضيحا و استشهادا . منها ما رواه عليّ بن إبراهيم القمي في تفسيره عن ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله : و إذ أخذ ربّك ، إلى قوله : قالوا بلى ، قلت : معاينة كان هذا ؟ قال : نعم ، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه فلولا ذلك لم يدر أحد من خالقه و رازقه ، فمنهم من أقرّ بلسانه في الذّرّ و لم يؤمن بقلبه ، فقال اللّه : [ 148 ] « فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِه‏ مِنْ قَبْلُ » و منها ما رواه أيضا عنه عليه السّلام ، قال : كان الميثاق مأخوذا عليهم للّه بالرّبوبية و لرسوله بالنّبوة و لامير المؤمنين و الأئمة عليهم السّلام بالامامة ، فقال : ألست بربّكم ، و محمّد نبيّكم ، و عليّ امامكم ، و الائمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا : بلى . و منها ما في البحار عن أمالي الشّيخ عن المفيد باسناده عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : أنت الذي احتجّ اللّه بك في ابتدائه الخلق حيث أقامهم أشباحا ، فقال لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى ، قال : و محمّد رسول اللّه ؟ قالوا : بلى ، قال : و عليّ أمير المؤمنين ؟ فأبى الخلق جميعا استكبارا و عتوّا عن ولايتك إلاّ نفر قليل ، و هم أقلّ القليل و هم أصحاب اليمين . و منها ما فيه أيضا من بصائر الدّرجات باسناده عن عبد الرّحمان بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ : و إذ اخذ ربك من بني آدم الاية ، قال : أخرج اللّه من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة كالذّر فعرفهم نفسه ، و لولا ذلك لم يعرف أحد ربّه و قال : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى و أنّ محمّدا رسول اللّه و عليا أمير المؤمنين و منها ما فيه أيضا من كشف الغمة من كتاب الامامة عن الحسن بن الحسين الأنصاري عن يحيى بن العلا عن معروف بن خربوز المكي عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : لو يعلم النّاس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين لم ينكروا حقّه ، فقيل له : متى سمّي ؟ فقرء : و إذ أخذ ربّك إلى قوله ألست بربّكم قالوا : بلى قال : محمّد رسول اللّه و عليّ أمير المؤمنين . و منها ما فيه أيضا من تفسير فرات بن إبراهيم عن ابن القاسم معنعنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى : و إذ اخذ ربّك من بني آدم إلى آخر الآية ، قال : أخرج اللّه من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذّر و عرّفهم نفسه و أراهم نفسه ، و لولا ذلك لم يعرف أحد ربّه ، قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فانّ محمّدا [ 149 ] عبدي و رسولي و أنّ عليّا أمير المؤمنين خليفتي و أميني ، و قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله : كل مولود يولد على المعرفة بأنّ اللّه تعالى خالقه ، و ذلك قوله تعالى : « وَ لَئِنْ سَئَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » إلى غير هذه من الأخبار الكثيرة ، و قد عقد المجلسي طاب ثراه بابا فيها في مجلّد الامامة من البحار . و بالجملة فقد تلخص ممّا ذكرنا أنّ المراد من العهد المأخوذ عن الخلق الذي بدّلوه هو الميثاق المأخوذ عليهم للّه بالرّبوبية و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله بالنبوة و للائمة عليهم السّلام بالولاية ، و كذلك المراد بالحق في قوله عليه السّلام ( فجهلوا حقّه ) هو الحق اللازم على العباد من المعرفة و التّوحيد كما يشهد به رواية معاذ بن جبل التي مضت في ثاني التّذنيبات من رابع فصول الخطبة ، قال كنت رفقت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، فقال يا معاذ هل تدري ما حق اللّه على العباد ؟ يقولها ثلاثا ، قلت : اللّه و رسوله أعلم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حق اللّه عزّ و جل على العباد أن لا يشركوا به شيئا إلى آخر ما مرّ هناك ، و يحتمل أن يكون المراد به 1 الاعمّ ممّا ذكرنا و من الفروعات ، و يشعر به ثالث الجملات المعطوفة 2 من قوله : ( و اتخذوا الانداد ) أى الأمثال ( معه و اجتالتهم ) أى أدارتهم و صرفتهم ( الشّياطين عن معرفته ، و اقتطعتهم عن عبادته ) أى أقطعتهم كما في بعض النّسخ كذلك ، فهم قطاع طريق العباد عن عبادة اللّه سبحانه و تعالى ( ف ) لمّا كان الحال بهذا المنوال ( بعث فيهم ) أى أرسل إليهم ( رسله ، و واتر اليهم أنبيائه ) أى أرسلهم متواترا و بين كلّ نبيّين فترة ، قال سبحانه : « ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى‏ كُلَّما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً 3 و جَعَلْناهُمْ أَحاديثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ » ----------- ( 1 ) اى بالحق منه ----------- ( 2 ) و هو قوله و اقتطعتهم عن عبادته فافهم منه ----------- ( 3 ) اى فى الاهلاك اى اهلكنا بعضهم فى اثر بعض مجمع البيان . [ 150 ] قال الطبرسي في تفسير الاية أى متواترة تتبع بعضهم بعضا ، عن ابن عبّاس و مجاهد ، و قيل متقاربة الأوقات ، و أصله الاتّصال و منه الوتر لاتّصاله بمكانه من القوس و منه الوتر ، و هو الفرد عن الجمع المتّصل ، قال الأصمعي يقال : و اترت الخبر أتبعت بعضه بعضا و بين الخبرين هنيهة انتهى ، و قوله : ( ليستأدوهم ميثاق فطرته ) إلى قوله : و يروهم آيات المقدرة إشارة إلى الغاية من بعث الرّسل و الثمرة المترتبة على ذلك ، و هي على ما ذكره عليه السّلام خمس ، و المراد من ميثاق الفطرة هو ميثاق التّوحيد و النّبوة و الولاية . كما يشهد به ما رواه الصّدوق في التّوحيد باسناده عن عبد الرّحمان بن كثير مولى أبي جعفر عليه السّلام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ : « فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها » قال : التّوحيد و محمّد رسول اللّه و عليّ أمير المؤمنين . و عن ابن مسكان عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام أصلحك اللّه ، قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه : « فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها » قال : فطرهم على التّوحيد عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم ، قلت : و خاطبوه ؟ قال : فطأطأ رأسه ثم قال : لو لا ذلك لم يعلموا من ربّهم و لا من رازقهم . و عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ : فطرة اللّه التي فطر النّاس عليها ، ما تلك الفطرة ؟ قال : هي الاسلام ، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التّوحيد فقال : ألست بربّكم و فيهم المؤمن و الكافر ، و المراد بالنّعمة في قوله عليه السّلام : ( و يذكروهم منسيّ نعمته ) إمّا النّعمة التي من بها على العباد في عالم الذّرّ و الميثاق حسبما مرّ ، أو جميع النّعم المغفول عنها ، و الأوّل هو الظاهر نظرا إلى ظاهر لفظ النّسيان ( و يحتجّوا عليهم ) أى في يوم القيامة ( بالتّبليغ ) أى تبليغ الأحكام و نشر الشّرايع و الأديان : [ 151 ] « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ و يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلىَ اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، و كانَ اللَّهُ عَزيزاً حَكيماً » ( و يثيروا ) أى يهيجوا ( لهم دفائن العقول ) من شواهد التّوحيد و أدلة الرّبوبيّة كما قال سبحانه : « إنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتي تَجْري في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فيها مِنْ كُلِّ دآبَّةٍ وَ تَصْريفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ( و يروهم آيات المقدرة ) أى علامات القدرة و شواهدها حتّى ينظروا إليها بنظر الدّقة و الاعتبار و إلاّ فالامارات المذكورة ممّا هي بمرئى و مسمع من كلّ أحد لا حاجة فيها إلى الارائة كما هو ظاهر . ثمّ أشار عليه السّلام إلى ستّ آيات من تلك الآيات و بيّنها بقوله : ( من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ) كما قال سبحانه : « وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ » و قال : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً » إلى أن قال : « و بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً » و قد مضى في التّذييل الثّاني من تذييلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ما يوجب زيادة البصيرة في المقام فتذكر ( و معايش تحييهم ، و آجال تفنيهم ، و أوصاب تهرمهم ) نسبة الاحياء إلى المعايش أى المطعومات و المشروبات التي بها قوام الحياة ، و الافناء إلى الآجال ، و الاهرام إلى الأوصاب و الامراض من قبيل الاسناد إلى السبب مجازا على حدّ أنبت الرّبيع البقل ( و أحداث ) أى نوائب حادثة و مصائب [ 152 ] متجدّدة ( تتتابع عليهم ) و في كلّ واحدة من الآيات المذكورة دلالة على أنّ للعالم صانعا قادرا يفعل فيه ما يشاء و يحكم ما يريد ، لا رادّ لقضائه و لا دافع عن بلائه . الترجمة پس فرو فرستاد او را بسراى محنت و امتحان و بخانه تناسل نسل و زائيدن اولاد ، و برگزيد او سبحانه از اولاد او پيغمبران را در حالتى كه اخذ فرمود بر ابلاغ وحى عهد و پيمان ايشان را ، و بر رساندن رسالت أمانت آنها را در حينى كه تبديل كردند بيشتر خلايق پيمان خدا را كه بسوى ايشان است ، پس جاهل و نادان شدند حقّ او را و فرا گرفتند شريكان و أمثال مر او را ، و برگردانيدند ايشان را شياطين از شناخت او ، و بريدند ايشان را از پرستش او ، پس مبعوث و برانگيخته فرمود در ميان ايشان فرستادگان خود را ، و پى در پى فرستاد بسوى ايشان پيغمبران خود را ، تا طلب أدا كنند از ايشان عهد فطرت و پيمان خلقت خود را كه مخلوق شده بودند بر آن كه عبارتست از توحيد و معرفت ، و تا اينكه ياد آورى نمايند ايشان را نعمتهاى فراموش شده او را و اتمام حجت بكنند بر ايشان با تبليغ و رساندن أحكام ، و برانگيزانند از براى ايشان دفينه‏هاى عقلها و خزاين فهمها ، و بنمايند ايشان را علامات قدرت خداوندى را كه آن امارات قدرت عبارتست از آسمانى كه در بالاى ايشان برافراشته و فراشي است كه در زير آنها نگاهداشته ، و معيشتهائى است كه زنده ميدارد ايشان را ، و اجلهائى كه فانى ميسازد ايشان را ، و بيماريهائى كه پير فانى ميگرداند ايشان را ، و مصيبتهائيكه پى در پى مى‏آيد بر ايشان . [ 153 ] الفصل الخامس عشر و لم يخل اللّه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة ، رسل لا يقصّر بهم قلّة عددهم ، و لا كثرة المكذّبين لهم من سابق سمّي له من بعده ، أو غابر عرّفه من قبله . اللغة ( النّبيّ ) فعيل بمعنى الفاعل و هو مشتقّ من النّبأ و هو الخبر و نبأ و نبّأ و أنبأ كلّها بمعنى أخبر ، و النّبيّ مخبر عن اللّه تعالى ، و قلبوا فيه الهمزة كما في الذريّة حسبما مرّ في الفصل السّابق . و عن شارح المقاصد النّبوة هو كون الانسان مبعوثا من الحقّ إلى الخلق ، فان كان النّبيّ مأخوذا من النّباوة و هو الارتفاع لعلوّ شأنه و ارتفاع مكانه ، أو من النبيّ بمعنى الطريق لكونه وسيلة إلى الحقّ ، فالنبوّة على الأصل كالابوّة ، و إن كان من النّبأ بمعنى الخبر لانبائه عن اللّه تعالى فعلى قلب الهمزة واوا ثمّ الادغام كالمروّة . و قال في المحكيّ عنه : النّبيّ هو إنسان بعثه اللّه لتبليغ ما أوحى إليه ، و كذا الرّسول ، و قد يخصّ بمن له شريعة و كتاب فيكون أخصّ من النّبيّ ، و اعترض عليه بزيادة عدد الرّسل على الكتب ، و ربّما يفرق بأنّ الرّسول من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشّريعة السّابقة ، و النّبي قد يخلو عن ذلك كيوشع عليه السّلام . و في كلام بعض المعتزلة أنّ الرّسول صاحب الوحى بواسطة الملك ، و النّبي هو المخبر عن اللّه بكتاب أو الهام أو تنبيه في منام ، و التّفصيل في ذلك المقام موكول إلى الكتب الكلاميّة ، و من أراد اقتباس النّور في هذا الباب من كلام الأئمة فعليه بالرّجوع إلى باب الفرق بين الرّسول و النّبي و المحدّث ، و هو ثالث أبواب كتاب الحجّة من الكافي و ( الحجّة ) بالضمّ ما يحجّ به الانسان غيره أى يغلب به و ( المحجة ) [ 154 ] بفتح الميم جادّة الطريق و ( الغابر ) هو الباقي و قد يطلق على الماضي فهو من الأضداد . الاعراب الظاهر أنّ كلمة أو في قوله عليه السّلام أو كتاب أو حجّة أو محجّة لمنع الخلوّ إذ الانفصال الحقيقي كمنع الجمع لا يمكن إرادته ، و سياق الكلام هو منع الخلو كما يدلّ عليه قوله : و لم يخل اللّه صريحا ، و يمكن جعلها بمعنى الواو نظرا إلى دلالة و لم يخل صراحة على منع الخلوّ ، فلا حاجة إلى جعلها لذلك فافهم ، و ( رسل ) مرفوع على الخبريّة ، يعني أنّهم رسل ، و الجملة هذه لا محلّ لها من الاعراب ، لكونها مستأنفة فكأنّه قيل هؤلاء المرسلون الذين لم يخل الخلق منهم هل بلّغوا ما أرسلوا به أم قصّروا فيه لوجود التّقية ، فقال عليه السّلام : إنّهم رسل لا يقصّر اه ، فهي من قبيل الاستيناف البياني ، و متعلق لا يقصّر محذوف ، أى لا يقصّر بهم عن أداء الرّسالة و إبلاغ التكليف و كلمة ( من ) في قوله عليه السّلام من سابق بيان للرّسل و تفصيل لهم . المعنى اعلم أنّه عليه السّلام بعد ما نبّه بخلقة آدم عليه السّلام و تفصيل ما جرى عليه من إسجاد الملائكة له و إسكانه في الجنّة و اجتنائه من الثمرة المنهيّة و إهباطه إلى الأرض و اصطفاء الأنبياء من ولده لارشاد الخلق و هداية الأنام ، أشار عليه السّلام إلى العناية الكاملة للّه سبحانه بالخلق من عدم إخلائه أمّة منهم من نبيّ هاد لهم إلى المصالح و رادع لهم عن المفاسد ، أو كتاب مرشد إلى الخيرات و الحسنات و مانع عن الشّرور و السّيئات ، و ذلك كلّه لاكمال اللطف و إتمام العناية فقال عليه السّلام : ( و لم يخل اللّه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل ) و هذا ممّا لا ريب فيه ، و لا بدّ من بيان الحاجة إلى بعث الرّسل و إقامة البرهان على اضطرار النّاس إليه و أنّه لا بدّ في كلّ زمان من حجة معصوم عالم بما يحتاج إليه الخلق ، و قد دللوا على ذلك في الكتب الكلاميّة بالبراهين العقلية و النقلية و نحن نذكر منها هنا وجها واحدا [ 155 ] لاقتضاء المقام ، و ذلك موقوف على رسم مقدمات . الاولى انّ لنا خالقا صانعا قادرا على كلّ شي‏ء . الثانية أنّه سبحانه منزّه عن التجسّم و التعلّق بالموادّ و الأجسام و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا باحدى الحواس . الثّالثة أنّه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام و سبيل المصلحة للخلايق في المعيشة و القوام و البقاء و الدّوام الرّابعة أنّ النّاس على كثرتهم محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبّر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدّنيا و النّجاة من العذاب في العقبى ، و ذلك لأنّ من المعلوم أنّ نوع الانسان مدني بالطبع ، بمعنى أنّه لا بدّ في بقاء النوع إلى اجتماع كلّ واحد من الأفراد مع الآخر يستغني به فيما يحتاج إليه من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و نحوها ، فيكون هذا يطحن لهذا ، و ذلك يبني لذلك ، و ذلك يخيط لآخر ، و هكذا ، فمن ذلك احتاجوا إلى بناء البلاد و اجتماع الآحاد ، و اضطرّوا إلى عقد المعاملات . و بالجملة لا بدّ في بقاء الانسان من الاجتماع و المعاونة ، و التّعاون لا يتمّ إلاّ بالمعاملة و لا بدّ في المعاملة من قانون عدل ، إذ لو ترك النّاس و آراؤهم في ذلك لاختلفوا فيه ، فيرى كلّ أحد منهم ماله عدلا ما عليه ظلما و جورا نظرا إلى أنّ كلّ أحد بالذّات و الطبع طالب لجلب المنفعة لنفسه و دفع المضرّة عن نفسه كما هو واضح ، فعلم وجه الحاجة في المعاملات إلى القانون العدل . و لا بدّ لذلك القانون من مقنّن و معدّل و لا يجوز أن يكون ذلك المعدّل ملكا ، بل لا بدّ و أن يكون بشرا ، ضرورة أنّ الملك لا يمكن رؤية اكثر النّاس له لأنّ قواهم لا يقوى على رؤية الملك على صورته الأصلية ، و إنّما رآهم الأفراد من الانبياء بقوتهم القدسيّة ، و لو فرض أن يتشكّل بحيث يراه جميع الخلق كان ملتبسا عليهم كالبشر كجبرئيل في صورة دحية ، و لذلك قال سبحانه : [ 156 ] « وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبَسُونَ » و لا بدّ أن يكون المعدّل له خصوصيّة ليست لساير النّاس حتّى يستشعر النّاس فيه أمرا لا يوجد لهم فيتميز به منهم ، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها ، و الحاجة إلى هذا الانسان في بقاء نوع البشر أشدّ من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء ، كانبات الشّعر على الحاجبين و تقعير الأخمص للقدمين و ما يجرى مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزّينة و بعضها للسّهولة في الأفعال و الحركات ، و وجود هذا الانسان الصّالح لأن يشرع و يعدل ممكن ، و تأييده بالمعجزات الموجبة لاذعان الخلق له أيضا ممكن ، فلا يجوز أن تكون العناية الاولى تقتضي تلك المنافع و لا تقتضي هذه التي هي أصلها و عمدتها . فاذا تمهدت هذه المقدّمات فثبت و تبين أنّه واجب أن يوجد نبيّ و أن يكون إنسانا و أن يكون له خصوصية ليست لساير النّاس ، و هي الامور الخارقة للعادات ، و يجب أن يسنّ للناس سننا باذن اللّه و أمره و وحيه و إنزال الملك اليه ، و يكون الأصل الأول فيما يسنّه تعريفه إيّاهم أنّ لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له ، و أنّ النبيّ عبده و رسوله ، و أنّه عالم بالسّر و العلانية ، و أنّه من حقّه أن يطاع أمره ، و أنّه قد أعدّ للمطيعين الجنّة و للعاصين النّار حتّى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من اللّه و الملائكة بالسّمع و الطاعة . و الى هذا البرهان أشار الصّادق عليه السّلام فيما رواه في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم عنه عليه السّلام أنّه قال للزّنديق الذي سأله من أين اثبت الأنبياء و الرّسل ؟ قال : إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق ، و كان ذلك الصّانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشرونه و يحاجوهم و يحاجونه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه و عباده ، و يدلّونهم على مصالحهم و ما به بقاؤهم ، و في تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، و المعبّرون عنه جلّ و عزّهم الأنبياء و صفوته من [ 157 ] خلقه حكماء مؤدّين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شي‏ء 1 من أحوالهم ، مؤيّدين عند الحكيم العليم بالحكمة ، ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبياء من الدّلائل و البراهين لكيلا يخلو أرض اللّه من حجة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته هذا . و قال بعض شرّاح الكافي في شرح قوله عليه السّلام : ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين : يعني أنّه ثبت وجود النبيّ في كلّ وقت من جهة ما أتوابه من المعجزات و خوارق العادات ، كأنّ قائلا يقول : إنّ الذي ذكرته من البرهان قد دلّ على حاجة النّاس في كلّ زمان بوجود النبيّ ، و أنّه يجب من اللّه بعثه الرّسل و الأنبياء و إرسالهم ، و لكن من أى سبيل تعلم النّاس النبي و يصدق بنبوّته و رسالته ، فأجيب بأنّه ثبت ذلك عليهم بمشاهدة ما أتت به الرّسل و النّبيون من الدّلائل و البراهين ، يعني المعجزات الظاهرة منهم ، و هي المراد هيهنا بالدّلائل و البراهين إذ النّاس لا يذعنون إلاّ بما يشاهدونه و قوله عليه السّلام : لكيلا يخلو أرض اللّه من حجة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته تعليل متعلق بقوله : ثمّ ثبت ذلك فيكلّ دهر ، و وجه التعليل أنّ ما دامت الأرض باقية و النّاس موجودون فيها فلا بدّ لهم من حجّة للّه عليهم يقوم بأمرهم و يهديهم إلى سبيل الرّشاد و حسن المعاد ، و هو الحجة الظاهرة و لا بدّ أن يكون معه علم باللّه و آياته يدل على صدق مقالته و دعوته للنّاس و على جريان حكمه عليهم و جواز عدالته فيهم ، و هو الحجة الباطنة انتهى . و به ظهر الوجه في عدم إخلائه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل على ما صرّح به الامام عليه السّلام ، كما ظهر وجه قوله عليه السّلام : ( أو حجّة لازمة ) أى لازمة على الخلق ( أو محجّة قائمة ) أى طريقة عدل يقفون عليها و لا يميلون عنها يمينا و يسارا ، و المراد بها هنا هي الشريعة كما قال سبحانه : ----------- ( 1 ) متعلق بمشاركين . [ 158 ] « وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً » و قال : « وَ شَرَعَ لَكمْ مِنَ الدّينِ ما وَصّى‏ بِه‏ نُوحاً » ثمّ إنّ الحجة قد تطلق و يراد بها الكتاب ، و قد تطلق على الامام المعصوم الذي يكون مقتدى للخلائق يأتمّون به و يتعلّمون منه سبيل الهدى و طريق التقوى ، نبيّا كان أو وصيّا ، و هو المراد منها فيما رواه في الكافي باسناده عن أبي اسحاق عمّن يثق به من أصحاب أمير المؤمنين ، أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال : اللّهمّ إنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك ، يعني أنّك بلطفك و جودك على عبادك لا تخلي أرضك من حجّة لك عليهم ليهتدوا به سبيلك ، و يسلكوا به سبيل قربك و رحمتك ، و ينجو به عن معصيتك و عقابك . و قد تطلق و يراد بها العقل ، فانّه حجة للّه على النّاس في الباطن كما أن النبي و الامام حجة في الظاهر ، و قد وردت به الأخبار المستفيضة عن أئمّتنا عليهم السلام . إذا عرفت ذلك فنقول : الظاهر بل المتعين أنّ المراد بهاهنا هو الامام المعصوم أعني الوصيّ بخصوصه ، لعدم إمكان إرادة النبيّ و الكتاب لسبق ذكرهما و عدم امكان إرادة العقل لأنّ حجّيته منحصرة في المستقلاّت العقليّة لا مجال له في غيرها ، فلا يعرف الحقّ من الباطل في الامور الّتي عجزت عن إدراكها عقول البشر بأفكارها ، و إنّما يعرفها الامام بنور الالهام فلا يتمّ اللّطف منه تعالى على خلقه بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ بوجوده عليه السّلام فيهم . و بذلك ظهر فساد ما توهّمه الشّارح المعتزلي من جعله الحجة في العبارة حجة العقل حيث قال : و منها أن يقال إلى ماذا يشير عليه السّلام بقوله أو حجّة لازمة ، هل هو إشارة إلى ما يقوله الاماميّة من أنّه لا بدّ في كلّ زمان من وجود إمام معصوم ، الجواب أنهم يفسرون هذه اللّفظة بذلك ، و يمكن أن يكون المراد بها حجة العقل انتهى . وجه الفساد ما ذكرنا ، و نزيد توضيحا و نقول : إنّ للّه سبحانه حجّتين : [ 159 ] داخليّة و خارجيّة ، و النّاس إمّا أهل بصيرة عقلية أم أهل حجاب ، فالحجّة على أهل البصيرة إنّما هي عقولهم الكلية العارفين بها بالمصالح و المفاسد الكامنة الواقعية ، فلا حاجة لهم إلى اتباع الحجة الخارجية ، بل حجّة اللّه عليهم بصيرتهم و نور عقلهم و هداهم ، و أما أهل الحجاب و ذو العقول الناقصة فالحجّة عليهم إنّما هي الخارجيّة ، لعدم إحاطة عقولهم بالجهات المحسّنة و المقبحة ، فلا يكمل اللّطف في حقهم إلاّ بقائد خارجيّ يتبعون به ، إذ الأعمى يحتاج في قطع السّبيل إلى قائد خارجي يتبعه تقليدا في كل قدم و هو واضح . فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ المراد بالحجّة في كلامه عليه السّلام هو الامام المعصوم كما قد ظهر ممّا بيّناه هنا و فيما سبق في شرح قوله من نبيّ مرسل : لزوم وجود الحجّة في الخلق ، لمكان الحاجة ، و ملخّص ما ذكرناه هنا و سابقا أنّ نظام الدّنيا و الدّين لا يحصل إلاّ بوجود إمام يقتدي به النّاس و يأتمّون به و يتعلّمون منه سبيل هداهم و تقواهم ، و الحاجة إليه في كلّ عصر و زمان أعظم و أهمّ من الحاجة إلى غذاهم و كساهم و ما يجرى مجراهما من المنافع و الضرورات ، فوجب في العناية الرّبانية أن لا يترك الأرض و لا يدع الخلق بغير إمام نبيّا كان أو وصيّا ، و إلاّ لزم أحد الامور الثّلاثة : إمّا الجهل و عدم العلم بتلك الحاجة ، أو النّقص و عدم القدرة على خلقه ، أو البخل و الضّنة بوجوده و الكلّ محال على اللّه سبحانه هذا ، و يطابق كلام الامام عليه السّلام ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد ابن عيسى عن محمّد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبيجعفر عليه السّلام قال : قال : و اللّه ما ترك اللّه أرضا منذ قبض اللّه آدم إلا فيها إمام يهتدى به إلى اللّه ، و هو حجّة على عباده و لا تبقى الأرض بغير امام حجّة للّه على عباده ، و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : إنّ اللّه أجلّ و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل . [ 160 ] و أيضا عن أبي بصير عن أحدهما عليه السّلام ، قال : قال : إنّ اللّه لم يدع الأرض بغير عالم ، و لو لا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل ، يعني في الامور التي تعجز عن إدراكها العقول حسبما مرّ سابقا . و في الأخبار الكثيرة المستفيضة بل القريبة من التواتر المعنوي المرويّة في الكافي و علل الشّرايع و إكمال الدّين و رجال الكشي و غيرها أنّ الأرض لو بقيت بغير إمام لساخت ، يقال : ساخت الأرض بهم انخسفت ، و المراد به في الأخبار إمّا غوصها في الماء حقيقة أو كناية عن هلاك البشر و ذهاب نظامها كما نبّه عليه المحدّث المجلسى طاب ثراه في مرءآة العقول ثمّ إنّه عليه السّلام وصف المرسلين بأنّهم رسل ( لا يقصر 1 بهم قلّة عددهم ) أى عن نشر التكليف و حمل إعباء الرّسالة ( و لا كثرة المكذّبين لهم ) أى عن تبليغ الأحكام و اداء الامانة ، و هذا الكلام صريح في عدم جواز التقيّة على الأنبياء . و منه يظهر فساد ما نسبه الفخر الرّازي إلى الاماميّة من تجويزهم الكفر على الأنبياء تقية حسبما مرّ في تذييلات الفصل الثّاني عشر في باب عصمة الأنبياء عليهم السّلام ، ضرورة أنّ اقتداء الاماميّة رضوان اللّه عليهم إنّما هو على إمامهم عليه السّلام ، و مع تصريحه عليه السّلام بما ذكر كيف يمكن لهم المصير إلى خلاف قوله عليه السّلام هذا . مضافا إلى ما أوردناه عليه سابقا بل و مع الغضّ عن تصريحه عليه السّلام ، بذلك أيضا نقول : كيف يمكن أن يتفوّه ذو عقل بصدور كلمة الكفر عن نبيّ مع أنّ بعث النبي ليس إلاّ لحسم مادة الكفر ، نعوذ باللّه من هذه الفرية البيّنة و ذلك البهتان العظيم ، ثم إنّه عليه السّلام بين الرّسل و ميّزهم بقوله : ( من سابق سمّي له من بعده أو غابر ) أى لاحق ( عرفه من قبله ) يعني أنّهم بين سابق سمى 2 لنفسه من بعده ، بمعنى أنّه عين من يقوم مقامه من بعده ، أو أنّ السّابق 3 سمّى اللّه له من يأتي ----------- ( 1 ) من القصور او التقصير و الاول اظهر ، منه . ----------- ( 2 ) هذا على بناء سمى للفاعل على ما فى بعض النسخ ، منه ----------- ( 3 ) هذا على البناء للمفعول ، منه ( ج 10 ) [ 161 ] بعده و اطلعه عليه ، و بين لاحق عرّفه من قبله و بشّر به ، كتعريف عيسى عليه السّلام و بشارته بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما قال سبحانه حكاية عنه : « وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَدُ » . و قد مرّ في حديث الكافي عند شرح قوله : و اصطفى من ولده أنبياء اه ، تفصيل بشارة الأنبياء السّلف للخلف سلام اللّه عليهم أجمعين فتذكر . الترجمة و خالى نگذاشت حق سبحانه و تعالى مخلوقان خود را از پيغمبر مرسلى يا از كتاب منزلى يا برهانى لازم كه عبارتست از امام معصوم يا طريقه مستقيمه كه عبارتست از شريعت قويمه آنها ، رسولانى هستند كه قاصر نميكند يا مقصر نميكند آنها را كمى عدد ايشان از تبليغ رسالت ، و نه بسيارى تكذيب كنندگان ايشان از اداء وحى و امانت ، طايفه از ايشان سابق بودند كه نام ميبردند بجهت خود آن كسى را كه بعد از اوست ، يا اينكه خداوند عالم نام برد آنكسى را كه بعد از او بود ، و طايفه ديگر لاحق بودند كه تعريف كرده بود او را آنكسى كه پيش از او بود الفصل السادس عشر على ذلك نسّلت القرون ، و مضت الدّهور ، و سلفت الآباء ، و خلفت الأبناء ، إلى أن بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله لإنجاز عدته ، و إتمام نبوّته ، مأخوذا على النّبيّين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده ، و أهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة ، و أهواء منتشرة ، و طرائق متشتّتة ، بين مشبّه للّه بخلقه ، أو ملحد في إسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهديهم به من الضّلالة ، و أنقذهم بمكانه من الجهالة . [ 162 ] اللغة ( نسل ) نسلا من باب ضرب كثر نسله ، و يتعدّى إلى مفعول يقال : نسلته أى ولدته و نسل الماشي ينسل بالضّم و بالكسر نسلا و نسلا و نسلانا أسرع ، و نسلت القرون أى ولدت أو أسرعت و ( سلف ) سلوفا من باب قعد مضى و انقضى و ( خلفته ) جئت بعده ، و الخلف بالتّحريك الولد الصالح ، فاذا كان فاسدا أسكنت اللاّم و ربّما استعمل كلّ منهما مكان الآخر و ( الميثاق ) و الموثق كمجلس العهد و ( السّمات ) جمع السّمة و هي العلامة و ( الميلاد ) كالمولد وقت الولادة ، و لم يستعمل في الموضع كما توهّمه الشارح البحراني بل مختص بالزّمان ، و المولد يطلق على الوقت و الموضع كما صرّح به الفيومي ( و الملل ) جمع الملّة و هي الشريعة و الدّين ( و الأهواء ) جمع هوا بالقصر إرادة النّفس ( و طرائق متشتّتة ) أى متفرقة و ( الملحد ) من الالحاد يقال الحد و لحد إذا حاد عن الطريق و عدل عنه و ( الانقاذ ) كالنّقذ و الاستنقاذ التّخليص و ( المكان ) مصدر بمعنى الكون . الاعراب قوله عليه السّلام : على ذلك متعلّق بالفعل الذي يليه ، و اللاّم في قوله لانجاز عدته تعليل للبعث متعلّق به ، و مأخوذا و مشهورة و كريما منصوبات على الحالية من محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، كما أنّ محلّ الجملة أعني قوله عليه السّلام : و أهل الارض اه ، كذلك ، و ملل و أهواء و طرائق مرفوعات على الخبريّة من أهل الأرض ، و إسنادها إليه من باب التّوسّع ، و الأصل ذو ملل متفرقة ، و قيل : إنّ المبتداء محذوف أى مللهم ملل متفرقة ، و أهواؤهم أهواء منتشرة ، و طرائقهم طرائق متشتّتة ، و بين ظرف متعلّق بقوله : متشتّتة ، و هو من الظروف المبهمة لا يتبيّن معناه إلاّ بالاضافة إلى اثنين فصاعدا أو ما يقوم مقامه كقوله تعالى : عوان بين ذلك ، قال الفيومي في المصباح : و المشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو ، لأنّها للجمع المطلق ، نحو المال بين زيد و عمرو ، و أجاز بعضهم بالفاء مستدلاّ بقول امرء القيس : بين الدّخول فحومل ، و أجيب بأن الدّخول اسم لمواضع شتى ، [ 163 ] فهو بمنزلة قولك المال بين القوم و بها يتمّ المعنى انتهى . إذا عرفت ذلك فأقول : الظاهر أنّ كلمة أو في قوله : أو ملحد ، أو مشير ، بمعنى الواو إجراء للفظ بين على ما هو الأصل فيه ، مضافا إلى عدم معنى الانفصال هيهنا ، و قول الشارح البحراني ، إنّ الانفصال هنا لمنع الخلوّ فاسد ، ضرورة أنّ بعض أهل الأرض عند بعثة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان من أهل التّوحيد حسبما تعرفه و هؤلاء ليس داخلا في أحد الأصناف الثلاثة فافهم جيّدا ، و الباء في بمكانه سببيّة ، أى أنقذهم بسبب كونه و وجوده صلّى اللّه عليه و آله من الجهالة . المعنى اعلم أنّه عليه السّلام ساق هذه الخطبة بما اقتضاه التّرتيب الطبيعي ، أى من لدن آدم عليه السّلام إلى بعث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و هداية الخلق به و اقتباسهم من أنوار وجوده الذي هو المقصود العمدة في باب البعثة ، فقال عليه السّلام ( على ذلك ) يعني على هذا الاسلوب الذي ذكرناه من عدم إخلاء الارض و الخلق من الأنبياء و الحجج ( نسّلت القرون ) و ولدت أو أسرعت ، و هو كناية عن انقضائها ( و مضت الدّهور ، و سلفت الآباء ) أى تقدّموا و انقضوا ( و خلفت الأبناء ) أى جاءوا بعد آبائهم و صاروا خليفة لهم ( إلى أن بعث اللّه ) النّبيّ الأمّيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ الابطحيّ التّهاميّ المضطفى من دوحة الرّسالة ، و المرتضى من شجرة الولاية ( محمّدا صلّى اللّه عليه و آله لانجاز عدته ) التي وعدها لخلقه على ألسنة رسله السّابقين بوجوده عليه السّلام ( و لاتمام نبوّته ) الظاهر رجوع الضمير فيه الى اللّه سبحانه ، و قيل : برجوعه إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و لا يخلو عن بعد . و ينبغي الاشارة إلى الحجج الذين لم يخل اللّه سبحانه خلقه منهم من لدن آدم عليه السّلام إلى بعث نبيّنا صلوات اللّه عليهم أجمعين فنقول : روى الصّدوق في الأمالى عن ابن المتوكل عن الحميري عن ابن عيسى عن الحسن بن محبوب عن مقاتل بن سليمان عن أبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : أنا سيّد النّبيّين ، و وصيّي سيد الوصيّين ، و أوصيائى سادة الأوصياء ، إنّ آدم سأل اللّه عزّ و جلّ ان يجعل له وصيّا صالحا ، فاوحى اللّه عزّ و جلّ إليه إني أكرمت الأنبياء [ 164 ] بالنّبوة ثمّ اخترت خلقا ( خلقى خ‏ل ) و جعلت خيارهم الأوصياء ، فقال آدم : يا ربّ اجعل وصيّي خير الأوصياء ، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه يا آدم اوص إلى شيث و هو هبة اللّه بن آدم ، و أوصى شيث إلى ابنه شبان 1 ، و هو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها اللّه على آدم من الجنّة فزوّجها ابنه شيثا ، و أوصى شبان إلى محلث ، 2 و أوصى محلث إلى محوق 3 و أوصى محوق إلى عثميا 4 ، و أوصى عثمياإلى اخنوخ و هو إدريس النّبيّ ، و أوصى إدريس إلى ناخور 5 و دفعها ناخور إلى نوح النّبيّ و أوصى نوح إلى سام ، و أوصى سام إلى عثامر 6 و اوصى عثامر إلى برغيثاشا 7 ، و أوصى برغيثاشا إلى يافث ، و أوصى يافث إلى برة ، و أوصى برة إلى جفشية 8 ، و أوصى جفشية إلى عمران ، و دفعها عمران إلى ابراهيم الخليل عليه السّلام ، و أوصى ابراهيم إلى ابنه اسماعيل ، و أوصى اسماعيل إلى إسحاق ، و أوصى إسحاق إلى يعقوب ، و أوصى يعقوب إلى يوسف ، و أوصى يوسف إلى بريثا ، و أوصى بريثا إلى شعيب ، و دفعها شعيب إلى موسى بن عمران ، و أوصى موسى بن عمران إلى يوشع بن نون ، و أوصى يوشع بن نون إلى داود ، و أوصى داود إلى سليمان ، و أوصى سليمان إلى آصف بن برخيا و أوصى آصف بن برخيا إلى زكريا ، و أوصى ( دفعها خ‏ل ) زكريّا إلى عيسى بن مريم و أوصى عيسى بن مريم إلى شمعون بن حمون الصّفا ، و أوصى شمعون إلى يحيى 9 ----------- ( 1 ) بالشين المثلثة و الباء الموحدة م ----------- ( 2 ) بالحاء المهملة و الثاء المثلثة ----------- ( 3 ) بالحاء المهملة و القاف م ----------- ( 4 ) بالثاء المثلثة و الميم بعده الياء م ----------- ( 5 ) بالنون و الخاء المعجمه و فى بعض النسخ بالحاء المهملة ----------- ( 6 ) بالعين المهملة و الثاء المثلثة و الراء اخيرا م ----------- ( 7 ) بالغين المعجمة بعدها ياء تحتانية و بعد الياء ثاء مثلثة و آخر الحروف الف قبلها شين مثلثة ، انوار ----------- ( 8 ) بالجيم و الفاء و الشين المعجمة بعدها ياء تحتانية ، انوار ----------- ( 9 ) الخبر يدل على بقاء يحيى بن زكريا « ع » خلافا للمشهور و ينافى بعض الاخبار الدالة على نبوة يحيى قبل عيسى « ع » و ربما قيل بتعدد يحيى من زكريا و لا يخفى بعده ، بحار الانوار [ 165 ] ابن زكريا ، و أوصى يحيى بن زكريّا إلى منذر ، و أوصى منذر إلى سليمة ، و أوصى سليمة إلى بردة . ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : و دفعها إلىّ بردة ، و أنا أدفعها إليك يا عليّ ، و أنت تدفعها إلى وصيّك ، و يدفعها وصيّك إلى أوصيائك من ولدك واحدا بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ، و لتكفرنّ بك الامّة ، و لتختلفن عليك اختلافا شديدا الثّابت عليك كالمقيم ، و الشّاذ عنك في النّار ، و النّار مثوى للكافرين . و قد مضى في شرح قوله عليه السّلام : و اصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم ، ما يوجب ازدياد البصيرة في المقام فراجعه و قوله عليه السّلام : ( مأخوذا على النبيّين ميثاقه ) . أقول : قد عرفت في الفصل الرّابع عشر عند شرح قوله عليه السّلام : لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم ، ما دلّ على أخذ ميثاق جميع الخلق على توحيد اللّه تعالى و نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و إمامة الأئمة عليهم السّلام في عالم الميثاق . و ينبغي أن نذكر هنا بعض ما يفيد أخذ ميثاق النبيّين بخصوصهم سلام اللّه عليهم ، فأقول : قال سبحانه في سورة آل عمران : « وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جائَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه‏ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْري ، قالُوا أَقْرَرْنا ، قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدينَ » . قال الطبرسيّ عند تفسير الآية : و روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام و ابن عبّاس و قتادة أنّ اللّه أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله أن يخبروا أممهم بمبعثه و رفعته ، و يبشّروهم به و يأمروهم بتصديقه . و قال أيضا : و قد روي عن عليّ عليه السّلام أنّه قال ، لم يبعث اللّه نبيّا آدم و من [ 166 ] بعده إلاّ أخذ عليه العهد لئن بعث اللّه محمّدا و هو حىّ ليؤمننّ به و لينصرنّه ، و أمره بأن أخذ العهد بذلك على قوله و في تفسير عليّ بن ابراهيم القميّ قال الصّادق عليه السّلام في قوله : « وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ الآية » كان الميثاق مأخوذا عليهم بالرّبوبيّة و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله بالنّبوّة و لأمير المؤمنين و الأئمة عليهم السّلام بالامامة فقال « ألست بربّكم » و محمّد نبيّكم و عليّ إمامكم و الأئمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا : بلى ، فقال اللّه تعالى . « أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيمَةِ » أي لئلاّ تقولوا يوم القيامة « إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلينَ » فأوّل ما أخذ اللّه عزّ و جلّ الميثاق على الأنبياء بالرّبوبيّة و هو قوله : « وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُمْ » فذكر جملة الأنبياء ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي فقال : « وَ مِنْكَ » يا محمّد فقدّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنّه أفضلهم « وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهيمَ و مُوسى‏ و عيسَى بْنِ مَرْيَمَ » فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضلهم ، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على الأنبياء بالايمان به و على أن ينصروا أمير المؤمنين ، فقال : « وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النَّبِيّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جآئَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ » يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله « لَتُؤْمِنُنَّ بِه‏ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ » يعنى أمير المؤمنين عليه السّلام تخبروا اممكم بخبره و خبر وليّه من الأئمة . و في البحار عن كشف الغمّة من كتاب بكر بن محمّد الشّامي باسناده عن أبي الصّباح الكناني عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام قال : أتى رجل أمير المؤمنين عليه السّلام و هو في مسجد الكوفة قد احتبى بسيفه ، قال : يا أمير المؤمنين إنّ في القرآن آية قد أفسدت قلبي و شككتني في ديني ، قال عليه السّلام له : و ما هي ؟ قال : قوله عزّ و جلّ : [ 167 ] « وَ اسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » هل كان في ذلك الزّمان نبيا غيره صلّى اللّه عليه و آله يسأله ؟ فقال له عليّ عليه السّلام : اجلس اخبرك إنشاء اللّه إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه : « سُبْحانَ الَّذي أَسْرى‏ بِعَبْدِه‏ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلىَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا » فكان من آيات اللّه عزّ و جلّ التي أراها محمّدا صلّى اللّه عليه و آله أنّه أتاه جبرئيل فاحتمله من مكة فوافى به بيت المقدّس في ساعة من اللّيل ، ثمّ أتاه بالبراق فرفعه إلى السّماء ، ثم إلى البيت المعمور ، فتوضّأ جبرئيل و توضّأ النّبي صلّى اللّه عليه و آله كوضوئه ، و أذّن جبرئيل و أقام مثنى مثنى ، و قال للنّبيّ : تقدم فصلّ و اجهر بصلاتك فانّ خلفك افقا من الملائكة لا يعلم عددهم الاّ اللّه ، و في الصّف الأوّل أبوك آدم و نوح و هود و ابراهيم و موسى و كلّ نبيّ أرسله اللّه مذ خلق السّماوات و الأرض إلى أن بعثك يا محمّد ، فتقدّم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصلّى بهم غير هائب و لا محتشم ركعتين ، فلمّا انصرف من صلاته أوحى اللّه إليه اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الاية ، فالتفت إليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله ، فقال بم تشهدون ؟ قالوا : نشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له ، و أنّك رسول اللّه ، و أنّ عليّا أمير المؤمنين و وصيّك و كلّ نبيّ مات خلّف وصيّا من عصبته غير هذا ، و أشاروا إلى عيسى بن مريم ، فانّه لا عصبة له ، و كان وصيّه شمعون الصّفا ابن حمون بن عمامة ، و نشهد أنّك رسول اللّه سيّد النّبيّين ، و أنّ عليّ بن ابي طالب عليه السّلام سيّد الوصيّين ، اخذت على ذلك مواثيقنا لكما بالشّهادة ، فقال الرّجل أحييت قلبي و فرّجت عنّي يا أمير المؤمنين . و فيه أيضا عن بصائر الدّرجات باسناده عن حمران عن أبيجعفر عليه السّلام ، قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى أخذ الميثاق على اولى العزم أنّي ربّكم و محمّد رسولي و عليّ أمير المؤمنين و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزّان علمي ، و أنّ المهديّ [ 168 ] أنتصر به لديني . إلى غير هذه مما يطلع عليه المتتبّع ( مشهورة سماته ) إى صفاته و علاماته في الكتب المنزلة و الصّحف السّماوية من التّوراة و الزّبور و الانجيل و صحف ابراهيم و دانيال و كتاب زكريا و شعيا و غيرها ، قال سبحانه في سورة البقرة : « أَلَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْنائَهُمْ » يعني يعرفون محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بنعته و صفته و مبعثه و مهاجره و صفة أصحابه كما يعرفون أبنائهم في منازلهم ، و قال أيضا في سورة الأعراف : « الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْراةِ وَ الْإِنْجيلِ » روى العياشي عن الباقر عليه السّلام يعني اليهود و النّصارى صفة محمّد و اسمه . و في الصّافي عن المجالس عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث قال يهودي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّي قرأت نعتك في التّوراة محمّد بن عبد اللّه ، مولده بمكة ، و مهاجره بطيبة ليس بفظّ و لا غليظ و لا سخاب 1 و لا مترنن 2 بالفحش و لا قول الخنا ، و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّك رسول اللّه ، هذا مالي فاحكم فيه بما انزل اللّه . و في الكافي عن الباقر عليه السّلام لما انزلت التّوراة على موسى بشّر بمحمد صلّى اللّه عليه و آله ، قال : فلم تزل الأنبياء تبشّر به حتّى بعث اللّه المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام فبشّر بمحمد صلّى اللّه عليه و آله ، و ذلك قوله : يجدونه ، يعني اليهود و النّصارى ، مكتوبا ، يعني صفة محمّد عندهم ، يعنى في التّوراة و الانجيل ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ يخبر عن عيسى : « وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَدُ » و قد مضى تمامه عند شرح قوله عليه السّلام : و اصطفى من ولده أنبياء ، أخذ على الوحى ميثاقهم اه . ----------- ( 1 ) السحب محركة الصخب و الصخب شدة الصوت قاموس ----------- ( 2 ) الترنن هو التصوت لغة [ 169 ] و في الكافي أيضا مرفوعا أنّ موسى عليه السّلام ناجاه ربّه تبارك و تعالى ، فقال في مناجاته : اوصيك يا موسى وصيّة الشّفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم ، و من بعده بصاحب الجمل الأحمر الطيب الطاهر المطهّر ، فمثله في كتابك أنّه مهيمن 1 على الكتب كلّها ، و أنّه راكع ساجد راغب راهب 2 ، إخوانه المساكين و أنصاره قوم آخرون ( كريما ميلاده ) أى وقت ولادته صلّى اللّه عليه و آله ، فقد تولد و كان طالع ولادته على ما حكاه المجلسي قده عن أبي معشر : الدّرجة العشرون من جدى ، و كان زحل و المشتري في العقرب ، و المريخ في بيته في الحمل ، و الشمس في الحمل في الشّرف ، و الزهرة في الحوت في الشّرف ، و العطارد أيضا في الحوت ، و القمر في أوّل الميزان ، و الرّأس في الجوزاء ، و الذّنب في القوس . و روي أيضا اتّفاق الحكماء على أنّ طالعه صلّى اللّه عليه و آله المشتري و العطارد و الزّهرة و المرّيخ ، و قالوا إنّ نظر المشتري علامة العلم و الحكمة و الفطنة و الكياسة و الرّياسة له صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّ نظر العطارد كان آية لطافته و ظرافته و ملاحته و فصاحته و حلاوته صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّ نظر الزّهرة دليل صباحته و سروره و بشاشته و حسنه و طيبه و بهائه و جماله و دلاله صلّى اللّه عليه و آله ، و إنّ نظر المرّيخ علامة شجاعته و جلادته و محاربته و قتاله و قهره و غلبته . و أمّا تاريخ ولادته صلّى اللّه عليه و آله فقد قال في الكافي : إنّه ولد صلّى اللّه عليه و آله لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل في عام الفيل 3 يوم الجمعة مع الزّوال . و روى أيضا عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة ، و حملت به أمّه أيّام التّشريق عند الجمرة الوسطى ، و كانت في منزلة عبد اللّه بن عبد المطلب و ولدته ----------- ( 1 ) المهيمن هو المؤتمن و قيل الشاهد و قيل الرقيب منه ----------- ( 2 ) الرهبة هو الخوف ----------- ( 3 ) اى فى عام هجوم اصحاب الفيل على مكة و قيل ان ولادته كانت بعد هلاك اصحاب الفيل بخمسة و خمسين يوما و قيل بخمسة و اربعين و قيل بعده بثلاثين سنة و قيل تولد فى يوم هلاكهم و اللّه العالم ، منه [ 170 ] في شعب أبي طالب في دار 1 محمّد بن يوسف في الزّاوية القصوى عن يسارك و انت داخل في الدّار ، و قد اخرجت الخيزران ذلك البيت فصيّروه مسجدا يصلّي النّاس فيه ، انتهى كلامه رفع مقامه . أقول : أمّا ما ذكره من كون تولّده في ثاني عشر من شهر ربيع الأوّل فهو المشهور بين الجمهور و لعلّه ( ره ) و افقهم على ذلك تقيّة ، و لبعض العامّة قول بكونه في ثامن ذلك الشّهر ، و قول آخر بأنّه في عاشره و قول شاذّ بكونه في شهر رمضان . و المشهور في أخبارنا و بين أصحابنا بل المدّعى عليه إجماعنا في جملة من العباير أنّ تولّده صلّى اللّه عليه و آله في السّابع عشر . و أمّا ما ذكره من أنّ أمّه حملت به في أيام التّشريق عند الجمرة الوسطى يستلزم بقائه في بطن أمّه إمّا ثلاثة أشهر أو سنة و ثلاثة أشهر مع أنّه خلاف ما اتّفق عليه أصحابنا من كون أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر و أكثرها تسعة ، و لم يقل أحد أيضا بكون ذلك من خصائصه و لا وردت عليه رواية . و أجاب عنه جمع من الأصحاب كالمجلسي ( ره ) و المحدّث الجزايري ( ره ) و غيرهما بأنّه مبنيّ على النسي‏ء المراد بقوله : « إِنَّمَا النَّسي‏ءُ زِيادَةٌ في الْكُفْرِ » و ذلك أنّ المشركين كانوا يؤخّرون موسم الحجّ ، فمرّة كانوا يحجّون في صفر و اخرى في محرّم و هكذا ، تبعا لاعتدال الوقت و الهواء و كان حجّهم في سنة تولّده في جمادى الآخرة . قال الجزائري و يؤيّده ما رواه ابن طاوس في كتاب الاقبال أنه صلّى اللّه عليه و آله حملت به امّه في ثمان عشر مضت من جمادى الآخرة ، و لمّا فتح النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكّة كان ----------- ( 1 ) لا يخفى ان تولده كان فى بيته صلّى اللّه عليه و آله و اعطى ذلك البيت لعقيل بن ابيطالب و باعه عقيل لمحمد بن يوسف الثقفى اخ الحجاج فادخله فى بيته و قد اخرجت الخيزران ام هارون لعنه اللّه فى ايام خلافته ذلك البيت من بيت محمد بن يوسف فصيرته مسجدا و الان باق على المسجدية ، منه [ 171 ] حجّهم في شهر ذي الحجّة فقال الآن دار الزّمان كما كان فلا يجوز لأحد تغييره و لا تبديله انتهى . و كيف كان فقد كان مولده على مذهب الشّيعة اليوم السّابع عشر من شهر ربيع الأوّل و بعث للرّسالة يوم السّابع و العشرين من رجب و له حينئذ أربعون سنة ( و ) قد كان ( أهل الأرض يومئذ ) أى يوم بعثه و تصديعه بالرّسالة ذي ( ملل ) و شرايع ( متفرّقة و أهواء ) أى آراء ( منتشرة و طرائق ) أى مسالك ( متشتتة ) و متفرّقة و مذاهب مختلفة ( بين مشبّه للّه بخلقه ، او ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ) . قال الشّارح المعتزلي : إنّ العلماء يذكرون أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعث و النّاس أصناف شتّى في أديانهم ، يهود و نصارى و مجوس و صابئون و عبدة أصنام و فلاسفة و زنادقة ، فأمّا الامة التي بعث فيها محمّد صلّى اللّه عليه و آله فهم العرب و كانوا أصنافا شتى ، فمنهم معطلة ، و منهم غير معطلة ، فأمّا المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق و البعث و الاعادة و قالوا : ما قال القرآن العزيز منهم : « ما هِيَ إِلاّ حَيوتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيى وَ ما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ » فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلك الدّهر ، و بعضهم اعترف بالخالق سبحانه و أنكر البعث ، و هم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : « قالَ مَن يُحْيِي الْعِظامَ وَ هِيَ رَميمٌ » و منهم من أقرّوا بالخالق و نوع من الاعادة ، و أنكروا الرّسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنّها شفعاء عند اللّه في الآخرة و حجّوا لها و نحروا لها الهدى و قرّبوا لها القربان و حلّلوا و حرّموا ، و هم جمهور العرب ، و هم الذين قال اللّه تعالى عنهم : « و قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ و يَمْشي في الْأَسْواقِ » و كانوا في عبادة الأصنام مختلفين ، فمنهم من يجعلها مشاركة للباري جلّ اسمه و يطلق عليها لفظ الشّريك ، و منهم من لا يطلق عليها لفظ الشّريك و يجعلها وسائل [ 172 ] و ذرايع إلى الخالق سبحانه و هم الذين قالوا : « إِنَّما نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » و كان في العرب مشبّهة و مجسّمة ، و كان جمهورهم عبدة الأصنام فكان ودّ لكلب بدومة 1 الجندل ، و سواع 2 لهذيل و نسر لحمير ، و يغوث لهمدان ، و اللاّت لسقيف بالطايف ، و العزّى لكنانة و قريش و بعض بني سليم ، و مناة لغسان و الأوس و الخزرج ، و كان هبل لقريش خاصّة على ظهر الكعبة ، و اساف 3 و نائلة على الصّفا و المروة ، و كان في العرب من يميل إلى اليهوديّة ، منهم جماعة من التّبابعة 4 و بلوك اليمن ، و منهم نصارى كبني تغلب و العباديين رهط عديّ بن زيد و نصارى نجران ، و منهم من كان يميل إلى الصّابئة 5 و يقول بالنجوم و الانواء 6 ، فامّا الّذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم و هم المتألهون أصحاب الورع و التّحرج عن القبايح ، كعبد اللّه و عبد المطلب و ابى طالب و زيد بن عمرو بن نفيل و قس بن ساعدة الأيادى ، و جماعة غير هؤلاء ، انتهى باختصار منّا . ----------- ( 1 ) دومة الجندل حصن بين المدينة و الشام و هو اقرب الى الشام من المدينة ----------- ( 2 ) سواع اسم صنم كان يعبد فى زمن نوح ثم صار لهذيل ----------- ( 3 ) اساف ككتاب و سحاب اسم صنم وضعها عمرو بن يحيى على الصفا و نائلة على المروة و كان يذبح عليهما تجاه الكعبة و هما اساف بن عمرو و نائلة بنت سهل كانا شخصين من جرهم ففجرا فى الكعبة فسخا حجرين فعبدتهما قريش و قالوا لولا ان اللّه رضى ان يعبد هذان معه ما حولهما عن حالهما مجمع البحرين . ----------- ( 4 ) جمع تبع كسكر من بلوك حمير ----------- ( 5 ) الصابئة من صبأ فلان خرج من دينه الى دين آخر و صبات النجوم خرجت من مطالعها قيل اصل دينهم دين نوح فمالوا عنه و قيل الصابئون لقب لقب به طائفة من الكفار يقال انها تعبد الكواكب فى الباطن ، مجمع البحرين . ----------- ( 6 ) جمع نوء و هو النجم ، طريحى [ 173 ] إذا عرفت هذا فأقول : قوله عليه السّلام بين مشبّه للّه بخلقه ، إشارة إلى بعض هذه الفرق ، و هم المشبّهة الذين شبّهوا اللّه تعالى بالمخلوقات و مثلوه بالحادثات و أثبتوا له صفات الجسم . فمنهم مشبّهة الحشويّة ، قالوا : هو جسم لا كالأجسام ، و مركب من لحم و دم لا كاللّحوم و الدّماء ، و له الأعضاء و الجوارح ، و يجوز عليه الملامسة و المعانقة و المصافحة للمخلصين . و منهم الذين قالوا : إنّ اللّه على العرش من جهة العلوّ مماسّ له من الصّفحة العليا ، و يجوز عليه الحركة و الانتقال ، قال اميّة بن ابي الصلت : من فوق عرش جالس قد حطّ رجليه على كرسيّه المنصوب . و منهم اليهود و النّصارى الذين قالوا : « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ ، وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، وَ قالَتَ النَّصارَى الْمَسيحُ ابْنُ اللَّهِ » و قالت اليهود : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » . و قد أثبتوا له سبحانه يدا و ولدا إلى غير هؤلاء من المشبّهة و المجسّمة . و قوله عليه السّلام : أو ملحد في اسمه اشارة إلى فرقة اخرى من هذه ، و هم الذين يعدلون بأسماء اللّه تعالى عمّا هي عنه فيسمّون بها أصنامهم ، و يغيّرونها بالزّيادة و النّقصان ، فاشتقّوا اللاّت من اللّه ، و العزّى من العزيز ، و مناة من المنان و هذا المعنى حكاه الطبرسي عن ابن عبّاس و مجاهد في تفسير قوله تعالى : « وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمآئِه‏ » ثم قال : و قيل : إنّ معني يلحدون في أسمائه يصفونه بما لا يليق به ، و يسمّونه بما لا يجوز تسميته به ، و هذا الوجه أعمّ فائدة ، و يدخل فيه قول الجبائي : أراد تسميتهم المسيح بأنّه ابن اللّه ، ثمّ قال و في هذا دلالة على أنّه لا يجوز أن يسمّى اللّه إلاّ بما سمّى به نفسه . [ 174 ] و قوله عليه السّلام : أو مشير إلى غيره إشارة إلى الدّهريّة و بعض عبدة الأصنام ممّن لم يدخل في القسمين السّابقين . و الحاصل أنّ النّاس عند بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كانوا على مذاهب مختلفة ، و آراء متفرّقة من اليهوديّة و النّصرانيّة و المجوسيّة و الدّهريّة و عبدة الأصنام و غيرهم ( فهداهم اللّه ) سبحانه ( به ) صلّى اللّه عليه و آله أى بنور وجوده ( من الضّلالة ) و الغواية ( و أنقذهم بمكانه ) أى خلصهم و أنجاهم بكونه و وجوده ( من ) ظلمة ( الجهالة ) فانجلى به عين قلوب العارفين ، و اضمحلّ باطل الشّيطان بما جاء به من الحقّ اليقين . الترجمة پس بر اين منوال منقضى ميشد قرنها و ميگذشت روزگارها ، و از پيش رفتند پدران و از پس در آمدند و خليفه شدند پسران ، تا اينكه برانگيخت خداوند عالم محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله را بجهت روا كردن وعده خود كه بانبياء گذشته داده بود ، و بجهت تمام فرمودن نبوّت خود در حالتيكه فرا گرفته بود بر پيغمبران عهد و پيمان او را در حالتيكه مشهور و معروف بود علامات و صفات او در كتب سماويّه و صحف منزلة ، و در حالتيكه شريف و عزيز بود وقت ولادت او و حال آنكه اهل زمين در روز بعثت او صاحبان ملل و مذاهب متفرقه بودند ، و خداوندان هواها و رأيهاى پراكنده و صاحبان راههاى مختلف در ميان ، تشبيه كننده حق تعالى بمخلوقات خود و عدول كننده در اسماء حسناى او و إشاره كننده بر غير او ، پس هدايت و راهنمائى فرمود ايشان را بنور وجود او از گمراهى ، و خلاص فرمود آنها را بجهت هستى او از جهالت و نادانى . الفصل السابع عشر ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله لقائه ، و رضي له ما عنده فأكرمه عن دار الدّنيا ، و رغب به عن مقارنة ( مقام خ‏ل ) البلوى ، فقبضه إليه [ 175 ] كريما صلّى اللّه عليه و آله ، و خلّف فيكم ما خلّفت الانبياء في أممها ، إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ، و لا علم قائم ، كتاب ربّكم مبيّنا حلاله و حرامه ، و فضائله و فرائضه ، و ناسخه و منسوخه ، و رخصه و عزآئمه ، و خاصّه و عامّه ، و عبره و أمثاله ، و مرسله و محدوده ، و محكمه و متشابهه ، مفسّرا جمله ، و مبيّنا غوامضه ، بين مأخوذ ميثاق علمه ، و موسّع على العباد في جهله ، و بين مثبت في الكتاب فرضه ، و معلوم في السّنّة نسخه ، و واجب في السّنّة أخذه ، و مرخّص في الكتاب تركه ، و بين واجب لوقته ، و زايل في مستقبله ، و مباين بين محارمه ، من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه ، و بين مقبول في أدناه ، و موسّع في أقصاه . اللغة ( رغب ) بالكسر من باب تعب إذا تعدى بكلمة في فبمعنى الارادة و الميل ، و إذا عدّى بعن فبمعنى الاعراض و العدول ، يقال : رغب فيه رغبا و رغبة إذا أراده و رغب عنه إذا لم يرده و أعرض عنه و ( البلوى ) و البلاء بمعنى واحد و ( خلّفوا ) أثقالهم تخليفا خلّوها وراء ظهورهم و ( الهمل ) محركة مصدر همل كضرب يقال : تركت الابل و الغنم و نحوهما هملا ، أى سدى يرعى بعير راع ليلا و نهارا ، و الهمل أيضا جمع هامل مثل همّل و همال و زان ركع و كتاب ، يقال : بغير هامل أى راع و لا راعي له و ( العلم ) هو العلامة و ما ينصب في الطريق لاهتداء النّاس به من الميل و المنار و ( الفضايل ) جمع الفضيلة و هو الخير ، و هو خلاف النقيصة و ( الفرايض ) جمع الفريضة بمعنى المفروضة ، و هي الأحكام الواجبة يقال : فرض اللّه الأحكام أى أوجبها و ( النّسخ ) [ 176 ] إزالة ما كان ثابتا و ( الرّخص ) جمع الرّخصة كغرف و غرفة و هو التّسهيل في الأمر و التّيسير يقال : رخص الشّرع لنا في كذا ترخيصا و ارخص إرخاصا إذا يسّره و سهله و ( العزائم ) جمع العزيمة و فسرها أهل اللغة بالفريضة و الظاهر بقرينة المقابلة بالرّخص إرادة الفرايض المشتملة على الجدّ و الضّيق و ( العبر ) جمع عبرة و هو الاعتبار و الاتعاظ بما مضى و ( المحكم ) من اللّفظ ما اتّضح دلالته و ( المتشابه ) خلافه و ( غمض ) الحقّ غموضا من باب قعد خفى و نسب غامض لا يعرف و ( المباين ) بفتح الياء مفعول من باين بمعنى المفاصل و ( ارصد له ) أى أعدله . الاعراب كريما حال من مفعول قبضه ، و كلمة ما مفعول لقوله خلف مجازا ، و الاصل مثل ما خلّفت ، و إذ لم يتركوهم تعليل لتخليف الأنبياء ، و كتاب منصوب على أنّه عطف بيان لما ، و مبيّنا حال من فاعل خلّف ، و هو العامل فيه ، و مفسّرا حال بعد حال ، و الضّماير كلها راجعة إلى الكتاب المشتمل على الأحكام المذكورة ، و بين مأخوذ متعلق بمقدّر حال من الكتاب ، أى حالكون ذلك الكتاب دائرا بين مأخوذ ، و مباين بالجرّ عطف على سابقه أى بين مباين بين محارمه . و ما توهّمه الشّارح المعتزلي و تبعه غيره من أنّ الواجب كونه بالرّفع لا بالجرّ نظرا إلى أنّه ليس معطوفا على ما قبله ، بدليل أنّ جميع ما قبله يستدعي الشي‏ء و ضدّه ، أو الشي‏ء و نقيضه و قوله و مباين بين محارمه لا نقيض و لا ضدّ له ، لأنّه ليس القرآن العزيز على قسمين أحدهما مباين بين محارمه ، و الآخر غير مباين ، فانّ ذلك لا يجوز ، فوجب رفع مباين و أن يكون خبر مبتدء محذوف فيه أنّه إن أراد أنّ كلمة بين يستدعي الاضافة إلى اثنين فصاعدا نقيضا كان أحدهما للآخر أو ضدّا نظرا إلى عدم تماميّة المعنى بدونهما ، ففيه منع ذلك ، لما قد عرفت في الفصل السّابق من تجويزهم إضافته إلى شي‏ء واحد يقوم مقام شيئين كما في قوله تعالى : عوان بين ذلك ، و قول امرء القيس : بين الدّخول فحومل ، حيث [ 177 ] ردّوا من جوّز العطف بعدها بالفاء ، استدلالا بالبيت المذكور بأنّ الدّخول اسم لمواضع شتى . و إن أراد أنّ جميع ما ذكره عليه السّلام قبل قوله و مباين ممّا اقحم فيه كلمة بين قد ذكر عليه السّلام فيه الشي‏ء و ضدّه أو الشي‏ء و نقيضه ، و مباين لو كان مجرورا بالعطف للزم أن يذكر له ضدّا و نقيض و ليس فليس ، ففيه أنّ كون ما قبله على النّسق المذكور لا يستدعي كون ذلك على ذلك النّسق أيضا ، ألا ترى إلى قوله عليه السّلام بعد ذلك بين محارمه حيث لم يذكر له ضدّ و لا نقيض فان قلت : إنّ المحارم لما لم تكن شيئا واحدا بل بعضها من قبيل الكبائر و بعضها من قبيل الصّغائر كما بينها بقوله عليه السّلام : من كبير أوعد عليه نيرانه أو صغيراه لا جرم حسن الاكتفاء بها في مقام الاضافة قلت : أوّلا إنّ هذا هدم لما أسّسته ، و ثانيا أنّ المباين ليس أيضا شيئا واحدا شخصيّا ، بل هو مثل المحارم ، و بعبارة اخرى الحرمة المباينة بين المحارم تابعة للمحارم في تعدّد الأفراد فافهم جيّدا و أمّا قوله : لأنّ القرآن العزيز ليس على قسمين ، أحدهما مباين ، و الآخر غير مباين ، ففيه ان ذلك مما تضحك منه الثكلى ، ضرورة أنّ الكتاب ليس منحصرا في المباين ، بل بعضه جدل و بعضه قصص و بعضه مثل و بعضه أحكام و بعضه ترغيب و بعضه ترهيب ، كما أنّ بعضه مباين بين محارمه إلى غير ذلك ممّا اشتمل عليه ، و بالجملة فقد تلخص ممّا ذكرنا كله أنّ مباين مجرور معطوف على ما قبله و ليس بمرفوع على أنّه خبر مبتدء محذوف ، مضافا إلى أن جعله مرفوعا خلاف ما يستفاد 1 من سياق كلامه عليه السّلام سابقا و لاحقا . ----------- ( 1 ) يعنى ان توسط قوله و مباين بين قوله عليه السّلام بين مأخوذ ميثاق علمه الى قوله و زايل فى مستقبله و بين قوله عليه السّلام و بين مقبول فى ادناه اه يفيد كونه جاريا على ذلك النّسق بان يكون مجرورا بكلمة بين أيضا جريا للكلام على نسق واحد ، منه [ 178 ] المعنى ( ثمّ ) إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله لمّا بلّغ الرّسالة و أدّى الأمانة و أكمل الدّين و أتمّ النّعمة و هدى الأمّة من الضّلالة و أنقذها من الجهالة ( اختار ) اللّه ( سبحانه ) عند ذلك له أى ( لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله لقائه ، و رضى له ما عنده ) ممّا لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ( فأكرمه ) و أعزّه ( عن ) اللبث و البقاء في ( دار الدّنيا ، و رغب به ) و صرفه ( عن ) اقامة ( مقام ) المحنة و ( البلوى فقبضه ) أى قبض روحه الشّريف ( إليه ) أى إلى قربه الروحانى حالكونه ( كريما ) شريفا ( صلّى اللّه عليه و آله ) و كان قبضه صلّى اللّه عليه و آله لاثنتى عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل يوم الاثنين ، و هو ابن ثلاث و ستّين سنة على ما في الكافي ، و الاشهر أنّه لليلتين بقيتا من صفر ، و لم يمض صلّى اللّه عليه و آله حتّى بين للناس معالم دينهم ، و أوضح لهم سبيلهم ، و لم يتركهم بعده سدى و هملا ، بل خلف فيهم الثقلين على ما دلّ عليه الحديث المتواتر بين الفريقين و يأتي إنشاء اللّه في شرح المختار السّادس و الثّمانين و غيره من المقام اللايق و المناسب و من جملة طرقه الصّدوق : قال : حدّثنا أحمد بن الحسن القطان ، قال : حدثنا الحسن بن عليّ بن الحسين السكري عن محمّد بن زكريا الجوهري عن جعفر بن محمّد ابن عمارة عن أبيه عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ بن أبيطالب سلام اللّه عليهم ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّي مخلف فيكم الثقلين : كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ، و أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض كهاتين ، و ضمّ بين سبّابتيه ، فقام إليه جابر بن عبد اللّه ، فقال : يا رسول اللّه من عترتك ؟ قال صلّى اللّه عليه و آله : عليّ و الحسن و الحسين و الأئمة من ولد الحسين عليهم السّلام إلى يوم القيامة . و إلى ذلك المعنى أشار عليه السّلام بقوله : ( و خلف فيكم ) أى خلّى وراء ظهره مثل ( ما خلفت الأنبياء ) السّابقة و الرّسل السّالفة ( في اممها ) من آثار النّبوة و اعلام الرّسالة ( إذ لم يتركوهم هملا ) أى لم يتركوا اممهم يفعلون ما يشاءون كالابل التي رعت حيث تشاء و لا راعى لها ليلا و نهارا ، و يحتمل الجمع على ما مرّ أى لم [ 179 ] يتركوهم هاملين ( بغير طريق واضح ) يوصل إلى مقام القرب و الزلفى ( و لا علم قائم ) بينهم ينجي بهم عن ورطة الهلاكة و الرّدى أقول : قد عرفت في الفصل السّادس عشر أنّ بعث الأنبياء و الحجج عليهم السّلام إنّما هو لأن يدعوا الخلق إلى الحقّ بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و ليكونوا سببا لانتظام أمر معاشهم و معادهم ، لمكان ما جاءوا به من القانون العدل و الشّرع السّواء ، و لأجل ذلك مست الحاجة على أن يأتوا من عنده سبحانه بكتاب باق و علم قائم بعد انقراض قرن النبي المبعوث إلى زمن مجى‏ء بعث النبيّ الاخر ، ليكون تذكرة لهم ، وكيلا يندرس آثار النبوّة من الأرض و لا تنقطع بفقدانهم ، و لا يكون الخلق ينسون ما ذكروا به و غافلين و كالهمل من الحيوان يعملون ما يشتهون ، أو كالهمج الرّعاع لكلّ ناعق يصغون ، و لمّا كان شرع نبينا صلّى اللّه عليه و آله مستمرّا إلى يوم القيامة وجب له أن يخلّف لمن يليه ما يكون ذكرى و تذكرة في هذه المدّة المتطاولة و قد خلّف الثقل الأكبر مضافا إلى الثقل الاصغر و هو حبل ممدود من السماء إلى الارض ينجى به من المهالك و من فارقه فهالك و بيّن فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه النّاس كملا ، و كما جعله اللّه سبحانه خاتما للأنبياء فقد جعل كتابه خاتما للكتب ، فلا كتاب بعده أحلّ فيه حلالا و حرّم حراما ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و هو ( كتاب ربّكم ) و جعله النبي صلّى اللّه عليه و آله علما باقيا و طريقا قائما بين امّته حالكونه ( مبيّنا حلاله و حرامه ) كما قال تعالى : « أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و حَرَّمَ الرِّبوا » و قد يجعل الحلال أعمّ من المباح و المكروه ليكون ذلك مع قوله عليه السّلام : ( و فضائله و فرائضه ) إشارة إلى الأحكام الخمسة التي عليها مدار الفقه ، ليكون الفضائل إشارة إلى المندوبات ، و الفرائض إشارة إلى الواجبات ، و ذلك مثل قوله سبحانه : « فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلوةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ [ 180 ] فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقيمُوا الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ كانَتْ عَلىَ الْمُؤْمِنينَ كِتاباً مَوْقُوتاً » فانّ ذكر اللّه سبحانه بعد قضاء الصّلاة و فعلها داخل في المندوبات ، و إقامة الصّلاة بعد الاطمينان موقوتة مفروضة ( و ناسخه و منسوخه ) و المراد بالأوّل الحكم الرّافع للحكم الثّابت بالنصّ المتقدّم ، و يسمّى الثّاني و هو الحكم المرفوع منسوخا ، و مثال ذلك قوله تعالى : « وَ الْمُحْصَناتُ 1 مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » فانّه منسوخ بقوله تعالى : « وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ » و بقوله : « وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ » كما يدلّ عليه ما رواه في الكافي عن الحسن بن الجهم قال : قال لى أبو الحسن الرّضا عليه السّلام : يا با محمّد ما تقول في رجل يتزوّج نصرانيّة على مسلمة ؟ قلت جعلت فداك و ما قولي بين يدك ، قال : لتقولنّ فانّ ذلك تعلم به قولي ، قلت : لا يجوز تزويج نصرانية على مسلمة و لا على غير مسلمة ، قال : و لم ؟ قلت : يقول اللّه عزّ و جلّ « وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى‏ يُؤْمِنَّ » قال : فما تقول في هذه الآية « وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » قلت : فقوله : و لا تنكحوا المشركات نسخت هذه الآية فتبسّم عليه السّلام ثمّ سكت ( و رخصه و عزائمه ) الظاهر أنّ المراد بالعزائم الاحكام التي لا يجوز مخالفتها بحال من الأحوال ، مثل وجوب الاعتقاد و الاقرار بالتّوحيد كما قال تعالى : ----------- ( 1 ) اى احل لكم العقد على المحصنات كما يدل عليه سابق الاية و هو قوله احل لكم الطيبات و طعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين الاية ، منه [ 181 ] « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ » و بالرّخص ما يجوز مخالفته و اذن في تركه في بعض الأحيان لقيام الدّاعي إلى المخالفة كأكل الميتة في حال المخمصة على ما يدلّ عليه الآية الشّريفة « إِنَّما حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ بِه‏ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » و قريب منه ما قيل : من انّ الرّخص ما اذن في فعله مع قيام السّبب المحرّم لضرورة أو غيرها ، و العزائم ما كان من الاحكام الشّرعيّة جاريا على وفق سببه الشّرعى أقول : و ذلك مثل صوم شهر رمضان ، فانّه رخصة بمعنى أنّه يجوز تركه في حقّ الحامل المقرب و المرضعة القليلة اللّبن و الشيخ و الشيخة ، و يجب تركه في حقّ المريض و المسافر ، فيكون الافطار عزيمة لهما و « الصوم ظ » عزيمة في حقّ غيرهم من الجامعين لشرايط الوجوب ، قال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلىَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، أَيّاماً مَعْدُوداتٍ ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ، وَ عَلىَ الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لَهُ ، وَ أَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » فانّ الصّيام عزيمة في حقّ المؤمنين ، و رخص في تركه لمن كان مريضا أو على سفر فيجب له الافطار كما رخص جوازا في حقّ الذين لهم طاقة و ليس لهم وسع من الحامل المقرب و نحوها ممّن ذكرناه ، و إليه الاشارة بقوله : و على الذين يطيقونه ، فانهم مرخّصون في الافطار مخيرون بين الصّوم و الفدية و ان يصوموا خير لهم إن كانوا يعلمون ( و خاصّه و عامّه ) العام هو اللّفظ الموضوع للدلالة على استغراق أجزائه أو جزئياته ، و الخاص خلافه و الأوّل مثل قوله تعالى : [ 182 ] « أَقيمُوا الصَّلوةَ وَ آتُوا الزَّكوةَ » و قوله : « أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ » و الثّاني مثل قوله : « وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدينَةِ » و يحتمل أن يكون المراد بالعام ما لفظه موضوع للعموم و اريد منه ذلك أيضا : كقوله تعالى : « وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَليمٌ » و بالخاص ما لم يرد به ذلك و إن كان اللفظ موضوعا له ، مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس : « وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ » فانّ لفظه عامّ و معناه خاصّ ، لأنّها لم تؤت شيئا كثيرا منها الذكر و اللحية و قوله : « يا بَني إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلىَ الْعالَمينَ » لأنّ معناه خاصّ ، لأنّهم إنّما فضلوا على أهل زمانهم بأشياء خصّهم بها ( و عبره و امثاله ) العبر جمع العبرة مأخوذة من العبور الذي هو انتقال الجسم من مكان إلى آخر ، و معناها انتقال ذهن الانسان من شي‏ء إلى آخر بسبب من الأسباب ، كانتقاله من المصائب و الآلام الواقعة على الغير إلى نفسه فيقدّرها كانّها نازلة به ، فيحصل له بذلك رغبة عن الدنيا و ميل إلى العقبى ، قال تعالى : « فَأَخَذَهُ اللَّهُ 1 نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْاُولى‏ ، إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ » و هذا أكثر مواقع استعمالها ، و قد يستعمل في الانتقال من آثار الصّنع و القدرة إلى وجود الصّانع و صفات كماله ، قال سبحانه : « يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِاُولِى الْأَبْصارِ » ----------- ( 1 ) يعنى اخذ فرعون بعقوبة الاخرة و الدنيا و فيه عبرة لمن فى قلبه خوف و خشية و لم يتغشاه غطاء و قساوة منه . [ 183 ] و قال أيضا : « وَ إِنَّ لَكُمْ في الأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقيكُمْ مِمّا في بُطُونِه‏ مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبينَ » و أمّا الأمثال فكقوله عزّ من قائل : « مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلُوا التَّوْريةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » و قوله : « مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِأَةُ حَبَّةٍ » . ( و مرسله و محدوده ) المراد بالمرسل هو المطلق ، و هو على ما عرفه أكثر الأصوليّين اللفظ الدّالّ على شايع في جنسه ، و فرق الشّهيد في التّمهيد بينه و بين العام ، بأن المطلق هو الماهيّة لا بشرط شي‏ء و العام هو الماهيّة بشرط الكثرة المستغرقة ، و التّفصيل في ذلك موكول إلى الأصول ، و المراد بالمحدود هو المقيد مثال الأوّل قوله تعالى : « وَ إِذْ قال مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً » و مثال الثّاني قوله : « قالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فيها الآية » ( و محكمه و متشابهه ) قال تعالى : « هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْويلِه‏ » و المحكم مأخوذ من حاكمت و أحكمت بمعنى رددت و منعت ، و الحاكم يمنع [ 184 ] الظّالم من الظلم ، و بناء محكم أى وثيق يمنع من تعرّض له ، و سمّيت الحكمة حكمة لمنعها عمّا لا ينبغي ، و التّشابه أن يكون أحد الشّيئين شبيها بالاخر بحيث يعجز الذّهن عن التّميز بينهما ، قال تعالى : « إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا » و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك ، و لما كان من شأن المتشابهين عجز الانسان عن التّميز بينهما سمّي كلّ ما لا يهتدى الانسان إليه بالمتشابه إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب هذا . و عرّفهما المحقّقون من العامة و الخاصّة بأنّ اللفظ الموضوع لمعنى إمّا أن يحتمل غير ذلك أم لا ، الثّاني النّص ، و على الأوّل فإمّا أن يكون أحدهما راجحا و الآخر مرجوحا أم لا ، بل يكون احتماله لهما على السّواء ، فعلى الأوّل الرّاجح الظاهر ، و المرجوح المأوّل ، و الثّاني المشترك أو المجمل ، و القدر المشترك بين النّص و الظاهر هو المحكم ، و بين المجمل و المأوّل هو المتشابه . فقد ظهر من ذلك أنّ المحكم ما اتّضح دلالته ، و المتشابه خلافه و قد حقّقنا الكلام فيهما بما لا مزيد عليه في حواشينا على القوانين مثال الأوّل قوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، وَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ » و مثال المتشابه قوله : « وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلثَةَ قُروُءٍ » و قوله : « الرَّحْمنُ عَلىَ الْعَرْشِ اسْتَوى‏ » و التشابه في الاولى من جهة الاشتراك ، و في الثّانية من تعذّر الحقيقة و اختفاء قرينة المجاز ، و من المتشابه الحروف المقطعة في أوايل السّور مثل الم و حم و طه و نحوها و قوله عليه السّلام ( مفسرا جمله ) المراد بالجمل الألفاظ المجملة المحتملة المحتاجة إلى التّفسير و البيان ، مثل ثلاثة قروء في الآية السّابقة المردّدة بين الطهر و الحيض ، و منه على مذهب البعض قوله : [ 185 ] « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ ، و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ ، وَ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهيمَةُ الْأَنْعامِ » و أمثالها ممّا اضيف فيه التحليل و التّحريم إلى الأعيان 1 فانّ إرادة الحقيقة فيها غير ممكنة ، و المجازات متعدّدة ، و اللفظ مجمل بالنّسبة إليها و محتمل لكلّ منها ( و مبينا غوامضه ) أى معضلاته و مشكلاته . ثمّ أشار عليه السّلام إلى تقسيم الكتاب بنحو آخر بقوله : ( بين مأخوذ ميثاق علمه ) أي على كلّ أحد لا يقبل العذر فيه ، و ذلك مثل معرفة الصّانع و توحيده قال تعالى : « وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ الآية » ( و ) بين ( موسّع على العباد في جهله ) كالمتشابهات التي جعل علمها مخصوصا بالرّاسخين في العلم ، و غيرهم منها في سعة كما قال : ( وَ ما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ في الْعِلْمِ ) ( و بين مثبت في الكتاب فرضه ، و معلوم في السنة نسخه ) هذا الكلام نصّ و صريح في وقوع نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة ، فيدلّ على جوازه بطريق أولى ، لأنّ الوقوع أخصّ من الامكان ، و هو مذهب أصحابنا رضي اللّه عنهم و المتكلمين من المعتزلة و الأشاعرة ، و إليه ذهب أصحاب أبي حنيفة و مالك ، و خالف فيه الشافعي و أكثر الظاهريّة على المحكى عنهم في النّهاية و الحنبلى في إحدى الرّوايتين عنه ، و المسألة معنونة في الاصول و يشهد بوقوعه قوله : ----------- ( 1 ) لا يخفى ان الاية الاولى اعنى قوله ثلثة قروء مثال لما كان الاجمال من جهة الاشتراك و تعدد المعانى الحقيقية و الايات الاخيرة امثلة لما كان جهة الاجمال كثرة المعانى المجازية و تردد اللفظ بينها ، منه . [ 186 ] ( وَ الّلاتي يَأْتينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتّى‏ يَتَوَفّيهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبيلاً ، وَ اللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوّاباً رَحيما ) فانّ مفاد الآية الاولى حبس الفواحش من النّساء في البيوت إلى حين الممات ، كما أنّ مفاد الثّانية وجوب ايذاء الآتين للفاحشة ، ثمّ نسخ ذلك أى الحبس و الايذاء بالجلد الثابت لغير المحصن و المحصنة بالكتاب أعني قوله : ( الزّانِيَةُ وَ الزّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِأَةَ جَلْدَةٍ ) و بالرّجم الثابت لهما بالسنة النبويّة و أمّا ما قيل : من أنّ الآية الاولى منسوخة بآية الجلد و الرّجم الثّابت بالسنة مضاف إلى الجلد زيادة و ليس نسخا له ، و أنّ الآية الثانية باقية بحالها غير منسوخة إذ الزّاني المستحق للحدّ يذمّ أوّلا و يعنف ، ثمّ يحدّ فليست الآيتان منسوختين بالسنة ففيه منع اضافة الجلد إلى الرّجم دائما كمنع إضافة الرّجم إليه كذلك ، بل بعض الفاحشات مستحقّة للجلد فقط و بعضها للرّجم فقط و بعضها يجمع لها بين الحدّين على ما فصل في الكتب الفقهية و أمّا ما قاله الشّارح البحراني في تقرير الاستشهاد بهما على المدّعى : من أنّه كانت الثيب إذا زنت في بدء الاسلام تمسك في البيوت إلى الممات ، و البكر تؤذى بالكلام و نحوه بمقتضى هاتين الآيتين ، ثمّ نسخ في حقّ الثّيب بالرّجم و في حقّ البكر بالجلد و التعزير بحكم السّنة ففيه أوّلا أن الآية الأولى غير مختصّة بالثّيب بل شاملة لها و للبكر ، اللهمّ إلاّ أن يقال باستفادة الثّيبوبة من الاضافة ، لأنّه سبحانه أضافهن إضافة زوجيّة إذ لو أراد غير الزوجات لقال : من النّساء ، و لم يقل : من نسائكم ، فالبكر تكون خارجة عنها [ 187 ] و ثانيا أنّ السنّة لم تقم على الرجم في حقّ الثيب مطلقا بل في حقّ المحصنة منها فاللازم تبديل لفظ الثّيب في قوله : ثمّ نسخ ، في حقّ الثّيب بالمحصنة و ثالثا أنّ ثبوت الجلد للبكر إنّما هو بالكتاب لا بحكم السنّة ، لا يقال إنّ غاية ما يستفاد من الكتاب هو جلد الزّانية مأة جلدة ، و كون المراد بها هي البكر الغير المحصنة ممّا استفيد من السّنة ، فثبوت الجلد في حقّها قد كان بحكم السنّة فكان النّاسخ هو السنّة دون الكتاب ، لأنا نقول : إنّ النّاسخ هو الكتاب ، و السنّة بيان لما هو المراد بالنّاسخ فافهم و رابعا أنّ المستفاد من كلامه ( ره ) أنّ الآية الاولى واردة في حقّ الثيب و الآية الثّانية في حقّ البكر و هو خلاف ما يستفاد من الأخبار ، فانّ المستفاد منها أن الأولى واردة في حقّ النّساء ، و الثّانية في حقّ الرّجال قال عليّ بن إبراهيم القميّ ( ره ) عند تفسير الآيتين : فانّ في الجاهليّة إذا زنى الرّجل يؤذى و المرأة تحبس في بيت إلى أن تموت ، ثمّ نسخ ذلك بقوله : الزّانية و الزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مأة جلدة . و روى في الوسائل عن رسالة المحكم و المتشابه للمرتضى ، نقلا من تفسير النّعماني بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام في حديث النّاسخ و المنسوخ ، قال : كان من شريعتهم في الجاهليّة أنّ المرأة إذا زنت حبست في البيت و اقيم بادوها حتّى يأتيها الموت ، و إذا زنى الرّجل نفوه عن مجالسهم و شتموه و آذوه و عيّروه و لم يكونوا يعرفون غير هذا ، قال اللّه تعالى في أوّل الاسلام و اللاّتي يأتين الفاحشة إلى آخر الآيتين ، فلمّا كثر المسلمون و قوى الاسلام و استوحسوا امور الجاهليّة أنزل اللّه تعالى : الزّانية و الزّاني ، الاية ، فنسخت هذه آية الحبس و الأذى أقول : و لعلّ مراده عليه السّلام نسخ هذه الآية لتلك الآيتين في حقّ غير المحصن و المحصنة فلا ينافي ما قرّرناه في مقام الاستشهاد كما لا يخفى ( و ) بين ( واجب في السنّة أخذه ، و مرخّص في الكتاب تركه ) هذا الكلام كسابقه صريح في عكس [ 188 ] سابقه ، و هو وقوع نسخ السنّة بالكتاب ، فيدلّ على الجواز بالأولويّة حسبما مرّ و هو مذهب الاماميّة و الأشاعرة و المعتزلة و جميع فقهاء العامّة ، و المخالف منحصر في الشّافعي على ما حكى عنه ، و الشّاهد على وقوعه أنّ التّوجّه إلى بيت المقدّس كان واجبا في ابتداء الاسلام بالسنّة خاصّة ، لعدم دليل في الكتاب عليه ثمّ نسخ بقوله تعالى : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) و أنّ مباشرة النّساء في اللّيل كانت محرّمة على الصّائمين بالسنّة أيضا ، و قد نسخ بقوله تعالى : ( فَالْآنَ باشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) و أنّ صوم عاشوراء كان واجبا بالسنّة ، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان بقوله : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) كما رواه في الوسائل عن الحارث العطار ، قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عن صوم عاشوراء فقال صوم متروك بنزول شهر رمضان ، و المتروك بدعة ، و فيه أيضا عن زرارة بن أعين و محمّد بن مسلم جميعا أنّهما سألا أبا جعفر الباقر عليه السّلام عن صوم يوم عاشور ، فقال : كان صومه قبل شهر رمضان ، فلمّا نزل شهر رمضان ترك ( و بين واجب لوقته و زايل في مستقبله ) كالنّذر و العهد و اليمين الموقت بوقت معيّن ، قال تعالى : ( وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسئُولاً ) و قال أيضا : ( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً ) و تمثيل الشّارح البحراني له بالحجّ الواجب في العمر مرّة لا معنى له ، إذ الحجّ و إن كان واجبا في العمر مرّة إلاّ أنّه لا يزول وجوبه في المستقبل ، مع عدم الاتيان ، [ 189 ] بل يجب في العام القابل و يجب قضاؤه مع عدم الاتيان به دوام العمر فان قيل : لعلّ مراده عليه السّلام بقوله : و زايل في مستقبله ، هو زوال الوجوب بعد الاتيان بالواجب ، و على ذلك فيصحّ التّمثيل قلت : لو بنى على ذلك لاستوى فيه جميع الواجبات سواء كان وجوبه في العمر مرّة أو غير مرّة ضرورة أنّ كلاّ منها مع الاتيان يوجب سقوط التكليف ، فلا يبقى بعد الاتيان و الامتثال وجوب كما هو ظاهر لا يقال كيف يمكن إنكار الفرق بين الحجّ و بين صلاة الظهر و أمثالها من الواجبات المكرّرة ، مع أنّ الحجّ إذا اتى به مرّة يزول التكليف به بعده ، بخلاف الظهر فان الاتيان به في ذلك اليوم لا يوجب سقوط الوجوب في الغد لأنّا نقول : إن أردت من عدم سقوط الوجوب في الغد عدم سقوط وجوب الظهر المأتي به في ذلك اليوم ، ففيه انّه ساقط قطعا إذ لا معنى للامتثال عقيب الامتثال و إن أردت عدم سقوط وجوب الظهر الواجب عند زوال الغد ، ففيه أنّه واجب مستقبل لا منافاة بين وجوبه و سقوط وجوب ظهر اليوم بعد الاتيان به في وقته فافهم جيّدا و من العجب جعله الحجّ من الموقتات مع أنّه لا وقت له فلو بدّله بصلاة الجمعة و مثل بها كما فعله الشّارح المعتزلي لكان له وجه ( و ) بين حكم ( مباين بين محارمه ) جمع محرم كمقعد ، و المراد بها المحرّمات التي هي محل الحرمة ، و المراد بالحكم المباين أى المفاصل هو الحرمة ، و المعنى و بين حرمة مفاصلة بين محال الحرمة ، اى مفرقة بين محرّمات الكتاب بالشدّة و الضّعف كما بيّنه بقوله : ( من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه ) فرّق بين الكبير و الصغير بأنّ الأوّل ما توعّد عليه بالنّيران ، و الثاني ما اعدّ له الغفران و بهذا صرّح في جمع من الأخبار ، مثل ما رواه المفيد عن عباد بن كثير قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الكبائر ، فقال كلّ ما أوعد اللّه عليه النّار و في الوسائل عن عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام قال : سألته عن الكبائر التي قال اللّه عزّ و جلّ : [ 190 ] « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ » قال : التي أوجب اللّه عليه النار ، و بمعناهما أخبار اخر و في بعض الأخبار أنّها سبع ، و هو ما رواه في الكافي عن ابن محبوب ، قال كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي ؟ فكتب عليه السّلام : الكبائر من اجتنب ما أوعد اللّه عليه النّار كفّر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا و السّبع الموجبات قتل النّفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الرّبوا و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزّحف . و مثله في تعيين السّبع المذكور رواية ثواب الأعمال باسناده عن أحمد بن عمر الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، و زيد في بعض الأخبار على السّبع ، و نقص في اخرى و اختلف الحاصر لها في السّبع أيضا في تعيينها ، و بالجملة الأخبار كالأقوال في المقام مختلفة جدّا و قد جمعوا بينها بحمل الكبيرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أصغر منه و الصّغيرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أكبر منه ، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزّنا ، و كبيرة بالنسبة إلى النّظر و هكذا قال الصّدوق : الأخبار في الكبائر ليست مختلفة ، لأن كلّ ذنب بعد الشّرك كبير بالنّسبة ألي ما هو أصغر منه ، و كلّ كبير صغير بالنّسبة إلى الشّرك باللّه و في مجمع البيان عند تفسير قوله تعالى : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » قال : اختلف في معنى الكبيرة ، فقيل : كلّ ما أعد اللّه عليه في الاخرة عقابا و أوجب عليه في الدّنيا حدّا فهو كبيرة ، و هو المرويّ عن سعيد بن جبير و مجاهد ، و قيل : كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة ، عن ابن عباس و إلى هذا ذهب أصحابنا ، فانّهم قالوا : المعاصي كلّها كبيرة من حيث كانت قبايح لكن بعضها أكبر من بعض ، و ليس في الذّنوب صغيرة و إنّما تكون بالاضافة إلى ما هو أكبر منه و يستحق العقاب عليه أكثر هذا و أكثر الأخبار جمعا و احتواء لها ، ما رواه الصّدوق باسناده ، و الطبرسي في [ 191 ] مجمع البيان جميعا عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني ، قال حدثني أبو جعفر الثاني عليه السّلام قال سمعت أبي يقول : سمعت أبي موسى بن جعفر عليه السّلام يقول : دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه عليه السّلام فلمّا سلم و جلس تلا هذه الآية : « الَّذينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشِ » ثمّ امسك ، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام ما أسكتك ؟ قال أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه ، فقال عليه السّلام : نعم يا عمرو أكبر الكبائر الاشراك باللّه يقول اللّه : « وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » و بعده الاياس من روح اللّه ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » ثمّ الأمن من مكر اللّه ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » و منها عقوق الوالدين ، لأنّ اللّه سبحانه جعل العاق جبّارا شقيّا ، و قتل النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها » إلى آخر الآية ، و قذف المحصنة لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « لُعِنُوا في الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ » و أكل مال اليتيم ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « إِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعيراً » و الفرار من الزحف ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ [ 192 ] فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْويهُ جَهَنَّمُ و بِئْسَ الْمَصيرُ » و أكل الرّبوا لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « أَلَّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » و السّحر لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَريهُ ما لَهُ في الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » و الزّنا ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يلْقَ أَثاماً ، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَ يَخْلُدْ فيهِ مُهاناً » و اليمين الغموس الفاجرة لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « الَّذينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ و أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَليلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ في الْآخِرَةِ » و الغلول لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : « وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ » و منع الزّكاة المفروضة ، لأنّ اللّه عزّ و جل يقول : ( فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ و ظُهُورُهُمْ ) و شهادة الزّور و كتمان الشّهادة ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : ( وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) و شرب الخمر ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان ، و ترك [ 193 ] الصّلاة متعمّدا أو شيئا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال : من ترك الصّلاة متعمّدا فقد برء من ذمة اللّه و ذمّة رسوله ، و نقض العهد و قطيعة الرّحم لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : ( لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) قال : فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و يقول : هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم ( و بين مقبول في أدناه و موسّع في أقصاه ) كالقيام إلى صلاة اللّيل ، فانّ قليله مقبول و الكثير منه موسّع ، قال تعالى : ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَليلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قليلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقَرْآنَ تَرْتيلاً ) و قال أيضا : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طآئِفَةٌ مِنَ الَّذينَ مَعَكَ ، وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) أى صلّوا ما تيسّر من الصلاة في اللّيل ، عبّر عن الصّلاة بالقرآن ، لأنّها تتضمّنه و كقرائة القرآن ، فانّه مرغوب فيها و من القربات المستحبة قليلها مقبول و النّاس من الكثير منها في سعة ، و بها فسّرت الآية الأخيرة في أحد التّفسيرين ، و روى في مجمع البيان عن الرّضا عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال : ما تيسّر منه أى من القرآن لكم فيه خشوع القلب و صفاء السّر هذا . و ينبغى تذييل هذا الفصل بامور مهمة مفيدة لزيادة البصيرة الاول في الاشارة إلى فائدة إنزال القرآن و نعته بلسان الرّمز و الاشارة و بيان [ 194 ] جملة من القابه و أسمائه . فاقول : اعلم هداك اللّه إلى الصّراط المستقيم ، و ثبّتك على المنهج القويم ، أنّ القرآن لما كان اصله مكتوبا : « في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ » بلا صحائف و لا أوراق ، لكونه قبل وجود الأنفس و الآفاق ، و كنا في ابتداء وجودنا ضعفاء العقول ، ضعفاء الأبصار و لم يكن تصل قوة أنظارنا إلى أطراف هذه الأرقام ، و أكناف هذه الكلمات العظام ، لتعاظم حروفها ، و تعالى كلماتها ، و تباعد أطرافها و حافاتها ، لا جرم تضرعنا إليه سبحانه بلسان احتياجنا و استعدادنا ، و قلنا : إلهنا ارحم على قصورنا ، و لا تؤيسنا عن روحك و رحماتك ، و اهدنا سبيلا إلى مطالعة كلماتك ، و وصولا إلى رضوانك و جنّاتك ، فتلطف سبحانه بنا بمقتضى عنايته الشّاملة ، و حكمته الكاملة و رحمته الواسعة ، و قدرته البالغة ، فاعطى لنا نسخة مختصرة من أسرار كتبه الجامعة ، و انموزجا وجيزا من معاني كلماته التّامة و هو القرآن الكريم و الصّراط المستقيم ، و التّنزيل من العزيز الرّحيم ، نزّله على النّبي الأمين ، لانجاء العباد من سلاسل تعلّقات النّفس ، و وساوس الشّيطان اللّعين ، فلو كشف نقاب العزّة عن وجهه ، و رفع جلباب العظمة و الكبرياء عن سرّه ، لشفى كلّ عليل ، و روى كلّ غليل ، و داوى كلّ مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة ، و أسقام الجهالات المهلكة ، و أنجى المقيدين بسلاسل التعلّقات ، و المزيّنين بحبّ الأهل و الأولاد و الشّهوات ، و هو مع عظمة قدره و علوّ منزلته و سموّ مكانه ، قد تلبّس بلباس الحروف و الأصوات ، و اكتسى بكسوة الألفاظ و العبارات ، رحمة منه سبحانه على العباد ، و شفقة على خلقه و تقريبا إلى أفهامهم و مداراة معهم ، و منازلة إلى اذواقهم ، و إلاّ فما للتّراب و ربّ الأرباب ، ففي كلّ حرف منه ألف رمز و إشارة ، و فيكلّ لفظ ألف سرّ و كناية . و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما رواه في الكافي باسناده إلى الصّادق عليه السّلام عن [ 195 ] آبائه ، عنه صلّى اللّه عليه و آله : أيّها النّاس إنّكم في دار هدنة و أنتم على ظهر سفر 1 و السّير بكم سريع و قد رأيتم اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر يبليان 2 كلّ جديد و يقربان كلّ بعيد و يأتيان بكل موعود ، فأعدّوا الجهاز 3 لبعد المجاز قال : فقام المقداد بن الأسود ، فقال يا رسول اللّه : و ما دار الهدنة ؟ قال : دار بلاغ و انقطاع فاذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفّع و ماحل 4 مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنّة و من جعله خلفه ساقه إلى النار و هو الدّليل يدلّ على خير سبيل و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل ، و هو الفصل 5 ليس 6 بالهزل ، و له ظهر و بطن ، فظاهره حكم ، و باطنه علم ، ظاهره أنيق 7 و باطنه عميق له تخوم 8 و على تخومه تخوم 9 ، لا تحصى عجائبه ، و لا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة ، و دليل على المعرفة لمن عرف الصّفة ، فليجل 10 جال بصره ، و ليبلغ الصّفة نظره ، ينج من عطب و يتخلص من نشب 11 فانّ التفكر حياة قلب البصير كما يمشى المستنير في الظلمات بالنّور ، فعليكم بحسن التخلص و قلة التربص هذا . و لغاية عظمته و منتهى جلالته سمّي بأسماء مختلفة و لقّب بألقاب كثيرة ، ----------- ( 1 ) التنكير اشارة الى ما هو به و عظمته و هيبته ----------- ( 2 ) اى يفنيان م ----------- ( 3 ) جهاز السفرا هبة السفر و ما يحتاج إليه فى قطع المسافة م ----------- ( 4 ) قال الطريحى فى الحديث من محل به القرآن يوم القيامة صدق اى سعى به يقال محل بفلان اذا قال عليه حولا يوقعه فى مكروه انتهى ، فعلى هذا يكون قوله و ما حل اشارة الى سعاية القرآن فى يوم الحساب ممن ضيعه و نبذه وراء ظهره ، منه ----------- ( 5 ) اى الفاصلة بين الحقّ و الباطل م ----------- ( 6 ) اى ليس فيه من الهزلات الشعرية م‏ل ----------- ( 7 ) اى حسن معجب م ----------- ( 8 ) تخم الارض حده و الجمع تخوم كفلس و فلوس م ----------- ( 9 ) و فى بعض النسخ له نجوم و على نجومه نجوم و قد فسره المجلسى فى عين الحيوة بالائمة « ع » م ----------- ( 10 ) من جال يجول دار ، م ----------- ( 11 ) هو من قولهم نشب فى الشي‏ء اذا وقع فيما لا مخلص منه ، مجمع [ 196 ] لأنّ الشي‏ء كلما ازداد جلالة و رفعة ازداد نعتا و وصفا : فمنها الكتاب قال تعالى : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ » و منها القرآن : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَريمٌ » و منها الفرقان لكونه فارقا بين الحقّ و الباطل ، قال سبحانه : « وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ » و منها النّور ، لأنّه نور عقليّ ينكشف به أحوال المبدء و المعاد و يترا أى منه حقائق الأشياء ، و يهتدى به في ظلمات برّ الاجسام و بحر النفوس و يظهر به للسالكين إلى الدار الاخرى طريق الجنة و طريق النار ، قال تعالى : « قَدْ جآئَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ و كِتابٌ مُبينٌ يَهْدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ و يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلىَ النُّورِ » . و منها الحكمة ، قال تعالى : « و يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ » و هي عبارة عن أفضل علم بأحكم معلوم و لا يوصف بها إلاّ المتجرّدون عن جلباب البشريّة ، و المنسلخون عن لباس هذا الوجود الكوني و لذلك قال سبحانه بعد قوله : و يعلّمهم الكتاب و الحكمة : « ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ » و منها الرّوح ، قال تعالى : « يُلْقِي الرُّوحَ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » و منها الحقّ ، لأنّه ثابت لا يتغيّر أبدا من حقّ الأمر إذا ثبت ، و لأنّه صادق مطابق للواقع لا يعتريه شكّ و ريب ، قال تعالى . « بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتيهُمْ مِنْ نَذيرٍ » [ 197 ] و منها الهدى ، لأنّه يهدى إلى الصّراط المستقيم ، قال تعالى : « هُدىً لِلمُتَّقينَ ، و ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِه‏ مَنْ يَشاءُ » و منها الذّكر ، « إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ و لِقَوْمِك وَ سَوْفَ يُسْئَلُونَ » سمّي به لأنّه يتذكر به امور الآخرة و أحوال المبدء و المعاد . و منها النّبأ العظيم ، لأنّه يخبر عن عالم الغيب و المغيبات ، قال : « بَلْ هُوَ نَبَأٌ عَظيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ » و منها الشّفاء ، لأنّه يقع به الشّفاء على الأمراض النّفسانيّة و الأسقام الباطنية قال تعالى : « قُلْ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هُدىً و شِفاءٌ » و منها الرّحمة ، قال تعالى : « وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » و منها العليّ الحكيم ، قال تعالى : « وَ إِنَّهُ في أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكيمٌ » أمّا كونه عليّا فلأنّ أصله من العالم العلوي ، و أمّا كونه حكيما فواضح . و منها التّنزيل و منها البشير النّذير و منها العزيز و منها الموعظة الحسنة و منها المجيد إلى غير ذلك من الألقاب و الأسماء و لا شكّ أنّ كثرة الأسامى و الأوصاف تدلّ على عظم شأن المسمّى و الموصوف ، و اللّه العالم بجلالة شأن كلامه و رفعة مرتبة كتابه و مقامه . الثانى أنّه لا بدّ أن يعلم أنّ القرآن الذي نزل به الرّوح الأمين على سيّد المرسلين صلوات اللّه عليه و آله أجمعين هل هو ما بين الدّفتين و ما وصل إلينا و تناولته أيدينا أم لا بل الواصل إلينا بعض القرآن و أنّ القرآن الأصيل الذي نزل به جبرئيل [ 198 ] قد حرّف و بدّل و زيد عليه و نقص عنه ، اختلف فيه الأصحاب . فالذي ذهب إليه أكثر الأخباريّين على ما حكى عنهم السّيد الجزايري في رسالة منبع الحياة و كتاب الأنوار هو وقوع التحريف و الزّيادة و النّقصان . و إليه ذهب عليّ بن إبراهيم القميّ ، و تلميذه محمّد بن يعقوب الكليني ، و الشّيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي ، و المحدّث العلامة المجلسي قدّس اللّه روحهم . و ذهب المرتضى على ما حكي عنه ، و الصدوق في اعتقاداته ، و الشّيخ في التّبيان و الطبرسي في مجمع البيان إلى عدمه ، و عزى ذلك إلى جمهور المجتهدين بل الظاهر من الصّدوق قيام الاجماع عليه حيث قال في اعتقاداته : إنّ اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزل اللّه على نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله هو ما بين الدّفتين ، و هو ما في أيدي النّاس ليس بأكثر من ذلك إلى أن قال و من نسب إلينا انّا نقول : إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب انتهى . و مثله الشّيخ ، حيث ادّعى قيامه على عدم الزّيادة ، قال في محكي كلامه : و أمّا الكلام في زيادته و نقصانه فممّا لا يليق به ، لأنّ الزّيادة فيه مجمع على بطلانه ، و أمّا النّقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، و هو الأليق بالصّحيح من مذهبنا ، و هو الذي نصره المرتضى ( ره ) ، و هو الظاهر من الرّوايات ، غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة و العامّة بنقصان كثير من آى القرآن طريقها الآحاد لا توجب علما ، فالأولى الاعراض و ترك التشاغل بها ، لأنّها يمكن تأويلها انتهى . و مثله الطبرسي في مجمع البيان حيث قال : فأمّا الزّيادة فيه فمجمع على بطلانه و أمّا النّقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا و جماعة من حشويّة العامة ، أنّ في القرآن تغييرا و نقصانا ، و الصّحيح من مذهب أصحابنا خلافه . قال : و هو الذي نصره المرتضى و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيّات ، و ذكر في مواضع أنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقايع العظام و الكتب المشهورة و أشعار العرب [ 199 ] المسطورة ، فانّ العناية اشتدت و الدّواعي توفّرت على نقله و حراسته ، و بلغت إلى حدّ لم تبلغه فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النّبوة و مأخذ العلوم الشّرعية ، و الأحكام الدّينيّة ، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية ، حتّى عرّفوا كلّ شي‏ء اختلفوا فيه من إعرابه و قرائة حروفه و آياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّرا أو منقوصا مع العناية الصادقة و الضّبط الشّديد . و قال 1 أيضا قدّس سرّه : و إنّ العلم بتفصيل القرآن و أبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ، ككتاب سيبويه و المزنى فان أهل العناية بهذا الشّان يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتّى لو أنّ مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في النّحو ليس من الكتاب لعرف و ميّز و علم أنّه ملحق ، و ليس من أصل الكتاب ، و كذلك القول في كتاب المزنى ، و معلوم أنّ العناية بنقل القرآن و ضبطه أضبط من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشّعراء . ثم قال الطبرسيّ : و ذكر أى المرتضى أنّ من خالف في ذلك من الاماميّة و الحشويّة لا يعتدّ بخلافهم ، فانّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى ما ذكره في مجمع البيان . و هذه العبارات منه و ممّن سبق ذكره كما ترى مطبقة في صحّة نقل ما بين الدّفتين و عدم وقوع تغير فيه بوجه من الوجوه ، و إنّما اختلفت في دعوى الاجماع . فالظاهر من الصّدوق كما عرفت قيامه على عدم التغير بوجه ، حيث نسب ذلك إلى اعتقاد الاماميّة . و عبارة الشّيخ و الطبرسي حسبما حكيناها صريحة في قيامه على عدم الزّيادة و تبعهما على ذلك من متأخري المتأخّرين السيّد المحقق الكاظمي في شرح الوافية ----------- ( 1 ) الظاهر ان كلامه هذا اشارة الى نفى الزيادة فى القرآن كما ان ما ذكره قبل ذلك اشارة الى نفى مطلق التغيير ، منه [ 200 ] حيث ، قال : اتّفق الكلّ لا تمانع بينهم على عدم الزّيادة ، و نطقت به الأخبار ، و المرتضى رضي اللّه عنه و إن لم يدّع الاجماع عليه إلاّ أنّه ( ره ) حسبما عرفت أشد نكيرا منهم لدعواه العلم الضّروريّ به . إذا عرفت ذلك فأقول : المختار عندي هو وقوع النّقصان فيه دون الزّيادة ، و لا بأس بذكر أدلّة الطرفين و ما يمكن الاستدلال به عنهم حتّى يتّضح الحقّ من البين ، و لنقدّم أدلة النّافين لكون قولهم مطابقا للأصل ، ثمّ نتبعها بأدلة المثبتين فنقول : احتج النّافون القائلون بالعدم بوجوه بعضها دالّ على عدم التغيير مطلقا و بعضها مختص بنفى الزّيادة . الاول الاجماع المستفاد من كلام الصّدوق السّابق و المنقول في كلام الشيخ و الطبرسي صريحا حسبما تقدم . و فيه بعد الغضّ عن حجّية الاجماع المنقول في نفسه أنّ حجيّته إنّما هو من جهة افادته الظنّ و هو لا يكافؤ القطع الحاصل من الأخبار المتواترة المفيدة للنقيصة حسبما تعرفها إنشاء اللّه ، نعم هو حجّة على مدّعي الزّيادة ، لأنّ الظنّ الحاصل من أدلتها لا يقاوم الظنّ الحاصل منه . الثانى ما ظهر من كلام المرتضى من توفّر الدّواعي و اشتداد العنايات على حفظه و ضبطه ، لكونه معجزة النّبوة و مأخذ العلوم الشّرعيّة و مدرك الأحكام الدّينية . و فيه منع توفر الدّواعي على الحفظ و الضبط لو لم يقم على التّضييع و التّحريف . و ما استدلّ به عليه أولا من كونه متضمنا للتحدّي و الاعجاز ، و ثانيا من كونه مدرك الأحكام الشّرعيّة لا ينهض على الاثبات : أما الأول فلأنّه إنّما يتمّ لو انحصر طريق إثبات النّبوة فيه ، كانحصار معجزة عيسى عليه السّلام في الطب و إبراء الأكمه و الأبرص ، و معجزة موسى عليه السّلام في [ 201 ] العصا و اليد البيضاء ، و أمّا مع عدم الانحصار فلا تتوفّر الدّواعي عليه ، كأكثر معجزاته لم يتوافر بعد . فان قلت : سلّمنا عدم انحصار معجزته فيه و لكنّه أظهر المعجزات و أقويها و آكدها فتوفّر الدّواعي عليه . قلت : إنّ الاعجاز كما يحصل بالجميع كذلك يحصل بالبعض ، إذ المناط في الاعجاز هو الفصاحة و البلاغة و غرابة الاسلوب و حسن النّظم ، و هي باقية بحالها لم تتغيّر و لم تتبدّل ، فلا يخرجه وقوع التّحريف فيه عن كونه دليلا للنّبوة و الرّسالة ، بل لو فرض و العياذ باللّه سقوط جميع آياته عن الاعجاز لكفانا فيه قوله : « وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقيهِ في الْيَمِّ وَ لا تَخافي وَ لا تَحْزَني إِنّا رآدّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلينَ » فانّها مع اختصارها و وجازتها مشتملة على أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين . و حكى أن بعضهم سمع بدويّة تنشد أبياتا ، فقال لها : للّه درّك ما أفصحك ، فقالت : الفصاحة للّه و ذكرت هذه الآية ، و قوله سبحانه : ( وَ قيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي مآءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعي وَ غيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلىَ الْجُودِيِّ الآية ) لأنّها مشتملة على وجوه عديدة 1 من الفصاحة يقطع معها بأنّها خارجة عن ----------- ( 1 ) منها قوله و قيل فانه يدل على انه سبحانه فى الجلال و العلو و العظمة بحيث لا يتبادر الذهن من القائل الا اليه و لا يتوجه الفكر الا الى ان ذلك القائل هو هو و منها مخاطبة الارض و السماء بما يخاطب به العاقل فان فيه اشارة الى انهما مع كونهما جمادا فى مقام الخضوع و الانقياد و قبول الامر التكوينى مثل العقلاء فى قبول الامر التكليفى و ان حكمه نافذ فيهما و انهما مقهور ان مغلوبان تحت قدرته و قهره مع ما هما عليه من الشدّة و القوة و العظمة ، و منها ما فى قوله و قضى الامر من الدلالة على ان كل ما قضى به و قدره سبحانه فى الازل فصار حتما و قدرا لازما لا محالة يكون واقعا و انه لا راد لقضائه و لا مانع من نفاذ حكمه فى ارضه و سمائه ، و منها حسن تقابل الالفاظ و ايتلاف المعنى ، و منها حسن البيان فى تصوير الحال ، و منها الايجاز من غير اخلال الى غير هذه من الوجوه التى لا يخفى على المتدبر منه [ 202 ] وسع البشر . و قد روي أنّ من تكلّم من قريش بكلام فصيح كان يعلّقه على الكعبة مباهاة و تفاخرا ، فلمّا نزل الآية هذه ذهبوا في ظلام اللّيل و أخذوا ما علّقوه مخافة الفضاحة و الشّناعة . و في مجمع البيان يروي أن كفّار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن ، فعكفوا على لباب البرّ و لحوم الضأن و سلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم ، فلما أخذوا فيما أرادوا و سمعوا هذه الآية تركوا ما اخذوا فيه و افترقوا . و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ وقوع التّحريف لا يخرجه عن الاعجاز حتّى تبقى النّبوة الخاصّة بلا دليل ، لأنّ الفصاحة باقية على حالها بل ساير وجوه الاعجاز أيضا موجودة فيه كالصّرفة و اشتماله على القصص و الحكايات ، و الاخبار عن المغيبات و عدم الاختلاف فيه مع طوله إلى غير هذه من الجهات . و أما الثانى فلأنّ المتيقّن الثّبوت من الأخبار الآتية هو طروّ التّحريف على الآيات المشتملة على فضائل أهل البيت و فضايح أهل النّفاق ، و أمّا طروّه على آيات الأحكام فهو بعد غير ثابت ، فالأدلة القطعية الدّالة على جواز العمل بالظواهر و استنباط الأحكام الشّرعية منها محكمة ، و لم يثبت مانع منها ، فلا يرفع اليد عن مقتضاها ، و مجرّد احتمال وجود المانع لا يكفي في رفع اليد عن اقتضاء المقتضى . و بالجملة كون القرآن مدرك الأحكام الشّرعيّة إنّما يدلّ على عدم وقوع التّحريف و النّقصان في آيات الأحكام ، و يستلزم توفّر الدّواعي فيها فحسب لا مطلقا . و هذا كلّه مبنىّ على التّنزل و المماشاة و إلاّ فنقول إنّ كونه مدركا للأحكام و إن كان مقتضيا لتوفر الدّواعي إلاّ أنّه إنّما يتمّ إذا لم يمنع منه مانع و لم يمنع المكلفون على أنفسهم اللطف إذ قد يتوفر الدّواعي على تضييعه و كتمانه أكثر منها على ضبطه و إعلانه ، نظير الامام عليه السّلام ، فانّ وصيّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحفظه و إعانته و كونه حجة اللّه على خلقه و بريّته و أصل أحكامه و شريعته ، ممّا يوجب توفّر الدّواعي عليه مع [ 203 ] أنّ الدّواعي قد توفّرت على حجبه و غيبته ، و نعم ما قال في التّجريد : وجوده لطف و تصرفه لطف آخر ، و عدمه منّا . و بالجملة وقوع التّحريف و النّقصان في آيات الأحكام على فرض ثبوته ليس بأبعد من غيبة الامام ، فكما أنّ المكلفين صاروا سببا لاختفائه و غيبته ، و مانعا عن تبليغه و الرّجوع إليه مع كونه أساس الأحكام و عماد الاسلام ، فكذلك صاروا مانعا عن استنباط الأحكام من القرآن بسبب ما فعلوه فيه من التّحريف و أحدثوه فيه من النّقصان . الثالث قوله تعالى : ( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِه‏ ) فانّ ورود التّحريف عليه إتيان الباطل من خلفه ، و قد أخبر اللّه سبحانه بعدمه فلابدّ أن يكون سالما محفوظا . و فيه أنّ المراد بالآية أنّه ليس في إخباره عمّا مضى باطل ، و لا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل ، بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتها ، رواه الطبرسيّ في مجمع البيان عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام ، و في تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام قال : لا يأتيه الباطل من قبل التّوراة و لا من قبل الانجيل و الزّبور ، و لا من خلفه لا يأتيه من بعده كتاب يبطله الرابع قوله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) فانّ اللّه سبحانه قد أخبر بكونه حافظا للقرآن فلا بدّ من كونه محفوظا عن تطرق التغيير ، قال الفخر الرّازي في الآية دلالة قويّة على كون التسمية آية من كلّ سورة ، لأنّ اللّه قد وعد بحفظ القرآن و الحفظ لا معنى له إلاّ أن يبقى مصونا من الزّيادة و النّقصان ، فلو لم تكن التّسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا من التّغيير ، [ 204 ] و لما كان محفوظا عن الزّيادة . و فيه أنّ كون أصل القرآن الذي نزل به الرّوح الأمين على خاتم النّبيين صلّى اللّه عليه و آله محفوظا عند الأئمة الذين هم خزّان علم اللّه و كهوف كتبه ، يكفي في صدق الآية و لا دلالة فيها على كون ما بأيدينا محفوظا كما لا يخفى ، مضافا إلى احتمال أن يكون المراد أنّه سبحانه يحفظه إلى آخر الدّهر بأن بعث جماعة يحفظونه و يدرسونه و يشتهرونه بين الخلق ، فتحفظه الامة و تناولته الأيدى قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة لقيام الحجّة به على الخلق و كونه معجزة النّبوة . هذا كله بعد الغضّ عن رجوع الضّمير في له إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و إلاّ كما ذهب إليه الفرّاء فيسقط الاستدلال رأسا ، قال ابن الانباري لما ذكر اللّه الانزال و المنزل و المنزل دلّ ذلك على المنزل عليه ، فحسنت الكناية عنه لكونه أمرا معلوما كما في قوله : ( إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) فانّ عود الضّمير إلى القرآن مع عدم تقدّم ذكره لكونه معلوما من المقام الخامس الأخبار الدّالة على وجوب التّمسّك بالقرآن و الآمرة بالرّجوع إليه كحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين و نحوه ، و الأخبار المفيدة بعرض الأخبار المتعارضة عليه ، مثل مقبولة عمر بن حنظلة و فيها : فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة . و ما رواه السّكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه . و ما رواه عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه ، قال : قال الصّادق عليه السّلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فخذوه ، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه إلى غير هذه ممّا هي قريبة من التواتر أو متواترة . [ 205 ] تقريب الاستدلال أنّ المراد بالكتاب الذي امرنا بالتمسك به و الرّجوع إليه و عرض الأخبار المتعارضة عليه إن كان هو الكتاب المنزل المحفوظ عن تطرّق السّوانح و طرو الزّيادة و النّقصان الذي هو موجود عند الأئمة عليهم السّلام على قول المدّعين للتّحريف ، ففيه أنّ التمسّك به و الرّجوع إليه ممّا لا يستطاع . و ان كان المراد به المحرّف المبدّل ، فلا وجه له ، لأنّه لم يبق فيه حجية و ليس به وثوق و اطمينان فلا بدّ أن يكون الموجود بأيدينا سالما محفوظا . قال الشّيخ في محكي كلامه : و رواياتنا متناصرة بالحثّ على قرائته و التمسك بما فيه و ردّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه و عرضها عليه ، فما وافقه عمل عليه و ما خالفه يجنب و لم يلتفت إليه . و قد ورد عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله رواية لا يدفعها أحد انّه قال انّي مخلّف فيكم الثّقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب اللّه ، و عترتي أهل بيتي ، و أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ، و هذا ممّا يدل على أنّه موجود في كلّ عصر ، فانّه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسّك بما لا نقدر على التمسّك به ، كما أنّ أهل البيت و من يجب اتّباع قوله حاصل في كلّ وقت انتهى كلامه . و ملخّصه أنّ ظاهر هذه الأخبار أنّه لم يتطرّق على هذا القرآن الموجود بأيدينا تحريف و تغيير ، لأنّ المستفاد منها وجوب الرّجوع إليه إذ الرّجوع إلى غيره غير مقدور ، فلا بدّ من كونه محفوظا من الخلل و النّقصان ، و إلاّ لم يبق به وثوق و اطمينان ، فلا يكون وجه للأمر بالرّجوع إليه . و فيه أوّلا أنّ الأخبار المذكورة إمّا نبويّة كخبر الثّقلين و بعض أخبار العرض ، و إمّا مرويّة عن الأئمة عليهم السّلام . أمّا الطائفة الأولى فلا دلالة فيها على المدّعى أصلا ، لأنّه صلّى اللّه عليه و آله قد كان امرنا بالاتباع بالكتاب و العرض عليه و لم يتطرّق عليه تحريف يومئذ ، كما امرنا باتباع أهل بيته و عترته و أخذ الأحكام عنهم و الاقتباس من أنوارهم ، و إنّما طرئت السوانح [ 206 ] بعد ما اختار اللّه سبحانه له صلّى اللّه عليه و آله ، لقائه فمنع المكلفون على أنفسهم اللّطف بسوء اختيارهم ، و غيّروا كتاب اللّه و نبذوه وراء ظهورهم كما تركوا العترة و صاروا سببا لاعتزالهم و تشريدهم إلى أن انتهى الأمر إلى الغيبة الكبرى ، فكما أنّ غيبة الامام عليه السّلام و اعتزال الأئمة و قصور اليد عن التمسّك بهم و أخذ الأحكام عنهم النّاشي من سوء فعل المكلفين لا منافاة له مع أمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله بالتمسّك ، فكذلك قصور اليد عن اتّباع القرآن المنزل على ما هو عليه لا ينافي أمر النّبي صلّى اللّه عليه و آله باتّباعه و التّمسك به ، بل نقول : إنّ أمره صلّى اللّه عليه و آله لم يكن إلاّ لأجل أن لا يفعلوا في كتاب اللّه ما فعلوه ، و أن لا يقصروا في حقّ الآل على ما قصّروا . و أمّا الطائفة الثّانية فلا دلالة فيها أيضا ، لأنا نقول : إنّ الأئمة عليهم السّلام إنّما أمرونا بالرّجوع إلى هذا الكتاب الموجود بأيدينا مع ما هو عليه من التّحريف و النّقصان لأجل التقية و الخوف على أنفسهم و شيعتهم ، فيكون ما استفدناه حكما ظاهريا بالنسبة الينا فافهم 1 و ثانيا أن يجاب عنه بما ذكره في الصّافي ، فانّه بعد نقله كلام الشّيخ الذي حكيناه قال : أقول : يكفي في وجوده في كلّ عصر وجوده جميعا كما أنزل اللّه محفوظا عند اللّه و وجود ما احتجنا إليه منه عندنا و إن لم نقدر على الباقي ، كما أن الامام كذلك فان الثقلين سيان في ذلك انتهى . و أورد عليه المحقّق الكاظمي ( ره ) بأنّ التمسّك بهم عبارة عن موالاتهم و سلوك طريقتهم ، و ذلك ممكن مع الغيبة للعلم بهم ، و هذا بخلاف التمسّك بالقرآن فانّه إنّما يتحقّق بالأخذ و الاطلاع عليه ، فقد بان الفرق و اتّضح الأمر انتهى أقول : و الانصاف أنّه إن اريد بلفظ تمسّكتم في الرّواية ، التمسّك التّفصيلي بأن يتمكن من الرّجوع الى المتمسّك به و يؤخذ عنه الأحكام مهما اريد ، فهو غير ممكن في حال الغيبة الكبرى ، لظهور انسداد باب العلم فيه ، مع أنّ انفتاحه في ----------- ( 1 ) اشارة الى ان حمل الاخبار على الورود على عنوان التقية بعيد فى الغاية عن سياق اخبار العرض و انما يتمشى فى اخبار التمسك و الاتباع فتدبر ، منه [ 207 ] حال ظهور الأئمة عليهم السّلام أيضا محلّ كلام حسبما قرّرناه في الاصول ، و إن اريد به التمسّك الاجمالي بأن نرجع إليه بقدر الامكان و مع عدم التمكن و القدرة نكون في مقام التّسليم و الاذعان و العزم على الرجوع مع التمكن و التّوفيق ، فالحقّ أنّ الثقلين سيان فيه . و بالجملة هما في حال الغيبة الكبرى سيّان في عدم امكان التمسّك بهما تفصيلا و في امكانه إجمالا ، بأن يصدّقا و يسلّما و يؤخذ عنهما الأحكام بقدر الوسع و الطاقة ، و التّفرقة بينهما بحمل التمسّك بالثّقل الأصغر على التمسّك التّفصيلي و التمسّك بالأكبر على التمسّك الاجمالي ممّا لا وجه له . و ثالثا أنّا نقول : إنّ أهل بيت العصمة سلام اللّه عليهم لعلمهم بعدم طرو التّحريف على آيات الأحكام رخصونا في الرّجوع و العرض ، فبملاحظة ترخيصهم يحصل لنا القطع بكونها محفوظة عن الخلل أو أنهم رخّصونا في ذلك ، لعلمهم بانّه ليس في السّاقط ما يرجع إليه أو يعرض عليه إلاّ و في الثّابت ما يقوم مقامه . هذا تمام الكلام في أدلة النّافين ، و قد عرفت أنّها غير ناهضة على إثبات المدّعى كما لا يخفي . و حجة القائلين بالتّحريف أيضا وجوه كثيرة بعضها مثبت لوقوع مطلق التّحريف ، و بعضها مختص باثبات الزّيادة و النقيصة ، و بعضها دالّ على النّقصان فقط فالأدلة في المقام على ثلاثة أقسام . القسم الاول الأدلة الدّالة على مطلق التّحريف و التغيير فيه . اولها ما ذكره السيّد الجزائري من أنّ القرآن كان ينزل منجما على حسب المصالح و الوقايع ، و كتّاب الوحى كانوا أربعة عشر رجلا من الصّحابة ، و كان رئيسهم أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قد كانوا في الأغلب ما يكتبون إلاّ ما يتعلّق بالاحكام و إلاّ ما يوحى إليه صلّى اللّه عليه و آله في المحافل و المجامع ، و أمّا الذي كان يكتب ما ينزل عليه في خلواته و منازله فليس هو إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام ، لأنّه كان يدور معه [ 208 ] كيفما دار ، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف ، فلما مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، إلى لقاء حبيبه و تفرّقت الأهواء بعده ، جمع أمير المؤمنين عليه السّلام القرآن كما انزل ، و شدّه بردائه و أتى به إلى المسجد ، فقال لهم : هذا كتاب ربّكم كما انزل ، فقال عمر : ليس لنافيه حاجة هذا عندنا مصحف عثمان ، فقال عليه السّلام لن تروه و لن يراه أحد حتّى يظهر القائم عليه السّلام . أقول : أمّا قوله : فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف فيشهد به : ما رواه في الكافي باسناده عن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : سمعته يقول : ما ادّعى أحد أنّه جمع القرآن كلّه كما انزل إلاّ كذاب ، و ما جمعه و حفظه كما أنزله اللّه إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و الأئمة من بعده . و أمّا ما ذكره من اتيان أمير المؤمنين عليه السّلام بالكتاب إلى المسجد فيدلّ عليه ما رواه الطبرسيّ في الاحتجاج عن أبي ذر الغفاري أنّه لمّا توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع عليّ عليه السّلام القرآن و جاء به إلى المهاجرين و الأنصار و عرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فلما فتحه أبوبكر خرج في أوّل صفحة فتحها فضايح القوم ، فوثب عمر و قال : يا علي اردده لا حاجة لنا فيه ، فأخذه عليّ عليه السّلام و انصرف ، ثمّ أحضر زيد بن ثابت و كان قاريا للقرآن ، فقال له عمر : انّ عليّا جائنا بالقرآن و فيه فضايح المهاجرين و الأنصار ، و قد أردنا ان تؤلف لنا القرآن و تسقط منه ما كان فيه فضيحة و هتك المهاجرين و الأنصار ، فأجابه زيد إلى ذلك ، ثم قال : فان أنا فرغت من القرآن على ما سألتم و أظهر عليّ عليه السّلام القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كلّ ما عملتم ؟ قال عمر : فما الحيلة ؟ قال زيد : أنت أعلم بالحيلة ، فقال عمر : ما الحيلة دون أن نقتله و نستريح منه ، فدبّر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك ، فلما استخلف عمر سأل عليّا أن يدفع إليهم فيحرّفوه فيما بينهم ، فقال يا أبا الحسن : إن كنت جئت به إلى أبي بكر فائت به إلينا حتّى نجتمع عليه ، فقال عليّ عليه السّلام هيهات ( ج 13 ) [ 209 ] ليس إلى ذلك سبيل إنّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجّة عليكم و لا تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين ، أو تقولوا ما جئتنا به ، إنّ القرآن الذي عندي لا يمسّه إلاّ المطهّرون و الأوصياء من ولدي ، فقال عمر : فهل وقت لاظهاره معلوم ؟ قال : نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره و يحمل النّاس عليه فتجري السنّة به صلوات اللّه عليه . الثاني ما رواه الطبرسيّ في الاحتجاج عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه في جواب سؤال الزّنديق حيث سأله عن تصريح اللّه سبحانه بهفوات الأنبياء و زلاّتهم مثل قوله : ( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ) و نحوه ، و توريته أسماء من اغترّ و فتن خلقه و ضلّ و أضلّ و تعبيره عنهم بالكناية مثل قوله : ( يَوْمَ يَعُضُّ الظّالِمُ على‏ يَدَيْهِ ) و نحوه ، فقال عليه السّلام : إنّ الكناية عن أسماء ذو الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى ، و إنّها من فعل المغيرين و المبدّلين الذين جعلوا القرآن عضين 1 ، و اعتاضوا الدّنيا من الدّين ، و قد بيّن اللّه قصص المغيرين بقوله : ( الَّذينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْديهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرَوْا بِه‏ ثَمَناً قَليلاً ) و بقوله : ( و إِنَّ مِنْهُمْ لَفَريقاً يَلْوُونَ 2 أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ) و بقوله : ( إِذْ يُبَيِّتُون ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ ) 3 ----------- ( 1 ) اى اجزاء متفرقة من العضة ، منه . ----------- ( 2 ) اى يحرفون و يعدلون به عن القصد قال الطريحى قيل يكتب بواو واحد و ان كان لفظها بواوين و هى كذلك في المصاحف القديمة و آخر الاية لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون هو من عند اللّه و ما هو من عند اللّه و يقولون على اللّه الكذب و هم يعلمون ، منه ----------- ( 3 ) آخر الاية و كان اللّه بما يعملون محيطا م [ 210 ] بعد فقد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله ، و ما يقيمون 1 به اود باطلهم حسب ما فعلته اليهود و النصارى بعد فقد موسى و عيسى عليه السّلام من تغيير التّوراة و الانجيل و تحريف الكلم عن مواضعه و بقوله : ( يُريدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) يعنى أنّهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله اللّه ليلبسوا على الخليقة فأعمى اللّه قلوبهم حتّى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه فيه و حرفوا منه ، و بيّن عن افكهم و تلبيسهم و كتمان ما علموه منه ، و لذلك قال لهم : ( لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ ) و ضرب مثلهم بقوله : ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً 2 وَ أَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ ) فالزّبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن ، فهو يضمحلّ و يبطل و يتلاشي عند التّحصيل ، و الذي ينفع الناس منه فالتّنزيل الحقيقى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و القلوب تقبله و الأرض في هذا الموضع هي محلّ العلم و قراره ، و ليس يسوغ مع عموم التقية التّصريح بأسماء المبدّلين ، و لا الزّيادة في آياته على ما أنبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل و الكفر و الملل المنحرفة من قبلتنا و إبطال هذا العلم الظاهري الذي قد استكان له الموافق و المخالف بوقوع الاصطلاح على الأيتمار 3 لهم و الرّضا بهم ، و لأنّ أهل الباطل في القديم و الحديث أكثر عددا من أهل الحقّ ، و لأن الصّبر على ولاة ----------- ( 1 ) الظاهر انه عطف على قوله سبحانه ما لا يرضى فكان كلامه « ع » متم كلام اللّه سبحانه فيكون المعنى انهم يدبرون فى الليل بعد فقد الرسول « ص » ما يقيمون و يصلحون به اعوجاج باطلهم و الاود الاعوجاج يقال قام اوده اى اعوجاجه ، منه ----------- ( 2 ) بالضم و المد الباطل ، لغة ----------- ( 3 ) ايتمر الامر امتثله ، منه [ 211 ] الأمر مفروض بقول اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله : ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) و ايجابه مثل ذلك على أوليائه و اهل طاعته بقوله : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ثم ، قال عليه السّلام فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت ، فانّ شريعة التقية نحظر بأكثر منه . الثالث ما رواه عليّ بن إبراهيم القميّ عن الصّادق عليه السّلام في قوله تعالى : ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِه‏ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) انّه قال : كيف يحفظ الشّي‏ء من أمر اللّه و كيف يكون العقب من بين يديه ؟ فقيل له كيف ذلك يابن رسول اللّه ؟ فقال : إنّما انزلت له معقّبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر اللّه . الرابع ما رواه عنه عليه السّلام أيضا في قوله : ( لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلىَ النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرينَ وَ الْأَنْصارِ ) أنّ الآية هكذا نزلت لقد تاب اللّه بالنّبيّ على المهاجرين . الخامس ما رواه أيضا قال : إنّه قرء على أبي عبد اللّه عليه السّلام : ( الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً ) فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : لقد سألوا اللّه عظيما أن يجعلهم للمتقين اماما ، فقيل يابن رسول اللّه كيف ذلك ؟ فقال عليه السّلام : إنّما نزلت و اجعل لنا من المتّقين إماما . السادس ما رواه أيضا عن ابن أبي عمير عن ابن سنان قال قرأت على أبي عبد اللّه عليه السّلام : [ 212 ] ( كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ) فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام خير امّة يقتلون أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ابني عليّ عليهم السّلام ، فقال القارى : جعلت فداك كيف نزلت ؟ فقال عليه السّلام نزلت خير أئمة اخرجت للنّاس ، أ لا ترى مدح اللّه لهم في آخر الآية : ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) السابع ما رواه السيّد المعتمد السيّد هاشم البحراني عن المفيد في كتاب الاختصاص قال : و روي عن جابر الجعفي قال : كنت ليلة من بعض اللّيالي عند أبي جعفر عليه السّلام فقرأت هذه الآية : ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ ) فقال : مه يا جابر كيف قرأت ، يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه ، قال : قال : قلت فكيف أقرء جعلني اللّه فداك ؟ قال : هذا تحريف يا جابر ، قال : فقال عليه السّلام : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصّلاة فامضوا إلى ذكر اللّه هكذا نزلت يا جابر ، لقد كان يكره أن يعدو الرّجل إلى الصّلاة يا جابر لم سمّيت الجمعة يوم الجمعة ؟ قال : قلت : تخبرني جعلني اللّه فداك ، قال : أفلا أخبرك بتأويله الأعظم ؟ قال : قلت : بلى جعلني اللّه فداك ، قال : فقال : يا جابر سمّى اللّه الجمعة جمعة لأنّ اللّه عزّ و جلّ جمع في ذلك الأولين و الآخرين و جميع ما خلق اللّه من الجنّ و الانس و كلّ شي‏ء خلق ربّنا و السّماوات و الارضين و البحار و الجنّة و النّار و كلّ شي‏ء خلق اللّه في الميثاق فأخذ الميثاق منهم له بالرّبوبيّة و لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله بالنّبوة و لعليّ عليه السّلام بالولاية ، و في ذلك اليوم قال اللّه للسّماوات و الأرض : ( اِئْتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طآئِعينَ ) فسمّى اللّه ذلك اليوم الجمعة ، لجمعه فيه الأولين و الآخرين ، ثمّ قال عزّ و جلّ يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة من يومكم هذا الذي جمعكم فيه [ 213 ] و الصّلاة أمير المؤمنين عليه السّلام ، يعني بالصّلاة الولاية ، و هي الولاية الكبرى ففي ذلك اليوم أتت الرّسل و الأنبياء و الملائكة و كلّ شي‏ء خلق اللّه و الثقلان الجنّ و الانس و السّماوات و الأرضون و المؤمنون بالتلبية للّه عزّ و جلّ ، فامضوا إلى ذكر اللّه و ذكر اللّه أمير المؤمنين عليه السّلام ، و ذروا البيع ، يعني الأوّل ، ذلكم ، يعني بيعة أمير المؤمنين و خلافته ، خير لكم من بيعة الأوّل و ولايته ، ان كنتم تعلمون ، فاذا قضيت الصّلاة يعني بيعة أمير المؤمنين ، فانتشروا في الأرض يعني بالأرض الأوصياء أمر اللّه بطاعتهم و ولايتهم ، كما أمر بطاعة الرّسول و طاعة أمير المؤمنين كنى اللّه في ذلك من أسمائهم فسمّاهم بالأرض ، و ابتغوا من فضل اللّه ، قال جابر : و ابتغوا من فضل اللّه ، قال : تحريف هكذا نزلت و ابتغوا من فضل اللّه على الأوصياء و اذكروا اللّه كثيرا لعلكم تفلحون ، ثمّ خاطب اللّه عزّ و جلّ في ذلك الموقف محمّدا صلّى اللّه عليه و آله ، فقال يا محمّد : فاذا رأوا الشّكاك و الجاحدون تجارة ، يعنى الأوّل أو لهوا ، يعني الثّاني ، انصرفوا إليها ، قال : قلت انفضّوا إليها قال : تحريف هكذا نزلت ، و تركوك ، مع عليّ قائما ، قل يا محمّد ما عند اللّه ، من ولاية عليّ و الأوصياء ، خير من اللّهو و التجارة ، يعنى بيعة الأوّل و الثّاني للّذين اتقوا ، قال : قلت : ليس فيها للّذين اتّقوا ، قال : فقال : بلى هكذا نزلت الآية ، و أنتم هم الذين اتّقوا ، و اللّه خير الرّازقين . الثامن ما رواه الصّدوق في التوحيد باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبيه عن الرّضا عليّ بن موسى عليهما السّلام قال سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ : ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلآئِكَةُ ) قال : يقول : هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم اللّه بالملائكة في ظلل من الغمام ، و هكذا نزلت ، و العجب من الصّدوق مع روايته ذلك كيف أنكر وقوع التّحريف فيه . القسم الثاني الأدلة الدالة على وجود الزيادة و النّقصان . اولها ما رواه في الصافي عن العياشي عن أبي جعفر عليه السّلام قال : لو لا أنّه زيد في كتاب اللّه و نقص ما خفي حقّنا على ذي حجى الثانى ما رواه العيّاشي عنه عليه السّلام أيضا أنّ القرآن قد طرحت منه آى كثيرة [ 214 ] و لم يزد فيه إلاّ حروف أخطأت به الكتبة و توهّمتها الرّجال . الثالث ما في تفسير عليّ بن ابراهيم في قوله : ( وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَ النَّبِيِّينَ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهيمَ وَ مُوسى‏ وَ عيسَى بْنِ مَرْيَمَ ) قال : هذه الواو زيادة في قوله و منك ، و إنّما هو منك و من نوح . القسم الثالث الأدلة الدّالة على وجود النّقصان فقط ، و هي كثيرة . اولها ما رواه في الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله سبعة عشر ألف آية ، و وجه دلالته أنّ الموجود بأيدينا من القرآن لا يزيد على سبعة آلاف آية ، و على ما ضبطه الشّيخ الطبرسي ستّة آلاف و مأتا آية و ستّة و ثلاثون آية . الثانى ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن عليّ عليه السّلام في جواب الزّنديق الذي احتجّ عليه بتناقض ظواهر بعض الآيات أنّه عليه السّلام قال : و أمّا ظهورك على تناكر قوله : ( وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا في الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) و ليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النّساء و لا كلّ النّساء أيتام ، فهو ممّا قدّمت ذكره من إسقاط المنافقين في القرآن بين القول في اليتامى و بين نكاح النساء من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن ، و هذا و ما أشبهه ممّا أظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النّظر و التّأمل و وجد المعطلون و أهل الملل المخالفة للاسلام مساغا إلى القدح في القرآن ، و لو شرحت لك كلما اسقط و حرّف و بدّل ممّا يجرى هذا المجرى لطال و ظهر ما يحظر التّقية إظهاره من مناقب الأولياء و مثالب الأعداء . [ 215 ] الثالث ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، قال دفع إلىّ أبو الحسن عليه السّلام مصحفا ، فقال : لا تنظر فيه ، ففتحته و قرأت فيه : لم يكن الذين كفروا ، فوجدت فيها اسم سبعين من قريش بأسمائهم و أسماء آبائهم ، قال فبعث إلىّ ابعث إلىّ بالمصحف . الرابع ما رواه أبو عبيدة بسنده عن ابن عمر قال : لا يقولنّ أحدكم قد اخذت القرآن كلّه و ما يدريه ما كلّه ، قد ذهب منه قرآن كثير ، و لكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر . و بسنده عن عايشة ، قال : كانت سورة الأحزاب تقرء في زمان الرّسول صلّى اللّه عليه و آله مأتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن . و بسنده عن زر بن حبيش ، قال : قال لي أبيّ بن كعب : كم تعدّون سورة الأحزاب ؟ قلت : اثنتين و ستين آية أو ثلاثا و ستّين آية ، قال : ان كانت لتعدل سورة البقرة . و في الكشاف عن زرّ مثله إلاّ أنّ فيه قلت ثلاثا و سبعين آية ، قال فو الذي يحلف به أبيّ ابن كعب ان كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول و لقد قرأنا منها آية الرّجم ، الشّيخ و الشّيخة اذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من اللّه و اللّه عزيز حكيم . الخامس ما رواه في كتاب تذكرة الأئمة عن تفسير الكازر ، و المولى فتح اللّه عن مصحف ابن مسعود ، و هو آيات كثيرة في سور متعدّدة . ففي المائدة : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في شَأْنِ عَلِيٍّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسآلَتَهُ ) و في الرّعد و هو قوله تعالى : ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ عَلِيٌّ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) و في الشّعراء : ( وَ سَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ، و رواه القمي أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . [ 216 ] و في الصّافّات قوله : ( وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسئُولُونَ في وِلايَةِ عَلِيٍّ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ) . و في النّساء قوله تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى‏ ما آتيهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه‏ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهيمَ وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظيماً ) و في الزّمر قوله : ( فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ) و رواه الطّبرسي أيضا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري . و في طه قوله تعالى : ( وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ كَلِماتٍ في محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و التّسعة من ذرّيّة الحسين فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) و رواه أيضا في الكافى عن الصّادق عليه السّلام إلاّ أنّ في آخره و الأئمّة من ذرّيتهم بدل قوله و التّسعة ، ثم قال هكذا و اللّه نزلت على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و في النّجم قوله تعالى : ( وَ أَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِه‏ في عليّ لَيْلَةَ اَلْمِعْراجِ ما أَوْحى ) و في آية الكرسي : ( أَللَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما في السّمواتِ وَ ما في الْأَرْضِ وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ مَنْ ذَا الَّذي‏ يَشْفَعُ عِنْدَهُ ) و في الأحزاب قوله : ( وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنينَ الْقِتالَ بعليّ بن أبيطالب وَ كانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزيزاً ) و منها سورة الولاية : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ يا أَيُّهَا الَّذينَ [ 217 ] آمَنُوا آمِنُوا بِالنَّبِيِّ وَ الْوَلِيِّ اللذَيْنِ بَعَثْناهُما يَهْدِيانِكُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ نَبِيٌّ وَ وَلِيٌّ بَعْضُهُما مِنْ بَعْضٍ ، وَ أَنَا الْعَليمُ الْخَبيرُ ، إِنَّ الَّذينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعيمِ ، فَالَّذينَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُنا كانُوا بِآياتِنا مُكَذِّبينَ ، إِنَّ لَهُمْ في جَهَنَّمَ مَقامٌ عَظيمٌ ، نُودِيَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ أَيْنَ الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لِلمُرْسَلينَ ، ما خَلَفَهُمُ الْمُرْسَلينَ إِلاّ بِالْحَقِّ ، وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُنْظِرَهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ قَريبٍ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ عَلِيٌّ مِنَ الشّاهِدينَ ) و منها سورة النّورين ، تركت ذكرها لكونها مع طولها مغلوطة لعدم وجود نسخة مصحّحة عندي يصحّ الرّكون إليها . السادس ما رواه عليّ بن إبراهيم القميّ في تفسيره و هو أيضا كثير . منها قوله تعالى : ( وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ في ولاية عليّ و الأئمّة من بعده فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظيماً ) . و منها قوله تعالى : وَ لكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ في علي أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه‏ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) و منها قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذينَ كَفرُوا وَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) و منها ( وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جآؤُكَ يا عليّ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) و منها قوله تعالى : ( وَ لَوْ تَرَى الَّذينَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم في [ 218 ] غَمَراتِ الْمَوْتِ ) السابع ما رواه في الصّافي عن العيّاشي عن الباقر عليه السّلام في قوله : ( وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقُ النَّبِيِّينَ ) أنّها نزلت و إذ أخذ اللّه ميثاق أمم النّبيين . الثامن ما فيه عنه في قوله : فبدّل الذين اه أنّها نزلت فبدّل الذين ظلموا آل محمّد حقهم غير الذي قيل لهم ، فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمّد حقهم رجزا من السّماء بما كانوا يفسقون . التاسع ما رواه في الكافي 1 عن أبي بصير مقطوعا في حديث طويل ، ثمّ أتى الوحى إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : ( سَئَلَ سآئِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلكافِرينَ بولاية عليّ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذي الْمَعارِجِ ) قال : قلت : جعلت فداك إنّا لا نقرئها هكذا ، فقال : هكذا و اللّه نزل بها جبرئيل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و هكذا هو و اللّه مثبت في مصحف فاطمة عليها السّلام ، إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع المجدّ و أكثر التّفاسير احتواء لذلك تفسير القميّ ، و فيما ذكرناه كفاية لمن طلب الحقّ ، لأنّها على اختلاف مؤدّياتها متفقة على الدلالة على النقيصة في الكتاب فيحصل منها العلم الضّروري بها . و المناقشة فيها بأنّ الزّيادات المذكورة فيها إنّما هي من قبيل الأحاديث القدسية لا القرآن فبعيدة جدّا كما أنّ احتمال أن يكون النّاقصات من قبيل التفاسير و بيان المعاني كذلك ، لما عرفت من التّصريح في بعضها بأنّها هكذا نزلت ، و في بعضها هكذا و اللّه نزلت ، و مع ذلك التّصريح كيف يمكن القول بكون المنقوصات من قبيل التفاسير كما توهّمه الصّدوق . ----------- ( 1 ) و رواه فى غاية المرام بسند آخر عن ابى بصير عن ابيعبد اللّه « ع » منه [ 219 ] و الانصاف أنّ القول بعدم النّقص فيه ممّا يمكن إنكاره بعد ملاحظة الأدلة و الأخبار التي قدّمناها ، فانّها قد بلغت حدّ التّواتر ، مضافا إلى أخبار ورود الامة على الحوض و قولهم بعد سؤال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عنهم كيف خلّفتموني في الثقلين : أمّا الأكبر فحرقناه ( فبدلناه خ‏ل ) و أمّا الأصغر فقتلناه ، و هذه الأخبار أيضا متواترة ، و مع التّنزل عن بلوغها حدّ التواتر نقول : إنّه بانضمامها إلى الأخبار الاول لا محالة تكون متواترة مفيدة للعلم بثبوت النّقصان ، إذ لو كان القرآن الموجود بأيدينا اليوم بعينه القرآن المنزل من السّماء من دون أن يكون فيه تحريف و نقصان ، فأىّ داع كان لهم على الطبخ و الاحراق الذي صار من أعظم المطاعن عليهم . فان قلت : إذا ثبت وقوع التّغيير في القرآن فكيف يجوز لنا قرائته ؟ بل اللازم قرائته على نحو ما انزل فيما اطلعنا عليه . قلت : إنّ الأئمة عليهم السلام رخّصونا على ما هو الموجود الآن و لم يأذنوا بقرائته على نحو ما انزل . يدلّ على ذلك ما رواه في الكافي مرسلا عن سهل بن زياد عن محمّد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السّلام قال : قلت له : جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها و لا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟ فقال عليه السّلام : لا ، اقرءوا كما تعلّمتم فسيجيئكم من يعلّمكم . و فيه أيضا باسناده إلى سالم بن سلمة ، قال : قرء رجل على أبي عبد اللّه عليه السّلام و أنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرئها النّاس ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : مه كفّ عن هذه القرائة و اقرء كما يقرء النّاس حتّى يقوم القائم عليه السّلام : فاذا قام قرء كتاب اللّه على حدّه و أخرج المصحف الذي كتبه عليّ عليه السّلام . فان قلت : سلّمنا وجود التّحريف فيه فلم لم يصحّحه أمير المؤمنين عليه السّلام حيثما جلس على سرير الخلافة مع أنّه لم يكن منه مانع يومئذ . قلت : إنّه عليه السّلام لم يتمكن منه لوجود التقية المانعة من حيث كونه مستلزما [ 220 ] للتشنيع على من سبقه كما لم يتمكن من إبطال صلاة الضحى ، و من إجراء متعتي الحجّ و النّساء ، و من عزل شريح عن القضاوة ، و معاوية عن الامارة ، و قد صرّح بذلك في رواية الاحتجاج السّابقة في مكالمته عليه السّلام مع الزّنديق . مضافا إلى اشتمال عدم التّصحيح على مصلحة لا تخفى ، و هو أن يتمّ الحجة في يوم القيامة على المحرّفين المغيّرين من هذه الجهة أيضا بحيث يظهر شناعة فعلهم لجميع أهل المحشر ، و ذلك بأن يصدر الخطاب من مصدر الرّبوبيّة إلى امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، و يقال لهم : كيف قرأتم كتابي الذي أنزلته إليكم ؟ فيصدر عنهم الجواب ، بأنّا قرأناه كذا و كذا ، فيقال لهم : ما أنزلناه هكذا فلم ضيّعتموه و حرّفتموه و نقصتموه ؟ فيجيبوا أن يا ربّنا ما قصّرنا فيه و لا ضيّعناه و لا فرطنا ، بل هكذا وصل إلينا . فيخاطب حملة الوحى و يقال لهم : أنتم قصّرتم في تبليغ وحيي و أداء أمانتي ؟ فيقولوا ربّنا ما فرطنا في وحيك من شي‏ء و إنّما فرط فيه فلان و فلان بعد مضيّ نبيّهم ، فيظهر شناعه فعلهم و فضاحة عملهم لجميع أهل المحشر و يستحقّوا بذلك الخزى العظيم و العذاب الأليم مضافا إلى استحقاقهم للنّكال و العقاب بتفريطهم في أمر الرّسالة و تقصيرهم في غصب الخلافة . فان قلت : سلّمنا أنّ عليّا عليه السّلام لم يتمكن من تصحيحه و أنّ بقائه على التّحريف كان مشتملا على المصلحة التي ذكرتها ، و لكن بقي هنا شي‏ء و هو أنّ الأئمة لم لم يدفعوا ما عندهم من الكتاب المنظم المحفوظ السّالم عن التّحريف إلى الامّة و ما كان المانع لهم من ذلك ؟ قلت : السّر في عدم إظهارهم عليهم السلام له وجوه كثيرة : منها أنّه لو أظهر ذلك الكتاب مع بقاء هذا الكتاب المحرّف لوقع الاختلاف بين النّاس و يكون ذلك سببا لرجوع النّاس إلى كفرهم الأصلي و أعقابهم القهقرى . و منها أنّ شوكة النّفاق يومئذ كان أكثر فلو أظهروه لأحدث المنافقون فيه مثل ما أحدثه رئيسهم قبلهم . [ 221 ] و منها أنّه مع إظهاره أيضا لا يكون له رواج ، لمكان شهرة ذلك المحرّف إلى غير هذه من الأسرار التي تستفاد من الأخبار . و كيف كان فقد ظهر و تحقّق ممّا ذكرنا كله أنّ حدوث التّحريف و النّقصان في القرآن ممّا لا غبار عليه . و أمّا الزّيادة ففيها تردّد و الأقوى العدم إذ الدّليل عليها ليس إلاّ عدّة روايات و هي لا تقاوم الاجماعات التي ادّعاها الشّيخ و الصّدوق و الطبرسي و المحقّق الكاظمي . فان قلت : قد ظهر من كلام الصّدوق الاجماع على عدم النقيصة أيضا ، فان كان الاجماع المنقول حجّة فهو حجّة في المقامين كليهما ، و إلاّ فلا يعبأ به في شي‏ء منهما و التّفرقة بينهما بالعمل به في أحدهما دون الآخر شطط من الكلام . قلت : الاجماع المنقول إنّما هو معتبر لأجل إفادته الظن ، و هو لا يكافؤ القطع الحاصل من الأخبار المتواترة الدّالة على النّقيصة ، و لكن لما كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من أدلة الزّيادة لا جرم رجّحناه عليها . هذا تمام الكلام في المقام ، و قد تكلّمنا فيه بمقتضى أفهامنا ، و اللّه العالم بحقايق الامور . التذييل الثالث اعلم أنّه قد تواترت الأخبار عن العترة الزّاكية و أجمعت الأصحاب من الفرقة النّاجية الاماميّة على أنّ قيم القرآن بعد النّبي صلّى اللّه عليه و آله أى العالم بتفسير محكماته و تأويل متشابهاته ، و الحافظ لأسراره و آياته و أنوار بيّناته ، هو عليّ و الطيّبون من أولاده عليهم السلام ، و قد طابق العقل في ذلك النّقل فكلاهما متطابقان في علمهم بالقرآن . أمّا العقل فلأنه قد علمت عند شرح قوله عليه السّلام : و لم يخل اللّه خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة ، أنّ الأرض لا تبقى بلا حجّة من بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، إذ الحاجة من الخلق ماسّة دائما إلى وجود من يقرّبهم إلى اللّه و يهديهم [ 222 ] إلى سبيل ربّهم بالحكمة و الموعظة الحسنة ، فلا بدّ أن يكون ذلك الحجّة عالما بجميع القرآن ، إذ القرآن لا يكون بنفسه حجّة من دون قيّم ، ضرورة أن القرآن ليس كتابا يقوم بعلمه عامة أهل النّظر من الفضلاء ، فضلا عن غيرهم كيف ؟ و أكثر أرباب النظر عاجزون عن مطالعة كتب الحكماء و فهمها ، ككتب أفلاطن و أرسطو فكيف يمكنهم أن يعلموا القرآن و يفهموه ، و هو كتاب الهيّ و كلام ربّانيّ نسبته إلى ساير الكتب كنسبة الرّب تعالى إلى مصنّفي تلك الكتب ، و هو مشتمل على رموز و بطون و أسرار و نكات ، فلا يهتدى إلى نوره إلاّ بتأييد إلهيّ و إلهام رباني و تعليم نبويّ ، و لم نجد أحدا يقال : إنّه علم القرآن كله ، و إنّه قيمه إلاّ عليّا و أولاده المعصومين سلام اللّه عليهم اجمعين فهم قيّم القرآن و عارفوه . و في رواية الكافي عن منصور بن حازم ، قال : قلت : لأبي عبد اللّه عليه السّلام إلى أن قال : و قلت للنّاس : تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان هو الحجة من اللّه على خلقه ، قالوا : بلى ، قلت : فحين مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من كان الحجة على خلقه ؟ فقالوا : القرآن ، فنظرت فاذا هو يخاصم فيه المرجئي و القدري و الزّنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرّجال بخصومته ، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلاّ بقيم ، فما قال فيه من شي‏ء كان حقّا ، فقلت لهم : من قيم القرآن ؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ، و عمر يعلم ، و حذيفة يعلم ، قلت : كله ؟ قالوا : لا فلم أجد أحدا يقال : إنه يعرف ذلك كله إلاّ عليّا صلوات اللّه عليه ، و إذا كان الشي‏ء بين القوم ، فقال هذا : لا ادري ، و قال هذا : لا أدري ، و قال هذا : لا أدري و قال هذا : أنا أدري فاشهد أنّ عليا عليه السّلام كان قيّم القرآن ، و كانت طاعته مفروضة ، و كان الحجة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و أنّ ما قال في القرآن فهو حقّ فقال عليه السّلام 1 رحمك اللّه . و اما النّقل فقد روي عن ابن عبّاس أنّه كان ليلة من الليالي عند أمير المؤمنين عليه السّلام و هو يفسّر فاتحة الكتاب ، فرأى نفسه عنده كجرّة عند بحر عظيم ، و هو عليه السّلام قال لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب . ----------- ( 1 ) اى قال ابو عبد اللّه « ع » لمنصور ، منه [ 223 ] و في غاية المرام عن محمّد بن الحسن الصّفار باسناده عن الأصبغ بن نباتة ، قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام : لو كسرت لي و سادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم ، و أهل الانجيل بانجيلهم و أهل الفرقان بفرقانهم بقضاء يصعد إلى اللّه يزهر و اللّه ما نزلت آية في كتاب اللّه في ليل أو نهار إلاّ و قد علمت فيمن انزل ، و لا أحد مرّ على رأسه الموسى إلاّ و قد نزلت فيه آية من كتاب اللّه تسوق إلى الجنة أو إلى النار ، فقام إليه رجل ، فقال يا أمير المؤمنين عليه السّلام : ما الآية التي نزلت فيك ؟ قال عليه السّلام له : أما سمعت اللّه يقول : « أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ ربِّه‏ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ » فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على بينة من ربّه ، و أنا شاهد له فيه و أتلوه معه . و في غاية المرام أيضا عن الشّيخ في أماليه باسناده عن عليّ عليه السّلام ، قال : سلوني عن كتاب اللّه ، فو اللّه ما انزلت آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ في ليل أو نهار و لا مسير و لا مقام إلاّ و قد أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علّمني تأويلها ، فقام ابن الكوّا ، فقال يا أمير المؤمنين : فما كان ينزل عليه و أنت غائب عنه ؟ قال : كان يحفظ علىّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما كان ينزل عليه من القرآن و أنا عنه غائب حتّى اقدم عليه فيقرئنيه و يقول لي يا عليّ أنزل اللّه علىّ بعدك كذا و كذا ، و تأويله كذا و كذا فيعلّمني تأويله و تنزيله . و في البحار عن بصائر الدّرجات باسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبيه عن أبي الحسن الأوّل عليه السّلام ، قال : قلت له جعلت فداك : النبي صلّى اللّه عليه و آله ورث علم النّبيين كلهم ؟ قال لي : نعم قلت : من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه ، قال : نعم ، قلت ورثهم النّبوة و ما كان في آبائهم من النّبوة و العلم ، قال : ما بعث اللّه نبيّا إلاّ و قد كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله أعلم منه ، قال : قلت : إنّ عيسى بن مريم كان يحيي الموتى باذن اللّه ، قال : صدقت ، و سليمان بن داود كان يفهم كلام الطير ، قال : و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقدر على هذه المنازل ، فقال : إن سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شكّ في أمره : [ 224 ] « ما لي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبينَ » و كانت المردة و الرّيح و النمل و النّاس و الجنّ و الشّياطين له طائعين ، و غضب عليه ، فقال : « لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَديداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتيَنّي بِسُلْطانٍ مُبينٍ » و إنّما غضب عليه لأنّه كان يدله على الماء فهذا و هو طير قد أعطى ما لم يعط سليمان ، و إنّما أراد ليدله على الماء فهذا لم يعط سليمان و كانت المردة له طائعين و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء و كانت الطير تعرفه ، إنّ اللّه يقول في كتابه : « وَ لَوْ 1 أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ » فقد ورثنا نحن هذا القرآن فعندنا ما تسير به الجبال و تقطع به البلدان و يحيى به الموتى باذن اللّه ، و نحن نعرف ما تحت الهواء و إن كان في كتاب اللّه لآيات لا يراد بها أمر من الامور التي اعطاها اللّه الماضين النّبيين و المرسلين إلاّ و قد جعله اللّه ذلك كله لنا في امّ الكتاب ، إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول : « وَ ما مِنْ غائِبَةٍ في السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ في كِتابٍ مُبينٍ » ثمّ قال عزّ و جلّ : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْناهُ مِنْ عِبادِنا » فنحن الذين اصطفانا اللّه ، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كلّ شي‏ء . و في الكافي باسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : ----------- ( 1 ) شرط حذف جوابه و المراد منه تعظيم شان القرآن او المبالغة في عناد الكفرة و تصميمهم اى و لو ان قرانا زعزعت به الجبال عن مقارها لكان هذا القرآن لانه الغاية فى الاعجاز و النهاية فى التذكير و الانذار ، تفسير بيضاوى . « ج 14 » [ 225 ] « قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِه‏ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » قال : ففرّج أبو عبد اللّه عليه السّلام بين أصابعه فوضعها في صدره ، ثم قال و عندنا و اللّه علم الكتاب كله . و في تفسير عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أيضا قال : الذي عنده علم الكتاب ، هو أمير المؤمنين عليه السّلام و سئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال عليه السّلام ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلاّ بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر . و في غاية المرام عن محمّد بن الحسن الصّفار باسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : قد ولدني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنا أعلم كتاب اللّه ، و فيه بدؤ الخلق و ما هو كائن إلى يوم القيامة و فيه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر الجنّة و خبر النّار و خبر ما كان و خبر ما هو كائن ، أعلم ذلك كانّما أنظر إلى كفّي إنّ اللّه يقول : « فيهِ تِبْيانُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ » و قريب منه ما في الكافي باسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام ، قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : و اللّه إنّي لأعلم كتاب اللّه من أوّله إلى آخره كأنّه في كفي ، فيه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر ما كان و خبر ما هو كائن ، قال اللّه عزّ و جل فيه تبيان كلّ شي‏ء . قال بعض المحقّقين : قوله عليه السّلام : كأنّه في كفّي تنبيه على أنّ علمه بما في الكتاب شهودي بسيط واحد بالذّات متعلّق بالجميع ، كما أن رؤية ما في الكفّ رؤية واحدة متعلقة بجميع أجزائه ، و التّعدد إنّما هو بحسب الاعتبار . [ 226 ] و قوله عليه السّلام : فيه خبر السّماء يعنى من أحوال الأفلاك و حركاتها و احوال الملائكة و درجاتها و حركات الكواكب و مداراتها و منافع تلك الحركات و تاثيراتها إلى غير ذلك من الامور الكاينة في العلويات و المنافع المتعلقة بالفلكيات . و قوله عليه السّلام : و خبر الأرض يعنى من جوهرها و انتهائها و ما فى جوفها و أرجائها و ما في تحتها و أهوائها و ما فيها من المعدنيات و ما تحت الفلك من البسايط و المركبات التي يتحير في إدراك نبذ منها عقول البشر ، و يتحيّر دون بلوغ أدنى مراتبها ظاهر الفكر و النّظر . و قوله عليه السّلام : و خبر ما كان و خبر ما هو كائن أى من أخبار السّابقين و أخبار اللاّحقين كلياتها و جزئياتها و أحوال الجنّة و مقاماتها و تفاوت مراتبها و درجاتها و أخبار المثاب فيها بالانقياد و الطاعة و المأجور فيها بالعبادة و الزّهادة و أهوال النّار و دركاتها و أحوال مراتب العقوبة و مصيباتها ، و تفاوت مراتب البرزخ في النّور و الظلمة ، و تفاوت أحوال الخلق فيه بالرّاحة و الشّدة ، كلّ ذلك بدليل قوله : فيه تبيان كل شي‏ء ، أى كشفه و ايضاحه فلا سبيل إلى إنكاره . التذييل الرابع اعلم أنّه قد ورد الأخبار المتظافرة في النّهى عن تفسير القرآن بالرّأى منها ما في مجمع البيان ، قال : اعلم أنّ الخبر قد صحّ عن النّبيّ و الأئمة القائمين مقامه أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصّحيح و النّص الصّريح ، قال : و روى العامّة أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال : من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ و منها ما عن تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال من فسّر القرآن إن أصاب لم يوجر ، و إن أخطأ سقط أبعد من السماء . و منها ما عن الرّضا عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : إنّ « قال ظ » اللّه عزّ و جلّ في الحديث القدسي ما آمن بي من فسّر كلامى برأيه ، و ما عرفني من شبّهني بخلقى ، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني . [ 227 ] و منها ما رواه في الكافي عن زيد الشّحام في حديث قتادة مع أبي جعفر عليه السّلام قال : فقال أبو جعفر عليه السّلام : و يحك يا قتادة إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت ، و إن كنت إنّما أخذته من الرّجال فقد هلكت و أهلكت إلى أن قال : فقال أبو جعفر عليه السّلام ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ طائفة من متأخّري أصحابنا و هم الأخباريّون قالوا : بعدم جواز استنباط حكم من الأحكام من القرآن و عدم جواز الاستدلال به على شي‏ء من المسائل إلاّ بعد صدور بيانه من الأئمة عليهم السّلام ، متمسكا بالأخبار المذكورة ، و بأدلة أخرى استدلّوا بها على مذهبهم في محالها ، و قد خالفوا في ذلك جميع المجتهدين ، لاتّفاقهم على جواز العمل بمحكمات الكتاب نصّا كان أو ظاهرا و استدلّوا عليه بأدلة وافية و براهين شافية تعرّضوا لها في علم الاصول ، و لا حاجة لنا في المقام إلى إشباع الكلام في هذه المسألة ، و إنّما مقصودنا تحقيق معنى الأخبار المذكورة ليتّضح المراد بها و يظهر أيضا عدم دلالتها على ما رامه الأخبارية فنقول : إنّ التفسير مأخوذ من الفسر و هو كشف السّتر عن المستور ، يقال : فسّر الشّي‏ء فسرا إذا كشف عن غطائه ، و قد يقال : إنّه كشف المراد عن اللفظ المشكل ، و في الاوقيانوس انّه في عرف المفسرين مرادف للتّأويل و في المصباح فسّرت الشّي‏ء فسرا من باب ضرب بيّنته و اوضحته ، و عن الصحاح الفسر البيان ، و قد فسرت الشي‏ء افسره بالكسر فسرا و التّفسير مثله . اذا عرفت هذا فاعلم انّه إن اريد بالتّفسير المذكور في الأخبار المعنيان الأوّلان ، فلا يكون فيها دلالة على المنع عن العمل بالظواهر و بالنّصوص بطريق اولى ، لظهور انّ التّفسير على المعنيين المذكورين إنّما يكون في الألفاظ التي معانيها خفية مستورة ، و الألفاظ التي معانيها مشكلة كالمجملات و المتشابهات ، و لا ريب انّ المعاني الظاهرة من الألفاظ بنفسها لا سترة عليها حتّى يحتاج إلى الكشف ، و لا إشكال فيها حتّى يحتاج إلى الفسر . [ 228 ] و امّا على القول بكونه مرادفا للتّاويل فكذلك ، إذ نحن لا ننكر عدم جواز تأويل ما يحتاج إلى التّأويل من تلقاء النّفس و نعترف بانحصار علم المتشابهات المحتاجة إليه في الأئمة عليهم السّلام ، لقوله تعالى : « وَ ما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ في الْعِلْمِ » و لكن اين ذلك من اتّباع المحكمات من العمل بالظواهر ، نعم على القول بأنّ معناه البيان و الايضاح كما حكيناه عن المصباح و الصّحاح يكون للاستدلال بالأخبار المذكورة وجه ، لعدم اختصاص التّفسير على ذلك المعنى بالالفاظ المجملة و المتشابهة إلاّ أن يقال : إنّ المراد بالرّأى في الأخبار المذكورة هو الاعتبار العقلي الظني الرّاجع إلى الاستحسان ، فالمراد من التّفسير بالرّأى حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد احتماليه ، لرجحان ذلك في نظره القاصر ، فلا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغوية و العرفية الظاهرة ، فالمقصود بهذه الرّوايات ذمّ المخالفين و طردهم من حيث استغنائهم بآرائهم الفاسدة عن مراجعة أهل البيت عليهم السلام ، و يشعر بذلك ما قاله سبحانه . في الحديث القدسي السّالف : و ما على ديني من استعمل القياس في ديني ، و يرشد إليه ما روي عن الصّادق عليه السّلام ، قال في حديث طويل : هلك النّاس في المتشابه ، لأنّهم لم يقفوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم فاستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء ، و يمكن أن يراد بالرّأى الهوى و ميل الطبع . توضيحه ما ذكره الغزالي في إحياء العلوم و هو أن يكون له في الشّي‏ء رأى و إليه ميل من طبعه و هواه فيتأوّل القرآن على وفق رايه و هواه ليحتجّ على تصحيح غرضه ، و لو لم يكن له ذلك الرّأي و الهوى فكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى ، و هذا تارة يكون مع العلم ، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته و هو يعلم أنّه ليس المراد بالاية ذلك ، و لكن يلبس به على خصمه و تارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن و يستدل عليه بما يعلم أنّه ما اريد به كالذي يدعو [ 229 ] إلى مجاهدة القلب القاسى فيقول قال اللّه عزّ و جلّ : « إِذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ » و يشير إلى قلبه و يؤمي إلى أنّه المراد بفرعون ، و هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصّحيحة ، تحسينا للكلام و ترغيبا للمستمع ، و قد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير النّاس و دعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزلون القرآن على وفق رأيهم و مذهبهم على امور يعلمون قطعا أنّها غير مرادة به انتهى ملخصا . و قد ظهر و اتّضح ممّا ذكرنا كله أنّ الأخبار المأثورة لا تنهض دليلا على المنع من استنباط الأحكام من الظواهر و محكمات الكتاب ، و لا على المنع من العمل بها إلاّ بعد السّماع و النّقل كيف و قد مدح اللّه سبحانه المستنبطين بقوله : لعلمه الذين يستنبطونه ، و ورد الأخبار المتواترة بعرض الأخبار المتعارضة على كتاب اللّه و أخذ الموافق له و طرح المخالف ، فتدل على أنّ الكتاب حجة و معروض عليه ، و لو لم يصحّ فهم معناه إلاّ بالنّص كيف يمكن العرض عليه و هو غير مفهوم المعنى ، و تمام الكلام في ذلك موكول إلى حواشينا على قوانين الاصول هذا . و قد بقي في المقام بعض أبحاث قرآنية من تواتره و تواتر قراءات السّبع و فضائله و فضائل قرائته و سماعه و النّظر فيه و غير ذلك من المباحث الشّريفة النّفيسة ، إلاّ أنّا طوينا عنها كشحا لخوف الاطالة و الاطناب ، و لعلّنا نشير إلى بعضها في المقام المناسب ، و اللّه الموفّق و المعين . الترجمة پس اختيار كرد و برگزيد خداوند سبحانه و تعالى بجهة محمّد خاتم الأنبياء صلوات اللّه عليه و آله ملاقات روحانى او را و پسنديد از براى او آن چيزى را كه نزد اوست ، پس اكرام فرمود و عزيز شمرد او را از ماندن دار دنياى فانى و صرف فرمود و بگردانيد ميل او را از اقامت مقام بلاد محنت ، پس قبض فرمود روح شريف او را بسوى خود در حالتيكه عزيز و شريف بود و خليفه گذاشت آنحضرت بعد از خود [ 230 ] در ميان شما مثل آن چيزيكه خليفه گذاشتند پيغمبران در ميان امتان خود ، زيرا كه ترك نكردند ايشان امتان را سر خود و واگذاشته بى راه روشن و بدون علامت و نشانه ثابت كه عبارتست آن خليفه گذاشته شده از كتاب پروردگار شما در حالتى كه بيان كننده بود آنحضرت حلال آنرا و حرام آن را و فضيلتهاى آن را كه مندوبات است و فريضه‏هاى آن را كه واجباتست و نسخ كننده آنرا و نسخ كرده شده آن را و رخصتهاى آن را كه در حال ضرورت اذن داده شده و عزيمتهاى آن را كه در هيچ حال اذن مخالفت آنها داده نشده ، و خاصهاى آنرا و عامهاى آن را و عبرت‏هاى آنرا و مثل‏هاى آنرا و مطلقات آنرا و مقيدات آن را و محكمات آنرا كه واضح الدلالة هستند و متشابهات آنرا كه غير واضح الدلالة مى‏باشند در حالتيكه آنحضرت تفسير كننده بود مجمل‏هاى آن را ، و بيان كننده بود مشكل‏هاى آنرا ، در حالتيكه آنكتاب ميان چيزى استكه اخذ كرده شده است پيمان دانستن آن ، و ميان چيزيست كه وسعت داده شده بر بندگان در جهالت آن ، و ديگر ميان آن چيزيستكه ثبت شده است در كتاب فرض و وجوب آن ، و دانسته شده است در سنت نبوى نسخ آن ، و ديگر ميان آنچيزيستكه واجبست در سنت اخذ و فرا گرفتن آن و اذن و رخصت داده شده است در آن كتاب ترك نمودن آن ، و ديگر مسائل آنچيزيستكه واجبست در وقت خود و زايل است در زمان استقبال خود ، و ديگر ميان حكمى است كه جدا شده است ميان محرمات خود با شدت و ضعف ، كه آنمحرمات عبارتست از كبيريكه وعده داده است بر آن آتش سوزان خود را ، و از صغيريكه آماده و مهيا فرموده است بجهة آن رحمت و غفران خود را ، و ديگر ميان چيزيستكه مقبول است در مرتبه ادناى خود و موسع است يعنى وسعت داده شده در مرتبه اعلاى خود الفصل الثامن عشر و منها و فرض عليكم حجّ بيته الحرام الّذي جعله قبلة للأنام ، يردونه ورود الأنعام ، و يألهون إليه ولوه الحمام ، جعله سبحانه علامة [ 231 ] لتواضعهم لعظمته ، و إذعانهم لعزّته ، و اختار من خلقه سمّاعا أجابوا له دعوته و صدّقوا له كلمته ، و وقفوا مواقف أنبيائه ، و تشبّهوا ملائكته المطيفين بعرشه ، يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، و يتبادرون عنده موعد مغفرته ، جعله سبحانه للإسلام علما ، و للعائذين حرما ، فرض حجّه ، و أوجب حقّه ، و كتب عليكم وفادته ، فقال سبحانه : وَ لِلَّهِ عَلىَ النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً ، وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمينَ . اللغة ( الحجّ ) بالفتح و الكسر هو القصد و في لسان الشرع أو المتشرعة قصد بيت اللّه الحرام تقرّبا إليه سبحانه بأفعال مخصوصة في زمان مخصوص في مواطن مخصوصة ، و في المصباح حجّ حجّا من باب قتل قصد و الاسم الحجّ بالكسر و ( الورود ) هو الدّخول في الماء للشّرب منه ( يألهون ) إليه من وله 1 يوله من باب ضرب و منع و حسب اذا ذهب عقله من فرح أو حزن ، و معنى يألهون إليه يشتدّ شوقهم إليه حتّى يكاد يذهب عقولهم من شدّة الاشتياق و ( الولوه ) بالضمّ مصدر وله يوله من الباب الرّابع مثل الولوغ من ولغ يولغ ، أو مصدر وله يوله من الباب السّادس مثل الولوغ أيضا من ولغ يولغ أو مصدر و له يوله من الباب الثّانى مثل الرجوع من رجع يرجع أو بالفتح مصدر وله يوله 2 من الباب الرّابع أيضا مثل الولوع من ولع يولع ، و على جميع الاحتمالات فالهمزة في يألهون مقلوبة من الواو . ----------- ( 1 ) الوله محركة الحزن او ذهاب العقل حزنا و الحيرة و الخوف و له كورث و وجل و وعد ، قاموس . ----------- ( 2 ) وله يوله ولها من باب تعب و فى لغة قليلة و له يله من باب وعد فالذكر و الانثى واله و يجوز فى الانثى والهة اذا ذهب عقله من فرح و حزن ، مصباح [ 232 ] و بما ذكرنا ظهر فساد ما توهّمه الشّارح المعتزلي حيث إنّه بعد ضبطه في المتن يولهون إليه و له الحمام اه قال : الوله شدّة الوجد حتّى يكاد العقل يذهب ، و له الرّجل يوله ولها ، و من روى يألهون إليه ولوه الحمام فسّره بشي‏ء آخر ، و هو يعكفون عليه عكوف الحمام ، و أصل أله عبد ، و منه الاله أى المعبود ، و لما كان العكوف على الشّي‏ء كالعبادة الملازمة له و الانقطاع إليه ، يقال : أله فلان إلى كذا أى عكف عليه كأنّه يعبده . ثمّ قال : و لا يجوز أن يقال : يألهون إليه في هذا الموضع بمعنى يولهون ، و أن أصل الهمزة الواو كما فسّره الراوندي لأنّ فعولا لا يجوز أن يكون مصدرا من فعلت بالكسر و لو كان يألهون هو يولهون كان أصله أله بالكسر فلم يجز أن يقول : ولوه الحمام ، و أمّا على ما فسّرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا ، لأنّ الأله مفتوح ، فصار كقولك : دخل دخولا ، انتهى . وجه ظهور الفساد أوّلا أنّ المضبوط من كلامه عليه السّلام في النّسخ المتعدّدة يألهون إليه ولوه الحمام و لم نعثر بعد على ما ضبطه الشّارح أعني يولهون إليه وله الحمام في شي‏ء من النّسخ ، و لعله غير كلامه لما زعم من عدم مطابقته للقواعد الصّرفيّة مع أنّ ذلك الزّعم فاسد حسبما تعرفه بعيد هذا . و ثانيا أنّ ما ذكره من عدم مجي‏ء فعول مصدرا من فعل بالكسر لا يعرف وجه له بل اللغة يشهد بخلافه على ما يظهر من الكتب المدوّنة فيها ، حيث إنّ المتحصّل منها أنّ فعولا بضمّ الفاء قد يجي‏ء مصدرا من فعل مفتوح العين ، سواء كان مضارعه يفعل بالفتح أيضا كالرّكوع و الرّنوع 1 و الولوغ 2 و الهبوغ 3 بالغين المعجمة في الأخيرين ، أو يفعل بالضمّ كالسّجود و البلوغ و القعود و الدّخول ، أو يفعل بالكسر ----------- ( 1 ) رنع لونه كمنع تغير و زبل و ضمر و الدابة طردت الذباب براسها و فلان لعت قاموس اللغة ----------- ( 2 ) ولغ الكلب فى الاناء و فى الشراب و منه و به يلغ كيهب و يالغ و ولغ كورث و وجل و لغا و يضم و ولوغا يشرب ما فيه باطراف لسانه ، ق . ----------- ( 3 ) هبغ كمنع هبوغا نام ، ق [ 233 ] كالرّجوع ، و قد يكون مصدرا من فعل مكسور العين سواء كان مضارعه يفعل بالكسر كالولوع أيضا أو بالفتح كالولوغ أيضا ، و قد ذكروا أنّ الفعول أيضا بفتح الفاء قد يكون مصدرا من فعل بكسر العين كالولوع 1 بالعين المهملة . و ثالثا أن ما ذكره أخيرا من قوله : و أمّا على ما فسّرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا لأنّ أله مفتوح فصار كقولك دخل دخولا . فيه أوّلا أنّه لم يسبق منه تفسير في ذلك ، و إنّما روى تفسيرا من غيره بقوله و من روى يألهون اه فسّره هكذا ، فقوله : و أمّا على ما فسّرناه نحن غير خال عن السّماجة . و ثانيا بعد الاغماض و الحمل على التّسامح اللّفظي أنّ التّفسير المذكور لا يصحّح ما ذكره ، إذ الهمزة في أله بمعنى عبد أصليّة و ليست مقلوبة من الواو ، فكيف يكون الولوه مصدرا له ، و إنّما مصدره إلاهة 2 و الوهة حسبما مرّ في تفسير لفظ الجلالة في صدر الخطبة . و ثالثا أنّ ظاهر تمثيله بقوله : دخل دخولا ، يشعر بكون أله من هذا الباب أيضا أى من باب فعل يفعل بفتح عين الماضي حسبما صرّح به نفسه أيضا و ضمّ عين المضارع مع أنّ اللّغويّين صرّحوا بأنّ أله بمعنى عبد من باب فعل يفعل كفرح يفرح و ( السّماع ) لم أجده في كتب اللّغة و لعلّه بضمّ السّين و تشديد الميم جمع سامع كسّمار 3 جمع سامر و هكذا ضبطه الشّارح البحراني و ( يحرزون الأرباح ) من ----------- ( 1 ) ولع به كوجل ولعا محركة و ولوعا بالفتح استخف و كذب و بحقه وهب و الوالع الكذاب ، قاموس . ----------- ( 2 ) اله الاهة و الوهة و الوهية عبد عبادة و منه لفظ الجلالة و أله كفرح تحير ، قاموس اللغة مكرر اله ياله من باب تعب الاهة بمعنى عبد عبادة و أله ياله من باب تعب اذا تحير و اصله وله يوله ، مصباح اللغة . ----------- ( 3 ) يقال سمر فلان سمرا و سمورا من الباب الاول اذا لم ينم و تحدث ليلا و هم السمار بضم السين و تشديد الميم يقال باتوا سمارا ، اقيانوس . [ 234 ] قولهم أحرزت الشّي‏ء إحرازا ضممته ، و منه قولهم : أحرز قصب السّبق إذا سبق إليها فضمّها دون غيره و ( التّبادر ) هو التّسارع ، و يتعدّى بإلى كما أنّ التّسارع كذلك يقال : سارعوا إليه و تسارعوا و ( العائذين ) جمع عائذ بالياء المثنّاه و الذّال المعجمة و هو المستجير المعتصم الملتجي ، و في بعض النّسخ : العابدين بالباء الموحّدة و الدّال المهملة و الأوّل أقرب و ( الوفادة ) كالافادة بقلب الواو همزة و الوفد و الوفود مصدر وفد كضرب يقال : وفد إلى الأمير و عليه وفدا و وفودا و وفادة و إفادة إذا قدم و ورد ، و في الحديث حقّ الصّلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى اللّه ، أى قدوم إليه طلبا لفضله . الاعراب جملة يردونه في محلّ النّصب على الحاليّة ، و الورود و الولوه منتصبان على المصدريّة مجازا ، اى ورودا مثل ورود الأنعام ، و ولوها مثل ورود « ولوه ظ » الحمام ، و مواقف مفعول فيه ، و موعد منصوب بنزع الخافض أى إلى موعد مغفرته و يحتمل الانتصاب على المفعول فيكون المعنى أنّهم يتسارعون عند الحجّ لوعد المغفرة ، و من استطاع في محلّ الجرّ بدل من النّاس بدل بعض من الكلّ و الربط في الجملة الخبريّة أعني قوله : فانّ اللّه غني عن العالمين ، العموم فيها الشّامل للمبتداء إذا العالمين شامل لمن كفر و غيره و مثله قوله : « وَ الَّذينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلوةَ إِنّا لا نُضيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحينَ » المعنى قال الرّضي ( ره ) ( و منها ذكر الحجّ ) اعلم أنّ فاتحة كلامه عليه السّلام في هذا الفصل كخاتمته مشتملة على ذكر وجوب الحجّ و فرضه ، و تالي الفاتحه و متلوّ الخاتمة متطابقان في وصف البيت الحرام و الواسطة بينهما واردة في أوصاف الحاج الكرام و مدايحهم و الثّناء لهم ، فهو من أبلغ الكلام على أحسن نظام . قال عليه السّلام : ( و فرض عليكم حجّ بيته الحرام ) أمّا فرض الحجّ و وجوبه فقد [ 235 ] ثبت بالكتاب و السنّة و إجماع المسلمين بل الضّرورة من دين الاسلام حسبما يأتي في آخر الفصل إنشاء اللّه . و أمّا البيت الحرام فهو أوّل بيت وضع للنّاس مباركا و هدى للعالمين ، و موضعه أوّل بقعة خلقت من الأرض خلقها اللّه سبحانه من زبد الماء و دحى الأرض من تحتها و اختارها على أجزائها و جعلها مطاف الملائكة المقرّبين و الأنبياء المرسلين و العباد الصّالحين ، كيف لا و قد بناه الخليل بأمر الجليل و المهندس جبرائيل و التلميذ اسماعيل كما قال : « وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَلاّ تُشْرِكْ بي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفينَ وَ الْقائِمينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ » و ينبغى التّعرض فى المقام لأصل بناء البيت و مبناه و لبعض المشاعر و المناسك و الاشارة إلى جهة توصيف البيت بالحرام فالبحث فى مقاصد ثلاثة . المقصد الاول اعلم أنّ موضع البيت حسبما اشير إليه هو أوّل جزء من أجزاء الأرض في عالم الخلق كما روي في الفقيه عن أبي جعفر عليه السّلام لما أراد اللّه أن يخلق الأرض أمر الرّياح الأربع فضربن بهن الماء حتّى صار موجا ، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا ، فجمعه في موضع البيت ، ثمّ جعله جبلا من زبد ، ثمّ دحى الأرض 1 من تحته ، و هو قول اللّه : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » فأوّل بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثمّ بدت الأرض منها . ----------- ( 1 ) و فى حديث أبى عبد اللّه « ع » المروى فى الفقيه خلقه اللّه قبل دحو الارض بالفى عام اقول : دحو الارض عبارة عن بسطها و فرشها و قد كان فى الليلة الخامسة و العشرين من ذى قعدة و لذلك استحب الصوم فى يومها قال الرضا عليه السّلام فيما رواه فى الفقيه فمن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستين شهرا ، منه [ 236 ] و أمّا البناء الأصلى ففى رواية الفقيه عن عليّ بن موسى بن جعفر عليهم السلام انّه قال في خمسة و عشرين من ذى القعدة أنزل اللّه عزّ و جلّ الكعبة البيت الحرام ، فمن صام ذلك اليوم كان كفّارة سبعين سنة ، و هو أوّل يوم انزل فيه الرّحمة من السّماء على آدم عليه السّلام . و في رواية اخرى فيه أيضا عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزلة لآدم من الجنّة و كان درّة بيضاء فرفعه اللّه عزّ و جلّ إلى السّماء و بقي اسه 1 و هو بحيال هذا البيت يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك و لا يرجعون إليه أبدا ، فأمر اللّه عزّ و جلّ إبراهيم و اسماعيل عليهما السّلام ببنيان البيت على القواعد . و في تفسير عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام في رواية طويلة ، قال عليه السّلام : فلمّا بلغ يعني اسماعيل مبلغ الرّجال أمر اللّه تعالى إبراهيم عليه السّلام أن يبني البيت ، فقال : يا ربّ في أيّ بقعة ؟ فقال : في البقعة التي انزلت على آدم القبة ، فأضاء لها الحرم ، فلم تزل القبة التي أنزلها اللّه على آدم قائمة حتّى كان أيّام الطوفان أيام نوح عليه السّلام فلمّا غرقت الدّنيا رفع اللّه تلك القبّة و غرقت الدّنيا إلاّ موضع البيت فسمّيت البيت العتيق لأنّه اعتق من الغرق ، فلما أمر اللّه إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أيّ مكان يبنيه ، بعث اللّه جبرئيل فخطّ له موضع البيت فأنزل اللّه عليها القواعد من الجنّة ، و لما كان الحجر الذي أنزله اللّه على آدم أشدّ بياضا من الثّلج ، فلما مسّته أيدي الكفّار اسودّ فبنى ابراهيم البيت و نقل إسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه الى السّماء تسعة أذرع ثمّ دلّه على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم و وضعه في موضعه الحديث . اقول : المستفاد من هاتين الرّوايتين و من بعض الرّوايات 2 الآتية في المقصد الثّاني أنّ أصل البناء كان في زمن آدم ، و يطابقهما بعض الرّوايات الدّالة على أنّ أوّل البناء كان من آدم ، ثمّ انطمس في زمان نوح فبناه إبراهيم ، ثمّ بناه العمالقة ، ----------- ( 1 ) من الاساس ----------- ( 2 ) كرواية العلل و غيرها منه [ 237 ] ثمّ قريش ، ثمّ الحجّاج اللّعين . و في رواية أبي بصير المرويّة في الفقيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إن آدم هو الذي بنى البنية و وضع أساسه و أوّل من كساه الشّعر و أوّل من حجّ إليه الحديث . إلاّ أنّ المستفاد من بعض الرّوايات الأخر أنّه كان قبل آدم هناك بيت يسمّى بيت الضّراح كان يطوف به الملائكة ، فلمّا هبط آدم إلى الأرض أمر بطوافه . و يؤيده ما رواه الصّدوق عن بكير بن أعين عن أخيه زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : جعلنى اللّه فداك أسألك في الحجّ منذ أربعين عاما فتفتيني فقال : يا زرارة بيت يحجّ قبل آدم بألفي عام تريد أن يفتى مسائله في أربعين عاما ، و سيأتي إنشاء اللّه عند شرح قوله : و وقفوا مواقف أنبيائه في حديث حجّ آدم 1 ما يفيد ذلك أيضا . و وجه الجمع بين هذه الرّوايات و الرّوايات الاولة غير خفيّ على أهل المعرفة . المقصد الثانى في الاشارة إلى بعض المشاعر العظام كالحجر و المقام ، و هما من الآيات التي اشير إليها في قوله تعالى : فيه آيات بيّنات . اما الحجر فقد أودع اللّه فيه مواثيق الخلق ، قال الصّدوق في الفقيه : و إنّما يقبّل الحجر و يستلم ليؤدّي إلى اللّه العهد الذي أخذ عليهم في الميثاق ، و إنّما وضع الحجر في الركن الذي هو فيه و لم يضعه في غيره ، لأنّه تعالى حين أخذ الميثاق أخذه في ذلك المكان ، و جرت السّنة بالتكبير و استقبال الرّكن الذي فيه الحجر من الصّفا ، لأنّه لمّا نظر آدم و قد وضع الحجر في الرّكن كبّر اللّه و هلّله و مجدّه ، و إنّما جعل الميثاق في الحجر لأنّ اللّه لمّا أخذ الميثاق له بالرّبوبية و لمحمد صلّى اللّه عليه و آله بالنّبوة و لعليّ عليه السّلام بالوصيّة ، اصطكّت فرايص الملائكة ، و أوّل من أسرع إلى ----------- ( 1 ) و هو آخر الحديث المذكور حيث قال فلما قضى آدم حجة لقته الملائكة بالابطح فقالوا يا آدم بر حجك اما انا قد حججنا قبلك هذا البيت بالفى عام ، منه [ 238 ] الاقرار بذلك الحجر ، فلذلك اختار اللّه و ألقمه الميثاق و هو يجي‏ء يوم القيامة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك المكان و حفظ الميثاق ، و إنّما اخرج الحجر من الجنة ليذكر آدم ما نسى من العهد و الميثاق انتهى . و تفصيل ما ذكره هنا و سنده ما رواه في علل الشّرايع باسناده عن بكير بن أعين ، قال : قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام : هل تدري ما كان الحجر ؟ قال : قلت : لا قال : كان ملكا عظيما من عظماء الملائكة عند اللّه عزّ و جلّ ، فلما أخذ اللّه من الملائكة الميثاق ، كان أوّل من آمن به و أقرّ لذلك ذلك الملك فاتخذه اللّه أمينا على جميع خلقه فألقمه الميثاق و أودعه عنده و استعبد الخلق أن يجدّدوا عنده في كلّ سنة الاقرار بالميثاق و العهد الذي أخذه اللّه عليهم ، ثمّ جعله اللّه مع آدم في الجنّة يذكر الميثاق و يجدّد عند الاقرار في كلّ سنة . فلما عصى آدم فاخرج من الجنّة أنساه اللّه العهد و الميثاق الذي أخذ اللّه عليه و على ولده لمحمّد و وصيه صلوات اللّه و سلامه عليهما و جعله باهتا حيرانا ، فلما تاب على آدم حوّل ذلك الملك في صورة ذرّة بيضاء ، فرماه من الجنّة إلى آدم و هو بأرض الهند ، فلمّا رآه آنس إليه و هو لا يعرفه بأكثر من أنّه جوهرة ، فأنطقه اللّه عزّ و جلّ ، فقال : يا آدم أتعرفنى ؟ قال : لا قال : أجل استحوذ عليك الشّيطان فأنساك ذكر ربّك ، و تحوّل إلى الصّورة التي كان بها في الجنّة مع آدم . فقال لآدم : أين العهد و الميثاق ؟ فوثب إليه آدم و بكى ذكر الميثاق و بكى و خضع له و قبّله و جدّد الاقرار بالعهد و الميثاق ، ثم حوّل اللّه عزّ و جلّ جوهر الحجر درّة بيضاء يضي‏ء ، فحمله آدم على عاتقه إجلالا له و تعظيما ، فكان إذا اعيا حمله جبرئيل عليه السّلام حتى وافى به مكّة ، فما زال يأنس به بمكة و يجدّد الاقرار له كلّ يوم و ليلة ، ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أهبط جبرئيل إلى أرضه و بنى الكعبة هبط إلى ذلك المكان بين الرّكن و المقام و الباب ، و في ذلك المكان ترأى لآدم حين أخذ الميثاق ، و في ذلك الموضع القم الملك الميثاق ، فبتلك العلّة وضع في ذلك الرّكن و نحى آدم من مكان البيت إلى الصّفا و حوّا إلى المروة ، و جعل الحجر في الرّكن [ 239 ] فكبّر اللّه و هلّله و مجّده ، فلذلك جرت السّنة بالتكبير في استقبال الرّكن الذي فيه الحجر من الصّفا . و انّ اللّه عزّ و جلّ أودعه العهد و الميثاق و ألقمه إيّاه دون غيره من الملائكة لأنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أخذ الميثاق له بالرّبوبية و لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله بالنبوة و لعليّ عليه السّلام بالوصية اصطكت فرايص الملائكة ، و أوّل من أسرع إلى الاقرار بذلك ذلك الملك ، و لم يكن فيهم أشدّ حبّا لمحمّد و آل محمّد عليهم السّلام منه ، فلذلك اختاره اللّه عزّ و جل من بينهم و ألقمه الميثاق فهو يجي‏ء يوم القيامة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكل من وافاه الى ذلك المكان و حفظ الميثاق . أقول : من كان علمه مقتبسا من نور النّبوة و الوحى الالهي يعلم سرّ استلام الحجر و تقبيله و أنّ أداء الامانة عنده من جهة اختصاصه بالتّقدم إلى الولاية من بين الملائكة ، و يعرف أنّه يؤدّي الموافاة يوم القيامة و أمّا من أضلّ اللّه و أعمى قلبه فلا يظنه إلاّ حجرا لا يضرّ و لا ينفع . كما روى الفخر الرّازي عن عمر بن الخطاب انّه انتهى إلى الحجر الأسود فقال إنّي لأقبّلك و إنّي لأعلم أنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع و أنّ اللّه ربّي و لولا أنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقبّلك ما قبّلتك . و زاد الغزالي قال : ثمّ بكى حتّى على نشيجه فالتفت إلى ورائه فرأى عليّا كرم اللّه وجهه و رضي عنه ، فقال : يا أبا الحسن هيهنا تسكب العبرات و تستجاب الدّعوات ، فقال عليّ : بل هو يضرّ و ينفع ، قال : و كيف ؟ قال إنّ اللّه تعالى لمّا أخذ الميثاق على الذّريّة كتب عليهم كتابا ثمّ ألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفا و يشهد على الكافر بالجحود انتهى . أقول : كما يمكن أن يكون قوله : إنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع ، من باب الجهالة و لا غرو فيها ، لما ستطلع عليه إنشاء اللّه في تضاعيف ذلك الكتاب بجهالاته التي أعظم من هذه ، كذلك يمكن أن يكون من باب التّجاهل باقتضاء خبثه الباطني و نفاقه [ 240 ] الغريزي هذا . و في بعض الأخبار أنّ الحجر لا يستقر مكانه إلاّ أن يضعه نبيّ أو إمام كما مرّ أنّ أوّل وضعه في موضعه كان من آدم ، ثمّ من إبراهيم ، حيث إنّه لما بنى البيت و انتهى إلى موضع الحجر ناداه أبو قبيس يا إبراهيم إنّ لك عندى وديعة ، فأعطاه الحجر فوضعه موضعه ، رواه في الفقيه . و عند ما هدمت قريش الكعبة من جهة السّيل الذي كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها و انصدعت ، وضعه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله موضعه . و عند ما هدمها الحجّاج على ابن الزبير ثمّ بناها و فرغ من بناها سأل عليّ ابن الحسين عليهما السّلام أن يضعها في موضعه فأخذه و وضعه موضعه . و في زمن القرامطة الاسماعيليّة خذ لهم اللّه و لعنهم حيثما نقلوا الحجر الى مسجد الكوفة ثمّ ردّ إلى مكة فوضعه الامام صاحب العصر عجل اللّه فرجه موضعه ، و كان ذلك في الغيبة الكبرى ، كلّ ذلك رويناه عن الأخبار الصحيحة . و في الفقيه و كان أشد بياضا من اللّبن فاسود من خطا يا بني آدم ، و لولا ما مسّه من أرجاس الجاهليّة ما مسّه ذو عاهة إلا برء ، و في رواية عليّ بن إبراهيم القميّ و كان الحجر الذي أنزله اللّه على آدم أشدّ بياضا من الثّلج فلمّا مسّته أيدى الكفّار اسود . و أما المقام فهو من أعظم الأعلام ، قال في الفقيه : قال زرارة بن أعين لأبي جعفر عليه السّلام : قد أدركت الحسين عليه السّلام قال : نعم ، أذكر و أنا معه في المسجد الحرام و قد دخل فيه السّيل و النّاس يقومون على المقام يخرج الخارج و يقول : قد ذهب به السّيل و يدخل الدّاخل و يقول : مكانه ، قال : فقال يا فلان ما يصنع هؤلاء ؟ فقلت أصلحك اللّه يخافون أن يكون قد ذهب بالمقام ، قال : انّ اللّه عزّ و جلّ جعله علما لم يكن ليذهب به فاستقرّوا و كان موضع المقام 1 الذي وضعه إبراهيم عند جدار البيت ، فلم يزل ----------- ( 1 ) و رواه فى الكافي ايضا عن الباقر عليه السّلام ، منه [ 241 ] هناك حتّى حوّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم ، فلما فتح النّبيّ صلّى اللّه عليه